Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الاربعاء 28 ابريل 2010

يسألونك عن الدولة

صراعات محمومة ، وتنافس خشن فى غيابها

عـيسى عـبدالقيوم

المشهد الأول :

من طبيعة عمل الدولة ـ أي كان وصفها ـ أن تصدر قرارات إدارية .. فتلك خاصية لا علاقة له حتى بحسابات آليات الديمقراطية .. فالقرارات ذات الطابع الإداري أو التنظيمي منفصلة عن مستوى السلطة بشكلها المباشر ـ أو هكذا يجب أن تكون ـ .. وإن كانت تأخذ قوتها التنفيذية منها .. وهي من صلاحيات الجهات المكلفة تشريعيا ( دستوريا ) بالتخطيط أو التطوير .. أو ما شابه ذلك .. وغالبا ما تحسب على طبقة التكنوقراط المبثوثة في مفاصل الدولة .

عموما .. قررت الدولة الليبية تقليص عدد جامعاتها ( = القرار رقم 149 ـ للعام 2010).. وهو قرار إداري تنظيمي .. من أراد أن يعلق عليه فلن يستطيع مغادرة هذا المربع إلا إذا كان يرغب فى الخروج على النص .. والنص هنا ليس المؤيد فقط .. بل قد يكون المخالف كذلك .. ولكن ما حدث شيء يدعو للأسف ولنبدأ القصة من أولها .

ـ الدولة تقرر تقليص عدد الجامعات الى عشرة .. دون إلغاء أي منها أو إقالة أي من " الكابوّات " .. فقط العملية دارت فى فلك الضم والتقليص " اي حوّل ماللحية وحط فالشراب " .. وكان أحد الإختيارات ضم جامعة العرب الطبية مع عدد من الجامعات الأخرى الى جامعة قاريونس .. الى هنا قد نتفق أو نختلف حول جدوى العملية .. ونقبل من يرى أنها عشوائية .. ونقبل من يرى أنها مدروسة من أجل تنظيم الفوضى وكبح جماح الفساد .. ونقبل حتى من يقول " قديمة ومكرره وبايخة " .. المهم أنه طالما حضرت الدولة .. فلا مجال لغير التنفيذ " فإذا حضر الماء بطل التيمم " .. مع قبول فكرة الإستماع للرأي المخالف .. وفسح المجال أمام اللجوء الى القنوات المتاحة لمن يرغب فى المضي أبعد من مجرد " فش الخلق " .

والمفاجأة أو المفاجعة فى المشهد .. شكّلها رفض الدكتور عبدالهادي موسى ( العرب الطبية ) لقرار الدولة شكلاً ومضموناً.. والشروع فى تصرفات أقل ما يقال عنها أنها غير مسئولة .. وأبانت أن قرار الضم كان صحيحاً .. اذا كانت هذه هي عقلية ( رئيس جامعة ) .. قطع كهرباء .. أوامر للموظفين بعدم الحضور يوم التسليم .. حرق إطارات .. التترس بشعارات نعلم جميعا أنها سبب دمار الجامعة الليبية .. وأخيرا .. وفى مشهد يشبه فقرات مسلسل " لعب عيال".. جحافل قاريونس تضع لافتتها .. وغضاريف العرب الطبية تنزعها لتضع لافتتها الخاصة .. وسط ذهول ممّن فاتتهم فيشطة الثمانينات .. وخيبة أمل ممّن عاصرها وظن أنه زمن ولى ولن يعود .. طلاباً وأعضاء هيئة تدريس وعابري سبيل مثلي .

مربط الفرس فى المشهد يتمثل فى أخبار تتطاير عن قرار رسمي يقضي بتسليم د. محمد شرف الدين للمهمة الجديدة .. موقـّع من اللجنة الشعبية العامة (الدولة ) .. وأخبار مضادة تشير الى أن د. عبدالهادي موسى يقول بأن القرار لاغٍ ..وأنه يحمل تفويضا من فوق ( = جهات عليا ) بإبقاء الأمور على ما كانت عليه .. فى ظل تجاذب محموم بين فئة محسوبة بكاملها على الخط الأخصر (= شرف الدين + موسى + الكومبارس ) كي لا تخرسنا " نظرية المؤامرة " وتفقدنا حق التعبير .. وتجعلنا نرسل بتحياتنا الى أصدقاء الحوار ممهورة بـ " اللي تلقوه راكب علي خشبة قولوله مبروك عليك حصانك ".

عموما .. متاهة تنتمي الى الكوميديا السوداء .. والغائب الحقيقي .. أو الخاسر الأكبر .. هو " مفهوم الدولة " الذي من أجله بُحّت الرقاب .. وسُيّلت المحابر .. وصرصرت أبواب الزنازين .. وأجتيزت الحدود قصراً .. وهنا أتمنى أن أسمع من " فقهاء " الفكرة الثوري مثل الدكتور المهدي امبيرش .. والدكتور إبراهيم أبوخزام .. فقد سبق وقرأت لهما مطولات حول مفهوم الدولة .

إن هكذا عبث من شخصيات محسوبة على وسط التعليم العالي .. يشير الى أن القصة ليست حرصاً على مسيرة التعليم .. بل هي كما يصفها الشارع " واغمة " لا أحد يرغب فى التنازل عنها بسهولة .. فهؤلاء بتصرفهم المخجل يؤكدون أن لا وجود للدولة .. وإنما هي اقطاعيات متوارثة لا تخضع لأجهزة تخطيط والتطوير المكلفة قانونياً .. وأن من على رأسها لا يعتبرون أنفسهم موظفون لدى الدولة .. بل أوصياء عليها وصية الشاطر على السفيه !..وربما يكتب أحدهم على باب مكتبه يوم تعيينه ( بالحبر السري طبعا) أنا ومن بعدي الطوفان ! .

المشهد الثاني :

قضية تحمل رقماً فى محكمة ليبية .. والدولة معترفة بوقوعها .. إنها قضية أبوسليم .. ودون تكرار لتفاصيل معروفة .. فهناك رابطة لأهالي الضحايا تطالب بتطبيق منطوق حكم صادر عن محكمة شمال بنغازي بلسان القاضي " فرج البرغثي " .. وتتساءل عن مصير تعهد صادر عن قاضي التحقيق المستشار " محمد الخضار " .. وعن جدية وعود صادرة عن مؤسسة القذافي لحقوق الإنسان .. وعلى الجهة الأخرى من ذات الرصيف هناك رابطة أخرى بإسم " شهداء الواجب " .. تقول بأن لديها قضية تتمحور حول من سقطوا فى حقبة التسعينات أثناء المصادمات المسلحة .. وتعتبر أن لها حق مهدور .. وقد سبق لي أن كتبت منذ اسبوعين تقريباً محذرا من إحتمال صدام الملفات فى حال صمتت الدولة (1) .. وللأسف فقد حدث المحذور .. فعندما إختفت الدولة برزت عدالة الشارع .. وهي عدالة خطيرة .. كونها لا تخضع لمعايير .. ولا تحضى بأي مشروعية .. وليس لها أي تكييف أو غطاء قانوني .

عموماً شاهدنا جميعاً السيد مفتاح عقيلة البدري يشهر سيفه ليقتص لوالده .. هكذا ببساطة .. وفى المقابل السيد فتحي تربل يرد بقوله " لا اضمن سلامته من الأهالي .. كونه معتدٍ على مسالمين عُزّل " .. ولو دقق القارئ النظر فى العبارتين سيجد المساحة المناسبة لوضع عبارة " اين الدولة " ؟!.. فلا حق للسيد البدري إلا فى ملف أمام القضاء .. وحمايته من مسئولية الدولة .. وكذلك أهالي ضحايا ابوسليم .. يكمن حقهم فى التقاضي .. وحمايتهم من مسئولية الدولة .. وللشارع فقط حق المؤازرة والتأييد السلمي لمن يراه مظلوماً .

أما ما يحدث على الأرض فهو شيء مرعب .. ومدمر .. ولا يبشر بخير .. أقولها بدون تلعثم وبكامل المسئولية .. إذا كانت الدولة عاجزة عن تنظيم شئون مواطنيها فقد فقدت مشروعتها فى الشارع .. فإذا كان تعريف الدولة يقرر بأنها شعب وإقليم وسلطة .. فإن الرابط بينهم هو العقد السياسي والإجتماعي المنظم لشكل العلاقة بين الأقانيم الثلاثة .. وما نراه هو غياب لهذا العقد .. مما يعني ببساطة سقوط الدولة فى حس الشارع .. وبالتالي فلا عجب حين نقرأ بأن السيد البدري سيعتمد على إخوته فى سداد حقه بالقوة .. بل ويقرر ( بمفرده ) أنها قد تكون بداية لحرب أهلية ( هكذا ببساطة).. ونقرأ لافتات لرابطة الأهالي تطالب بعدالة ما وراء الحدود .. بعد أن خابت آمالهم فى العدالة الوطنية .. والعجيب فى هذا المشهد أن طرفي الخصومة لديهم نفس الإحساس وهو سقوط هيبة الدولة وغيابها .. وبالتالي لجوءهم لعدالة الشارع.

الخاتمة :

لعبة إزدواجية المعايير فى شغل الدولة شأن خطير .. واللامبالاة من عناصر الإحباط .. ولقد صفقتُ لقرار إعفاء الأستاذ محمد بعيو ( رئيس الهيئة العامة للصحافة ) .. ليس نكاية أو عداوة فيه ، فلست طرفاً فى الخصومة .. وأعتبره مجتهد ولكل مجتهد نصيب .. فقط صفقت لأنني قدّرت أنه تجاوز على نحو ما منطق الدولة .. بل وتأسفت وأنا أقرأ محاولته إستخدام ثقل الدولة كي ينزل به على إعلامي فى بداية مشواره ( = المميّز نبيل الحاج الذي ربما يطاله بعض اللوم كذلك ).. المقصود عندما يصل الأمر الى محاولة أن يتحول موظف فى الدولة الى قاضٍ أو جلادٍ أو حتى مغامرٍ .. فلا مناص من أن يرحل لتبقى الدولة .

وكذلك صفقت لقرار إتحاد الكرة معاقبة اللاعب " احمد الزوي ".. فقد كان دافعي للكتابة عن حادثة ملعب 11 يونيو بطرابلس يومها (2) .هو صمت الأجهزة المعنية ( الإذاعة والإتحاد ) وتنكبها عن أداء واجبها المكلفة به من طرف الدولة لمصلحة المجتمع .. وعندما جاء القرار صفقت له بلا تردد .

سادتي الكرام .. عندما يعلم الموظف أو المواطن أنه جزء من منظومة تشرعن لها أجهزة الدولة المعنية فقط .. وأن لا مجاملة فى هذا المستوى .. وأن الجميع سيخضع لسلطان الدولة وفق العقد السياسي أو الإجتماعي .. وما تحتمه مصلحة جمهور المواطنين العليا .. سيعي حينها الحد الفاصل بين ما له وما عليه ولن يتجاوزه .. وفى المقابل عندما تعلم الدولة أن فقدها لموظف ـ أو أكثر ـ مهما كانت درجته أو خلفيته أو أهميته لا يكافئ فقدها لهيبتها .. عندها ستمنح مواطنيها الشعور بالثقة .. وتدفعهم للتمسك بها كمظلة للجميع .

على أي حال .. نحن اليوم ننتظر كيف ستتعامل الدولة مع قضية الإفتئات عليها من قبل " رئيس جامعة العرب الطبية " .. وننتظر كيف ستعالج فكرة عدالة الشارع التى بدأت تطل علينا عبر بوابة قضية ابوسليم .. ليس لمشاكستها بل للتأكد من سلامة المظلة .. وبالتبع سلامة المجتمع .. فضريبة غياب الدولة لا تطاق لو كانوا يعلمون .. وأن الإتفاق على بقاءها والحفاظ عليها وجعلها على مسافة من أيديولوجية السلطة مَهمّة وطنية .. مهما إختلفنا حول الملفات السياسية .. فالنضال السلمي المدني ـ وإن طال ـ هو الضمان الوحيد لسلامة الوصول الى الأهداف .. وما عداه قفزة الى المجهول أشفق على كل من لا يرتجف من نتائجها .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
_________________________

1ـ للعودة لملاحظة التحذير من صدام الملفات يمكن مراجعة مقالة " إنتهاء مهلة أخرى لقضية رأي عام " تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea110410a.htm
2ـ كنت قد نشرت مقالة " الرياضة ضمن دائرة الصمت " موجهة الى إتحاد الكرة عبر صحيفة قورينا.. قبل إتخاذه لقرار معاقبة اللاعب .. تجدها على مدونتي تحت هذا الرابط . http://essak.maktoobblog.com/1619127/alyaum8-100
ـ كل من الاستاذ محمد بعيو .. واللاعب أحمد الزوي تمتعا بروح رياضية عاليا عندما اعتذرا عما بدر منهما .. وهو ما يوقف أي إمتدادات لما جرى .. ويضيف الي رصيدهما .. والشاهد فيه كان تحرك اجهزة الدولة لإثبات وجودها ووضع بصمتها على الحدث.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home