Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الأحد 27 ديسمبر 2009

الخطوط الحمراء.. متحركة رغم وهم ثباتها *

عـيسى عـبدالقيوم

إعتدنا سماع مصطلح " الخطوط الحمراء ".. وتسويقه على أنه شيء ثابت وغير قابل للزحزحة .. بالرغم من كونه ـ كمصطلح ـ جاء للتعبير عن بعض مظاهر حياة (فى الغالب سياسية أو دينية) تعج بالحركة والحيوية الرافضة بطبيعتها لفكرة الثبات .. والعصية على فكرة التثبيت .. فهل بالفعل مصطلح " الخط الأحمر" يمثل خطاً أحمراً فى حد ذاته ؟! .. أم أن الأمر متعلق بسلة الموروثات التى قد يتلقفها المرء بحسن نية ظناً منه أن كافة محتوياتها لا تحتاج الى تفكيك ؟!.

ولو عدنا الى مصطلح الخطوط الحمراء لوجدنا أنه أستخدم للتعبير عن حزمة مطالب أو نواهي لا يمكن بحال التنازل عنها أو التسامح حيالها.. لكونها ـ كما يروّج ـ معبرة عن الثابت فى الحياة .. فهل هذا القصد ممكناً خاصة فى دنيا السياسة ، ومسرح الفقه ؟!.

لعل من الطريف أن فكرة الخطوط فكرة رياضية .. فكما أنه يمكن قراءة الخطوط بشكل افقي مما يعني أن كل الخطوط تمثل مستوى واحداً .. يمكن أن تقرأ على أنها عمودية وبالتالي سيشكل كل خط مستوى مستقلاً .. بما يعني أن فى القصة قولين حتى وفق ذات الفلسفة الغامضة .

ومن هنا فربما يكون مصطلح الخطوط الحمراء لا يعدو كونه أحد أدوات الساسة والشيوخ من أجل طمأنة الغالبية الصامتة حيال ثبات المنتج الذي يسوقونه .. بمعنى أنه مصطلح رغم ما يظهر من صرامته إلا انه خاضع هو الأخر للتحول من مستوٍ الى أخر .. ومن حيز الى أخر .. ولكن بمبررات ومسوغات يقدمها الساسة تحت عنوان " السياسة فن الممكن " .. ويقدمها الشيوخ تحت عنوان " الضرورات تبيح المحضورات " .. لتؤكد لنا المحصلة أن الخط الأحمر يتحرك .. والثابت الوحيد هو زعم الساسة والمشايخ بأنه ثابت ! .

فعلى سبيل المثال تعتبر النصوص الدينية الواردة فى القرآن خطا أحمرا .. مما يوهم السامع بأنها غير خاضعة لقوانين التحول .. لكونه إعتاد سماع عبارة " النص خط أحمر" وتقبلها دون إعتراض .. فصارت العبارة تستخدم بكثرة فى الخطب الحماسية المستهدفة جلب الأتباع .. أو سحق الخصوم .. ولكن عند التدبر سنجد أن مصطلح " الخط الأحمر " قد لا ينطبق إلا على وصف ذات النص بأنه " مقدس " ولا يجوز بحال شطبه أو تدنيسه .. أما قضية فهمه .. وكيفية العمل به أو التعامل معه .. بل حتى النظر فى الوعاء الزمني له من أجل إيقاف أو تجميد العمل به بصورة مؤقتة اونهائية.. لا يعتبر من الخطوط الحمراء .. والتاريخ شاهد على كم هائل قيل بأنه خط أحمر تم تجاوزه دون الحاجة الى وحي جديد .. بل تم ذلك على أيدي بشر .

ولتقريب الفكرة لننظر الى " النص " الذى يحدد مصارف الزكاة .. سنجد أن القرآن قد حدد أن الزكاة تعطى لثمانية اصناف .. فحسب نظرية " الخطوط الحمراء " لا يمكن بحال إلا إبقاء المصارف كما هي .. كونها " نص " اي خط أحمر مفترض .. ولا إجتهاد مع نص .. لكننا نجد قراءة سيدنا عمربن الخطاب لم تمانع فى تحريك الخطوط وفق رؤيته للوعاء الزمني .. فلم يجد بأسا فى إيقاف العمل بالنص معللا ذلك بإنتهاء وعاءه الزمني .. بقوله عن سهم المؤلفة قلوبهم " كنا نعطيها والإسلام ضعيفا " .. وألغي العمل بهذا النص الى يومنا هذا !! .

وعليه فإذا أردنا أن نحدد تركيبة الخط الأحمر فسنقول أنه ذات القيمة فقط .. وثباته لا يتعدى هذه الفكرة .. أما من جهة تعاطيه مع الحياة فلا يمكن بحال أن يكون الخط الأحمر ثابتاً .. وإلا لأسنت الحياة وفسدت عقول الناس التى هي مناط التكليف فى تحديد الأولويات ورسم العلاقات بين الأشياء .. وإحترمنا للعقول التى رتبت حياة أسلافنا لا يستلزم بالضرورة البروك عند نتاجها وتلوينه باللون الأحمر .. وكي لا نستمر فى إبتلاع الطعم القاتل لنقل صراحة أنه لا وجود لخط أحمر بالمفهوم الطوباوي المعمول به فى المنظومة الإسلامية أو العربية .. وكل ما هنالك هو حزمة مطالب مرحلية نحن من ينتقيها بعناية .. بالتالي علينا أن نقبل فكرة تغييرها فى أي لحظة .. فى حال توفرت ظروف ومعطيات تستلزم التغيير أو التحول .

وكذلك بالنسبة للمواثيق المدنية السياسية .. فأعلى وثيقة تتحكم فى تصرفات الدول والأفراد هي الدستور.. فهو الذى من المفترض أنه يصيغ حياة الناس .. ويحكم ويحاكم تصرفاتهم .. ويقدمه الساسة دائما على أنه خط أحمر .. ولا يملّون من ترديد تحذيراتهم من أن خرق الدستور عمل خطير .. قد يوصف فاعله بأنه شخص خارج عن القانون .. والحاذق منهم يبالغ فى دغدغة مشاعرنا بالقسم بأغلظ الأيمان أنه يعتبر الدستور خطاً أحمراً .. وهنا قد نتفق معه إذا كان المقصد يستهدف القيمة التى يحملها الدستور " كمظلة للمجتمع والدولة " لا يمكن التفريط فيها .. او شطبها .. أما مضمون الدستور فلا يمكن بحال أن يتحول الى ثابت لا يتغير .. ولو تغير الوعاء الزمني له .. فهذه ليست من الخطوط الحمراء .. وهذا تحديداً ما يفعله الساسة عندما يحتاجون الى تغيير مواقفهم أو توجهاتهم ! .. فتتحول إرادة السياسي القوي الى جلسة برلمانية أو شعبية .. يقرر فيها بشكل مسرحي تجاوز ما كان بالأمس " خطاً دستورياُ " أحمرا .. منذ أن خرق معاوية بن ابي سفيان حرمة التوريث فى الإسلام .. الى تغيير السيد بشار الأسد لدستور سوريا فى 30 دقيقة .. مروراً بفكرة إضافة ولايات ثالثة ورابعة لدساتير تحرم ذلك كما فى مصر وتونس والجزائر .. وصولا الى إمكانية إلغاء الدستور بشكل كلي بتغير الشخوص كما فى أغلب الدول التى حدثت فيها تبدلات فى شكل أنظمة الحكم .

المقصد أن مصطلح الخطوط الحمراء الذى يحاول الشيخ المُسيس عبر النص الديني .. والسياسي المتفيقه عبر النص المدني أن يكبل به الأغلبية الصامته .. ما هو إلا لعبة تاريخية .. ولو دققت فى حياة الساسة .. او الشيوخ ستجد أنهم يحركون الخطوط الحمراء بسهولة تحريكهم لأبصارهم .. ويغيرونها بسهولة تغييرهم لأحذيتهم .. ولكل منهم أدواته ومعاوله فى التغيير .. ولعل أخطر الأزمنة أو الحالات هي تلك التى يتحالف فيها رجال الدين مع السلطة من أجل خلق بيئة لتغيير ما ورث على أنه خطوط حمراء .. ففى تلك اللحظة سنشاهد بوضوح أن الخط الأحمر يتحرك كما تحركت ذات يوم حبال سحرة فرعون "وخيّل اليهم من سحرهم أنها تسعى " من أجل كسب الجولة التى تزاوجت فيها السلطة الدينية مع السلطة السياسية !.. وما على الرعية إلا التسليم لرغبة " أولي الأمر منكم " (= الحاكم + الفقيه ) لإرتباطها فى منظومتنا ـ بشكل عصي عن الفهم ـ برضى الله وأسس العقيدة .

كما قلت فللشيخ قاعدة " الضرورات تبيح المحضورات ".. وللسياسي " السياسة فن الممكن".. والمزاوجة بينها واردة فى كل حين .. لنصل فى النهاية الى فكرة أن كل شيء مباح .. ليس فى " الحب والحرب " فقط .. بل وفي العقول القابلة للإنقياد بالأشياء وأضدادها !!.. عقول لم تعد تطالب بتاريخ الصلاحية إلا لعلب الطماطم فقط .. أم الأفكار والسياسات فلازالت تصدر ويعاد إنتاجها وتسويقها بسهولة ويسر مذهلين .

فى تقديري ان تحديد فلسفة الخطوط الحمراء .. وتحديد المساحة التى تعنيها بدقة .. سيخفف من الأعباء التى أمست ترهق كاهل الناس .. فالشيخ لا يمل من تكديس الخطوط الحمراء بمناسبة وبدون مناسبة .. حتى تلك التى تثبت الأيام أنه لم يستطع أن يلزم بها نفسه .. والسياسي لا يفتئ يصرخ فى وجوهنا ليذكرنا بأن خطوطه الحمراء ثابتة كثبات خط الإستواء .. مما أفسد الحياة السياسية وجعلها أقرب لتقاليد قبائل " الزولو " منها الى الممارسة المدنية .. وكلاهما ـ الشيخ والسياسي ـ يعلم فى قرارة نفسه أنه لا خطوط حمراء بالوصف الذى يقدمانه .. وللأسف فهي متحركة لهما وليس بهما .. وأنهما يعتمدان فى تحريكها على قدرتهما على التبرير .. وعلى شيء من سذاجة وإستكانة الأغلبية الصامتة .. فعندما يعجزا على مجاراة حالة ما .. يصفان عجزهما بأنه توقف إحتراماً للخطوط الحمراء !! .. وعندما ينجحان فى مجاراة الحالة يصفان تخطيهما لما كان خطوطا حمراء بإنه إدراك عميق للمقاصد !! .. ودليلهما فى الحالتين تحقيق " المصلحة " .. التى لا ينتطح عنزان فى كونها من المتغير أو المتحول..بحسب الزمان والمكان والحال والإنسان .. وعليه أليس من حقنا أن نتعجب حين يراد لنا أن نقتنع بإمكانية أن ينتج المتحول ، ثابتاً ؟!.

والسلام

عيسى عبدالقيوم
Yumuhu65@yahoo.com
_________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال فى جريدة قورينا ـ العدد 599 ـ 24 ديسمبر 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home