Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 27 October, 2007

نوم العـوافي

عـيسى عـبدالقيوم

(1)

كانت شمس ذاك النهار على وشك المغيب عندما إستيقظ على صوت أحدهم يستفهم منه عن سبب وجوده ممدداً على شاطئ البحر .
إنتفض بعد أن تأكد من أنه لا يرى كابوساً كعادته فى السنين الأخيرة ..
وقف وأخذ ينفض الرمل عن ملابسه وهو يتمتم :
ـ لا .. لا .. لاشيء يا سيدي .. كنت ماراً من هنا .. فجلست قليلا لأستريح من التعب .. ويبدو أنني قد نمت قليلاً .
نظر إليه الأخر بعين تتأرجح بين الريبة والشك .. وعندما تأكد من أنه غريب نصحه بضرورة مغادرة المكان قبل المغيب .
هز رأسه موافقاً .. قبل أن يضيف قائلاً :
ـ أكيد .. أكيد سأغادر الأن .. فكما ترى فقد إستيقضت من غفوتي .
ـ طيب " نوم العوافي " يا أخ .. أطلق الرجل عبارته وإنصرف دون أن ينتظر رداً.
غادر المكان بخطى متثاقلة متجهاً نحو الطريق العام .

(2)

بعد عدة أيام شعر بيد تربت على كتفه .. فإستيقض فزعاً ونظر حوله فوجد " غفير " المكان منتصباً أمامه ممسكاً " بمكنسته " وكيس نايلون .. وجبينه يقطر عرقاً .. ربما من حرارة المكان .. وربما جراء التعب .
وما إن أحس " الغفير " بأنه قد إنتبه من غفوته حتى بادره القول :
ـ نحن على وشك أن نغلق المكتب .. وللآسف المدير لم يحضر اليوم .. كرر المحاولة غداً ربما يكون حظك فى تجديد الإقامة أوفر .
مسح عينيه .. ونظر الى الساعة المعلقة على أحد الحوائط .. وهو يقول :
ـ لقد هدني الإرهاق فغفوت على ما يبدو .
ـ " نوم العوافي " .. أطلق الغفير عبارته وهو يهم بالتوجه نحو باب المكتب ملوحاً بمفاتحه فى إشارة لرغبته فى الإغلاق .

(3)

ذات ليلة باردة أفاق على قرقعة بالقرب منه .. وما إن فتح عينيه حتى بادره " القرصون " بقوله :
ـ سنغلق المقهى بعد دقائق فأرجو أن تدفع ثمن طلباتك قبل المغادرة .
شرع فى تفقد جيوبه بحثاً عن القطع المعدنية المتناثرة فيها .. وقال مخاطباً القرصون :
ـ كم الساعة الأن يبدو أنني قد غفوت قليلا .
ـ " نوم العوافي " يا سيدي .. قالها بلهجة لا تقل برودة عن الطقس قبل أن يلتفت الى الكراسي المجاورة ويشرع فى رصها فوق بعضها البعض .

(4)

هذه المرة أفاق على صرير باب الزنزانة .. وصوت العسكري وهو يصيح :
ـ قوم أوقف على رجليك .
نهض محاولاً تقليد لهجة أهل البلد :
ـ أسف يبدو أنني قد غفوت نتيجة التعب من تحقيق ليلة البارحة .
ـ " نوم العوافي " يا خويا .. قالها العسكري متهكماً قبل أن يضيف :
ـ سعادة البيه الضابط عايزك عشان لقو أوراقك فى العنوان اللي قلت عليه .
جر قدميه خارج الزنزانة وهو يتمتم ببعض الأدعية التى جادت بها ذاكرته المبعثرة .

(5)

ـ المحطة الأخيرة يا سيد .. هل تسمعني ..؟!.
ـ نعم .. نعم . خرجت مختلطة بتثائب طويل .
وأضاف وهو يفرك عينيه بظاهر يده :
ـ لا تقلق فأنا حتى عندما أغمض عيناي فإني لا استغرق فى النوم .
ـ " نوم العوافي " .. أجاب عامل القطار وهو يهم بمتابعة مشواره عبر عرباته الطويلة .

(6)

أثناء عودته من أحد رحلاته غير المعنونة فى مسارب دينا لم يألفها ولم تسلم له قيادها .. إستلقى على سريره .. ونظر الى عيني أمه قليلا قبل أن يغمض جفونه .. فتناهى الى سمعه صوتها وهي تردد :
ـ نوم العوافي .. نوم العوافي .
أفاق وضمها اليه وهو يصيح :
ـ هل قلتي نوم العوافي ؟!!.. نوم العوافي فعل ماضي يا أمي .. لقد كنت أستمتع به قبل أن أكتشف حقيقة الدنيا أو الدنيا الحقيقية .. كنت وأنا طفل أسمع العبارة قبل النوم .. فأغرق فى فراشي وألتحف أحلامي الجميلة عن اللعب واللهو مع أبناء الجيران .. كنت أسمعها منك وأنا شاب عقب سهرة مع رفاقي للمذاكرة .. فأستلقي على سريري محتضناً سعادة غامرة سرعان ما تستتبعها أحلام مستقبل وردي .. وكنت أسمعها منك وأنا عائد من عملي قاصداً مهجعي فكانت كما لو أنها البلسم الشافي من التعب والإرهاق .. كنت أسمعها قبل وبعد النوم .. عندما كان النوم نوم العوافي .. أما اليوم فأنا أسمعها من الجميع عقب إيقاضي من نوم أستجديه من أجل القضاء على يوم لا أرى فيه نفسي .. بت أبحث ـ يا أماه ـ عن النوم كي لا أسمع ولا أرى ولا أتكلم .. كي لا أشعر بتضاعف المسافة وتباعد الحلم وتراكم الأوجاع .. أمي أيتها الصديّقة لقد تجاوزت السبع العجاف مراراً دون أن يلوح عام الغياث.. فهل يصح أن أكشف للناس سري وأصرخ فيهم بأن لدي عمراً لم أعد أرغب فيه .. فمن كانت تنقصه أيام فلا يألو فى إستقطاع ما يشاء من أيامي التى تشابهت كبقر بني إسرائيل فلم تعد تستثر فيا الحياة ؟!! .
قـّبلها بين وجنتيها وإستطرد قائلاً :
ـ لقد نسيت يأمي كيف هو نوم العوافي .. أتذكر فقط أنه كان لذيذاً ولا أمله.. لأنه على ما أذكر كان نهاية يوم مفعم بالحياة وبداية أخر مقبل عليها .. فلماذا بت أهرب من كل الدنيا الى نوم لا يشبه نوم العوافي وإن تعالى شخيري فيه ؟!.. أصبحت أشتاق اليه كما أشتاق الى كل شيء هناك .. وأفتقده كما أفتقدك و أفتقد الأشياء الجميلة .. من بنت الجيران وحتى حلوة كانون .
أعاد صورة أمه التى كان يحتضنها الى مكانها .. وواصل حديثه لها :
ـ سأنام يا أمي .. وسأجرب أن أقلد نوم العوافي الذى غادرته منذ سنين طويلة .. سأنام فقط من أجل الإسراع فى إنفاق سنة أو إثنتين أو حتى عشرة فلا ضير .. المهم أن ينجح هذا الذى يسمونه النوم فى تصريف ذاك الذى ينعتونه بالزمن .. رجاء أن تغادرني الصورة الشوهاء بالطريقة التى تراها مناسبة .. أو أغادرها أنا بالطريقة التى يختارها القدر .. فلم يعد الفرق يقلقني كثيراً .. وأمسى سيان عندي أن أسبق القدر أو يسبقني طالما أن النتيجة تبدل الصورة .. سأنام يا أمي وسأمنح الزمن فأسي ومعولي من أجل أن يهدم ما يشاء .. على أمل أن أصلك ذات مساء وأفوز بنوم العوافي .. سأنام وأنا أردد مع يوسف { فيه يغاث الناس وفيه يعصرون .. فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } .

(7)

ولايزال البحث عن نوم العوافي جارياً حتى كتابة هذه السطور .
البارحة وهو بين ما يشبه النوم والنوم خيل اليه أن أحدهم قد غنى له :
تسلم عليك العين يا العوافي ..
سهران وإلا فى منامك غافي ..
نهض .. ووجد نفسه يردد :
" إن جوه فـ المنام يروق .. وإن ناظ قابله طول يأسهم "


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home