Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 27 October, 2006

إثنان فى واحد.. أم الفوضى الخلاقة؟!!

عـيسى عـبدالقيوم

كنت الى وقت قريب أظن أن أدبيات الحركة الإسلامية تحوي شيئاً من الإزدواجية المبهمة أحياناً .. والمحيرة أحيانا أخرى .. ( طبعاً لغير الضالعين فى فقه التبرير) .. منها ـ على سبيل المثال ـ إزدواجية شرعنت لمقاومة المحتل فى بلد .. ولم ترى بأساً فى التعاون معه فى بلد أخر .. ولكن بدت لي تلك السيئات حسنات أمام معضلة " إزدواجية المعايير " التى أمست تفضلها إمبراطورية العصر ( أمريكا ) فى التعاطي مع قضايا العالم .. فعِلة الدكتاتورية وغياب الديمقراطية التى تبرر إزاحة طاغية هنا .. نجدها متوفرة بكميات تجارية فى حلفاء الإمبراطورية فى معركة الإزاحة .. وصولاً الى إبتكار تخريجة " الفوضى الخلاقة " للإفلات من المعايير التى يقيس بها المجتمع الدولي نِسب الربح والخسارة فى هكذا معارك ..فعندما دخلت الإمبراطورية العراق كان شعارها جلب الديمقراطية والرفاهية للشعب العراقي .. وعندما عجزت عن تحقيق ذلك تفتقت ذهنية دهاقنة معهد" أمريكن أنتر برايز " التبريرية على مصطلح " الفوضى الخلاقة " لتفسير ما أصبح العالم يشاهده فى العراق من إنتكاسة كبيرة من جهة .. ولحفظ ماء الوجه أمام الناخب الإمريكي الواقع تحت هيمنة صدمة 11ـ 9 .. من جهة أخرى .

هذا عن العالم من حولنا .. أما حالتنا الليبية فتلك قصة أخرى .. فنحن على ما يبدو قد عكسنا الأية .. فمصطلح " الفوضى الخلاقة " من المفترض أنه يعالج حالة من الفوضى والإرتباك والدمار لينتهي الى حرية ودمقراطية ورفاهية .. كما يزعم منتجوه .. أما نحن ـ معشر الليبو ـ فأصبحنا كما لو أننا ننظر لتخريجة " الفوضى الخلاقة " على أنها هدف إسترايتجي نسعى لإنجازه .. فبدأنا من نقطة إجماع وطني على ما حدث فى 1969م ( إنقلاب/ ثورة) .. وبدولة تمتلك مقومات المدينة الحديثة .. وبشعب مليء بالأمل والحيوية .. وإنتهينا الى فوضى عارمة .. وبنية تحتية تترواح بين الصفر وظله .. وبشعب محبط يعاني أزمة إنتكاسة فى وطنيته .. إذن ووفق المعطيات السابقة لا يصدق حتى مصطلح " الفوضى الخلاقة " المشوه على حالتنا .

قد يقول قائل .. بأن هكذا حكم فيه شيء من الإجحاف .. بالنظر الى ما يحدث .. وما يتوقع حدوثه على الساحة الليبية خلال السنوات القادمة..وتماهياً مع المنطق السياسي البراغماتي فلن ألبس نظارتي السوداء.. ولن أنثر فوق رؤوسكم اليأس.. وفى المقابل لن أبيعكم الوهم المريح .. وسأعترف ـ مبدئياً ـ بأن هناك شيء ما يتحرك فى خلفية المشهد .. وأن هناك همس لم نعهده على خشبة المسرح .. وبأن هناك لون يلوح فى الآفق لا يشبه لون البدلة العسكرية .. أي هناك شيء أنا وأنت وكثير من الناس ربما تمنيناه ذات يوم كمخرج من حالة الإختناق .. ولكن للأسف فهذا الشيء الذى أحاول أن أصفه لكم لا يُرى إلا إذا نظرنا للصورة من زاوية واحدة فقط .. أما إذا نظرنا إليها من عدة زوايا فسندخل من جديد فى دوامة المعايير المزدوجة .. أو نتذكر قصة " الفوضى الخلاقة ".. التى يبدو ـ كما سبق وقلت ـ لا تنطبق على حالتنا الليبية .. وكمواطن أشبع الصورة تقليباً أدعوكم للتفكير فى مصطلح " واحد فى إثنين " التجاري.. فلربما يكون الأكثر قدرة على تحديد ماهية ما نشاهده على أرض الواقع .

فمن الزاوية المريحة التى قد يقبلها الشعب ـ وهذا تخمين من عندي وليست وجهة نظر مبنية على إستطلاع للرأي ـ نستطيع أن نلمح ملامح دولة تتوافر فيها مقدّرات الحد الأدنى .. وشخصياً وبكل وضوح أقبل العيش فيها كمواطن .. وأدعو للتعايش معها كسياسي .. وهذه الدولة الإفتراضية تجدها منثورة بين ثنايا المشروع الذى يتحدث عنه السيد سيف الإسلام .. وأهم ملامحها :

ـ لها دستور مكتوب .. ونظم قانونية .. وقضاء مستقل .
ـ تؤسس لمؤسسات مجتمع مدني .. وصحافة حرة .. وتلفزيون وطني .
ـ مبنية على ثقافة التسامح .. ومعترفة بالمعارضة .. ومبشرة بالدولة الوطنية .
ـ منفتحة على الآخر .. وتتبنى إقتصاد سوق .. ورفع مستوى المعيشة .

ولكن هذه الدولة الإفتراضية " المريحة " تبدو كسراب يتراءى للضمآن فى صحراء دولة أخرى " مخيفة " تقول حقائقها الملموسة هذه المرة .. والمقروءة فى دفاتير المنظمات الدولية .. أنها :

ـ قائمة على فكر إيديولوجي .. أحادية لا تعترف بالأخر .. ولا يوجد لها دستور .
ـ منتهكه بجدارة لحقوق الإنسان .. وتمتلك أسوأ صحافة مكممّة فى العالم .
ـ عنيفة فى علاقتها بالمجتمع .. منكلة بمعارضيها .. مفتقرة لمسمى الدولة .
ـ تعيش فوضى إقتصادية .. وتتبنى قانون 15 البائس .. وتتستر على الفساد والمفسدين .
ـ معزولة دولياً .. مكروهة شعبياً .. متهمة أقليمياً .

السؤال الذي بات يشغل بالي ـ عندما أكون فى أفضل حالات التفاؤل ـ هو : كيف ستجيبون إنسان متفائل يريد أن يصل الى الدولة " المريحة " دون أن أن تبتلعه الدولة " المخيفة " ؟! .. بل كيف للمواطن الذى يستمع لخطب الدولة " المريحة " أن يتفاعل معها دون أن تتخطفه كلاليب الدولة " المخيفة " ؟!.. بل كيف لي أن أحدد لمهتم بالشان الليبي أين تبدأ هذا الدولة .. وأين تنتهي تلك .. وأنا بنفسي غير قادر على تحديدها على خارطة الجغرافيا السياسية ؟!! .

لاشك أنكم ستتذكرون معي هنا العبارة التجارية " إثنين فى واحد " .. وهي عبارة تشير الى أن العلبة التى بين يديك تتكون من شيئين يمكن وصف كل منهما على حِدى .. ويكمن تحديد تركيبة كل منهما على حِدى .. ولكن للأسف لا يمكن إستخدامهما كل على حدى .. فالحقيقة تقول أنهما شيء واحد متمازج ومختلط .. وإن كانت الدعاية التجارية تشير الى إنهما إثنان .. لذا أوجد شطّار البزنس التجاري عبارة " إثنين فى واحد " كتخريجة لتسويق بضاعتهم .. تماماً كما أوجد شطّار البزنس السياسي عبارة " الفوضى الخلاقة " .. وأيضا للترويج لبضاعتهم ! .

فبين مصطلح " الفوضى الخلاقة " السياسي .. و مصطلح " أثنين فى واحد " التجاري باتت تراوح قضيتنا .. ونظراً لكوني لست من هواة تقديم الحلول الجاهزة ( على غرار تعلم الإيطالية فى يومين ) .. أتصور أن بداية التفكير فى الحل .. أو ما يشبه الحل .. هو عدم الإستسلام لفكرة الفوضى الخلاقة .. ورفض التعايش مع فكرة أثنين فى واحد وبلعها .. أو التطبيل لها على أنها " خارطة طريق " لمشوار الإصلاح السياسي .. فحالتنا الليبية لا تشبه ما قيل أن تخريجة " الفوضى الخلاقة " ستؤول إليه .. والتغرير بها لركوب مغامرة " أثنين فى واحد " ستجعلها تعود للمربع الأول عند أول منعطف حاد .. هذا ما قدرني عليه ربي بعد العيد .. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home