Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 27 May, 2006

 

السـياسة والثـقافة.. تـواصل أم تـنافر؟!
( 2 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم

"إننا نرفض الفصل التعسفي بين السياسي والثقافي ، ولكننا حريصون على التمييز بينهما"(1).

لايمكن أن يأخذ الحديث عن التمييز بين الملفات ـ كالثقافي والسياسي على سبيل المثال ـ وضعه الطبيعي إلا فى حالة التأكيد على ضرورة الإنطلاق من نقطة أن المقصود هو الدور الوظيفي لكل منهما.. وليس الموقف حيال ما يجري حولهما.. وهذا تحديداً ما أنطلق منه فى عرض فلسفة التمييز بين الملفات .. ليس بين السياسي و الثقافي فقط .. بل والحقوقي .. والإعلامي .. والإجتماعي .. والأكاديمي.. والنقابي ... الخ. وإلا فهناك مستويات لايمكن فيها عزل السياسة عن الثقافة.. فالحركة تحتاج الى نظرية .. والنظرية تبحث عمّن يتحرك بها ..( من جاك روسو .. وحتى ابن خلدون ) وربما سنقترب من منطق " الدور " فى حال ما إذا دخلنا فى قصة الإستدلالات .. ولعلي هنا أجد نوعاً من التوافق مع عبارة الأستاذ عبداللطيف اللعبي حين قال (.. إننا نرفض الفصل التعسفي بين السياسي والثقافي ، ولكننا حريصون على التمييز بينهما .. ) .

بداية ما المقصود بالتمييز بين الملف السياسي والثقافي مثلا ؟!.. فالذى يقدم التمييز على أنه العزل الكامل بين الملفات .. لا شك أنه سينتهي بالثقافة الى ما يشبه الممارسة الباردة ..( الثقافة من أجل الثقافة ).. وإن كان هناك من يذهب هذا المذهب .. فسأحترم رأيه .. لكني يقيناً لن أتفق معه بشكل كامل .. خاصة عندما يكون المستهدف حالة بمثل الحالة الليبية التى تحتاج الى نضال ومواقف من أجل الوصول بها الى الوضع المريح أولا.. ثم تأتي فكرة إعتزال أو تطليق "ساسة يسوس سياسة " ( على رأي الإمام محمد عبده ).. أما من يقدم فلسفة التمييز بين الملفات.. بمعنى تحديد المسارات من حيث الخطاب والأولويات والوسائل .. وصولا الى النتائج المطلوبة .. فهذا ما أعتقد أنه شيء إيجابي .. فلا يمكن أن نساوي ـ من حيث المعايير سالفة الذكر ـ بين كاتب مستقل .. وبين سياسي محترف .. برغم من أن كلاهما ـ عند مستوى معين ـ يشكل دعامة من دعائم الوضع المثالي لدولة الدستور والقانون .. ولكن حتى تؤدي الدعائم دورها الأساسي .. أليس من الطبيعي أن تحافظ على المسافات بينها .. لكي لا تتحول الى دعامة واحدة .. فالمنطق والعقل يقول بعدم امكانية إستقرار السقف على دعامة واحدة مهما كانت قوية .. وراسخة ! .

وهنا لابد من التأكيد على نقطة أن المقصود ـ بالإضافة الى ماسبق ذكره بخصوص تحديد المسار ـ هو عدم المساواة فى الواجبات والحقوق بين من إختط لنفسه سبيلاً يلج إليه عبر بوابة الثقافة.. ومن إختط لنفسه سبيلاً يلج إليه عبر بوابة السياسة .. وهذا لا يلغي فكرة وجود " الموقف " من القضايا الوطنية .. فنهاية المِيل الثقافي(2) لابد وأن تكون موقفاً واضحاً ..لا يُشترط له التطابق .. والسياسي المحترف هو الذى يكتفي بوجود نوع من التناغم بين مساره والمسارات الأخرى .

وعند تدقيق النظر فى التجربة البشرية سنجد أن التمييز بين المسار الثقافي والمسار السياسي يشكل أحد الحقائق على الأرض .. تماماً كما أن حصول تقاطع بينهما أمر حتمي .. ومردوده بحسب الحالة .. بحيث قد تخدم السياسة الثقافة .. وقد تخدم الثقافة السياسة .. وإن كنت أزعم أن الغالب هو خدمة الثقافة للسياسة .. ولا أريد أن أقول أن ذلك هو الوضع المثالي الذى له القدرة على بعث " الموقف " المتوازن .

ومما يمّيز المسار أو الملف السياسي .. عن السمار او الملف الثقافي .. مثلا .. الأتي :

أولا : النظرة الى إشكالية أداة الحكم : فبإختصار شديد لكون الكلام سبق وقلته .. فإن المسار السياسي يهتم بشكل مباشر بقضية " من يحكم ؟! ".. ويعتبرها أولوية .. فيما يهتم المسار الثقافي بقضية " كيف يحكم ؟! " ويعتبرها معركته الأولى .. ولاشك أن النتائج المرجوة من وراء هكذا سؤال تحّتم وجود التمييز .. وبالتالي فلم يبقى إلا البحث عن حدوده .. وماهيته .

ثانيا : طبيعة العلاقة بالجماهير : فبدون مؤاربة يستهدف المسار السياسي عاطفة الجماهير .. من أجل تجنيد أكبر عدد ممكن لمعركته .. فيما يستهدف المسار الثقافي عقول الجماهير .. وإن كان كلاهما يزعم أنه محضن للتوعية .. إلا أن الواقع يقول أن أدوات التوعية لدى المسارالسياسي لا يمكن إلا أن تكون إيديولوجية ضيقة تبدأ وتنتهي بأجندة المجموعة.. أما أدوات المسار الثقافي فهي واسعة تبدأ وتنتهي بالبحث عن القيمة لترسيخها .. بعيداً عن سيئة عدّ الرؤوس .

ثالثا : النظرة الى ممارسة السلطة : لاشك أن أي مجموعة من الناس تقدم على خطوة إشهار تنظيم سياسي مهما كان متسامحاً وديموقراطياً.. فإن غايتها هي المشاركة فى السلطة بصورة ما .. وهذا حق لا غبار عليه .. وفى المقابل فإن الأطر الثقافية غالباً ما تكون رافداً للدولة وليس للسلطة .. ولا مكان لها فى حفلات تقاسم كعكة الحكم .. إذاً فلا يمكن بحال المساواة فى الواجبات بين مسارين هذه نظرتهما لأحد أكبر نقاط الصراع بين البشر .

وهناك تمايز جوهري ايضا من حيث الوسائل.. والخطاب.. والغايات.. وربما أمور أخرى.. أتركها لذكاء القارئ .. تجنباً للإطالة .

وأنتقل الى طرح بعض الإستشكالات التى أتصور أن عدم الفصل فيها ربما سبب ـ ويسبب ـ الكثير من سوء الفهم .. ورفع درجة التوتر بدون مبرر.. والعجيب أن هذه الإستشكالات تكاد تمس الحِراك الليبي فى الداخل والخارج على السواء .. وإن بنسب متفاوتة .. ومنها الأتي :

أولا : يقع الإستشكال الأول عندما يضمر النشاط السياسي الذى يحتاج بطبيعته الى شروط كبيرة من أجل تفعيله .. فيتقدم النشاط الثقافي عليه .. فهنا يخّيل للسياسي أن هناك عملية قفز على دوره !! .. وهو تخيل خاطئ .. لاننا عندما نتدبر الصورة .. سنجد أن المسار الثقافي يقوم بدوره المعتاد .. فيما توقف المسار السياسي لأسباب ذاتية أو طارئة .. لا أكثر ولا أقل.. وعادة عندما يتوقف المسار السياسي تبدأ المسافة بينه وبين المسار الثقافي تزداد.. ويقينا فالزيادة لا تعود لوجود عملية قفز على الأدوار .. بل لتوقف المسار السياسي لإعتبارات تخصه .. وهنا على السياسي أن يبدأ فى تنشيط دوره .. والحاذق من يستفيد على نحو ما من حيوية المسار الثقافي .. ومن هنا أكرر أن عملية تفهم التمييز الايجابي ستمنح فرصة البقاء على قيد الحياة للملفات الأخرى ..عندما تفرض المعطيات المحلية أو الدولية على الملف السياسي التباطؤ أو التأجيل .

ثانيا : يقع الإستشكال الثاني عندما لا يتم تقييم الواقع بشكل دقيق وعميق .. ففى بعض الأوقات قد تكون حالة الوعي المجتمعي .. والظروف المحيطة بالبيئة الحاضنة للمشروع السياسي غير متقبلة أصلا لفكرة الإنخراط فى العمل السياسي .. فيما يمكن أن تقبل ذات البيئة العمل الثقافي الأقل صرامة من حيث الإلزام .. والأكثر سهولة من حيث الممارسة .. فهنا قد تخطئ بعض التحليلات فتذهب الى أن هناك عملية قفز على الأدوار .. وهي كما ترى تحليلات غير موفقة .. وعدم توفيقها سببه عدم غوصها فى البحث عن جذور المشكلة .. ومن العجيب أن المسار الثقافي يلعب هنا أيضا دور المعالج.. من أجل تهيئة الحالة لتقبل المسار السياسي .. عبر رفع منسوب الوعي به كقيمة من قيم المجتمع المدني .

ثالثا : يبرز الإستشكال الثالث.. وهو أكثرها مباشرة.. عندما يكون الملف السياسي بأيدٍ غير كفؤة .. وغير مؤهلة .. فتخفق فى إدارة دفة العمل السياسي .. فلا مشاريع .. ولا برامج .. ولاخطاب.. مما يؤدي الى زهد الناس فى المسار السياسي .. كمحصلة لتخبطه.. وعدم تجدده .. وفقدان نتائجه.. مع إضافة خصلة تمّسك ذات الوجوه التى إرتبطت بالإخفاق بدفة القيادة .. فينقلب الناس كنوع من التعبير عن التذمر الى دعم المسار الثقافي .. فيحدث التوصيف الخاطئ للحالة على أنها قفز على الأدوار .. أو أن هناك مؤامرة على العمل السياسي .. وفى تصوري كلها تبريرات سطحية للهروب من مواجهة السؤال الحقيقي : لماذا .. وأين .. يكمن الفشل والنجاح ؟! .. بعيدا عن منطق التبرير السطحي .. الذى يبدو لي فى بعض الأحيان كما لو أنه إهانة للعقل !! .

رابعا : وقد يقع إستشكال أخرى لعدم الغوص فى عمق فلسفة التمييز بين الملفات.. فنجد البعض يطرح القضية كما لو أنها تعني التنصل من الموقف .. أو التراجع عن مساندة القضايا الوطنية.. وهذا كله تبسيط مخل .. لكون المطلوب هو أن يخضع كل مسار لأدواته .. فالذى يناضل ضمن المسار الحقوقي مثلا .. لا يُطلب منه أن يحشر ضمن أجندته مطالب أجندة سياسية راغبة فى المشاركة فى السلطة أو فى الإنفراد بها .. أو يتهم بالتخاذل.
فهذا ـ أيها السادة ـ تسطيح لقضية عميقة .. فالمطلوب أن تتميز المسارات .. ومتى تمايزت سنرى أن ما قد نعتبره خطاً أحمراً " سياسياً ".. ليس بالضرورة أن يكون كذلك " إعلامياً " .. ومنها يمكن تفسير قلق بعض الساسة عندما يظنون أن هذا الفعل تجاوز للعرف السياسي المقبول .. وهم محقون فى ظنهم .. ولكنهم متى أدركوا فكرة التمييز بين الملفات فلربما تفهّموا أن ما أعتبروه تجاوزاً فى العرف السياسي هو من الأمور الإعتيادية فى عرف بعض الملفات الأخرى .

خامسا: والإستشكال الخامس سأعرضه فى صورة تساؤل تفرضه واقعية المشهد .. أيها السادة الم يصبح لدينا ـ واقعياً ـ " داخل وخارج " ؟! .. داخل سياسي وخارج سياسي .. داخل ثقافي وخارج ثقافي.. ألا تلزمنا الواقعية ـ فى الممارسة على الأقل ـ بعدم فرض معايير تقييم خاضعة لمتطلبات أحد الساحتين دون إعتبار للاخرى ؟! .. فما قد يعتبره ساسة الخارج قفزاً على أدوارهم ربما هو موقف قصِد به التعاطي مع حراك فى المربع الأخر .. إذاً فلن تـُزال الإستشكالات إلا بواقعية وعقلانية .. تعرف ما لها وما عليها.. وتستجيب لأوراق المرحلة.. وتعي أن الجزء أصغر من الكل .. وأن الوطن أكبر من الجميع .

سادسا : ومن الإستشكالات ايضا .. الزهد فى مناقشة الأرضية أو الفلسفة التى تنطلق منها الأفكار.. والمبالغة فى مناقشة أثارها .. ففي تصوري قد تكمن أحد نقاط العلاج لهذه الإستشكالات فى الإصرار على وجود البعد النظري ومناقشته .. للتعرف على خلفيات الموضوع .. لان ذلك سيحيل قضية الإختلاف حول الأثار المترتبة على الأفكار المطروحة لسلة خلاف التنوع .. لا خلاف التضاد .. وسيرسّخ بديهية أن العلاقة بين السياسة والثقافة مبنية على التواصل .. لا على التنافر .

أخيراً .. هذه جولة من جولات التفكير بصوت مرتفع .. إجتهدت فى أن إشراككم فيها سعياً نحو مزيد من الإنفتاح المنضبط الذى يخدم القضية الليبية .. دون أن يتناسى همومها وأوجاعها .. ودون تفريط فى إستحقاقات نالتها شعوب المنطقة .. فأرجو أن أكون قد وفقت فى إثراء القضية .. وأيضا فلن أعتبر فكرة الحث والتأكيد على تفعيل " ألية الحوار " من المكررات .. لكونه أحد أهم المداخل التى لا غنى لنا عنها فى كافة مراحل وأطوار ومستويات مشوار النضال نحو ليبيا الغد .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(1) أنظر المقالة تحت هذا الرابط : http://www.iraqcp.org/fakri/0040908f3.htm
(2) مقالة " نهاية الميل الثقافي التى نشرت على موقع ليبيا وطننا قبل عام تقريبا.. تحتوى على جزء من الفكرة.. تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea24045a.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home