Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Monday, 26 June, 2006

مراجعـات.. أم إلتفاف عـلى المسئولية؟!

ـ محاولة للتـفكير بصوت مرتـفع ـ


عـيسى عـبدالقيوم

تشهد الحالة الليبية الداخلية منذ فترة شيئاً يشبه الحِراك المُتلكأ .. الذى إذا ما أضفنا إليه ما يتداوله شارعها الشعبي من تكهنات .. وما يتسرب من كواليس مطبخها السياسي من إشارات .. وما يرشح على الساحة الدولية ـ حيالها ـ من تغييرات .. سنصل الى مشهد يشير الى وجود ما يمكن وصفه بحركة التنقلات الحذرة .. ولكن السؤال الذى يطرح نفسه .. ويحتاج الى وقفة .. لكونه بات ـ فى ظل غياب الشفافية ـ يشغل بال الكثيرين فى الداخل والخارج .. هو : هل ما يحدث يصب فى خانة المراجعات .. أم هو عملية إلتفاف على المسئولية ؟!!.

فى هذا السياق.. قرأت صباح يوم الخميس 15/6/2006.. على موقع صحيفة "ليبيا اليوم"(1) تقريراً يتحدث عن اللقاء الذى جمع أحمد ابراهيم ( الأمين العام المساعد لمؤتمر الشعب العام .. الذى مختصره: نائب رئيس البرلمان ) .. العائد الى المشهد الثقافي عبر وظيفته الجديدة " أمين المجلس الأعلى للإبداع والثقافة " .. مع نخبة من المثقفين والصحفيين والأدباء الليبيين .. لقاءً دارت حوله عدة تساؤلات .. بعضها أعلن وبعضها الأخر ينتظر الإذن بالخروج .. بعضها وقع تحت سقف المُتاح فطرح للنقاش داخل الوطن .. وبعضها أتطوع للتفكير فيه بصوت مرتفع فى هذه المقالة .. لقاءً حضره البعض ربما من باب محاولة تحسس جديد المشهد الثقافي.. وقاطعه البعض الأخر ربما لشعورهم بأن العملية مكررة .. وأبعد عنه أخرون ربما لإتقاء مشاكساتهم التى قد تفسد إنطلاقة " المجلس الجديد " الذى ورث تركة د.المهدي أمبيريش .. وزير الثقافة الأسبق .. الذى غادر الوزارة تحت مطرقة النقد .. ووسط أجواء مشحونة بينه وبين الوسط الثقافي / الإعلامي الليبي .

ومما إستوقفني فى تلك المقابلة قول رئيس "مجلس الإبداع والثقافة" الجديد ـ والكلام على ذمة الصحيفة ـ [.. أنا مع الحوار.. وأنا قناعتي الفكر والنظرية.. والأخر الذي لم يقتنع بهذا من حقه.. ولكننا جميعاً نلتقي في وطنيتنا ..].

عموماً يبدو الكلام جميلاً من زاوية الصياغات اللفظية .. خاصة وأنه افتتح بعبارة " أنا مع الحوار " التى لا ينتطح فيها مثقفان .. وأختتم بفكرة الإكتفاء بالوطنية كمظلة جامعة .. مما يعني عملياً استبعاد الشرط الأيديولوجي .. ولكنه ـ أي الكلام ـ يبقى مبهماً بالقياس الى الواقع والممارسة .. فأن يؤكد مسئول كبير ( قذافي ومحسوب على الخط الثوري ) أنه مع النظرية .. فهذا كلام منسجم مع الواقع .. ومتكيف مع قواعد اللعبة .. لكونه مدعوماً بنفوذ الدولة وأجهزتها .. ولا جديد فيه.. ولكن أن يصّرح بحق " الآخر " فى الوجود ولو لم يقتنع بالنظرية .. فذلك هو الجديد المُبهم .. الذى يحتاج ـ فى تقديري ـ الى شيء من المصداقية على أرض الواقع .. لكون قناعة " الأخر " بعدم جدوى الإستمرار فى قيادة النظرية للمجتمع بالصورة الحالية .. لازالت من الأمور التى يعاقب عليها القانون الليبي بأحكام قاسية .. ولعل من تناقضات المشهد أن يكون أحد شروط الإنتساب لعضوية رابطة الكـُتاب ـ مثلا ـ هو الإيمان بالنظرية ! .. هذا من جهة .. ومن جهة أخرى تأتي إشكالية غياب الوسائل التى يكفلها القانون لذلك " الآخر" غير المقتنع بالنظرية .. من أجل التعبير عن وجهة نظره .. وشرح مصوغات موقفه .. كحائل يحول بيننا وبين وصف هكذا " حكي " بالايجابي ؟!! .. فالصحافة مكممة الأفواه .. ومؤسسات المجتمع المدني مغلقة الأبواب .. والتلفزيون مؤدلج حتى الثمالة .. والميكرفون الوحيد المسموح بالكلام فيه هو ميكرفون المؤتمرات الشعبية .. أي منابر النظرية .. التى لا يرى رئيس " مجلس الإبداع والثقافة " الجديد بأساً فى مخالفتها .. فى سياق تصريحه السابق الذى أقرّ ـ وقبل ـ فيه بمبدأ تعدد الأراء.. وربما تذكرنا هكذا نواقص بحكاية خروج الأفكار القديمة من الباب .. للعودة من الشباك !.

أما القصة الثانية فستجدها ـ مبعثرة ـ فى الجملة التالية [ .. لم أصادر أي مطبوعة .. أو قمنا بإيقاف أي كاتب .. أو قمنا بسجن مثقف ..] .
أتصور أن السيد احمد ابراهيم ربما يتكلم عن نفسه.. بوصفه رب أسرة .. وهي مغالطة مكررة .. فلا يمكن إنكار حقيقة أننا نعيش فى دولة شمولية.. وإذا ما أضفنا الى ذلك محدودية النخبة التى تداولت على سدة الحكم .. وأنّ كل القرارات الصالحة والطالحة تكاد تكون ـ تقريباً ـ نتاج ذات المطبخ السياسي .. فستكون المحصلة أن مسئولية قرار مصادرة المطبوعات الذى تم بناء على أوامر من الدولة فى السبعينيات ولازال ساري المفعول .. وكذلك تجميد العمل بقانون الصحافة .. ( ولن أتحدث عمّا لحق بمجلة المشهد الثقافي .. أو مجلة لا .. أو مجلة عراجين .. أو حجب المواقع الألكترونية ) يتحمل نائب رئيس البرلمان ( أحمد ابراهيم ) جزءً منها وفق حيثياته الكثيرة التى أطل على المجتمع من خلالها عبر العقود الثلاثة الماضية.

ولا أريد أن أذّكره بأن مبدأ التعددية الذى صرّح بقبوله ( للمرة الأولى حسب علمي ) يقوم على فكرة تكافؤ الفرص .. والتداول وفق سقف زمني محدد .. على أرضية دستورية تكفل قواعد للتنافس الشريف .. وهي أمور تكاد تنعدم فى الحالة الليبية .. فلا مجال للحديث عن فرصة أي شاب ليبي مؤهل ..إذا كان نظيره شاب ينتمي لقبيلة القذاذفة ولديه ميول ثورية .. مثلا .. ولعل حقيقة إقصار الوظائف الأساسية فى الدولة على وجوه محددة لقرابة الثلاث عقود .. برقم لا يزيد عن (130 شخص) شيء مفجع .. وبالمناسبة هو رقم ربما تستهلكه بعض الدول ذات الحيوية السياسية لجولة سياسية أو جولتين ( 4 الى 8 سنوات) .. وربما يشيرالرقم أيضا الى إستحالة فهم كلام " الرئيس الجديد لمجلس الإبداع " عن التعددية بالصورة التى يعرفها سكان العالم من حولنا .. بمن فيهم تعساء بنغلاديش .

أما الإيقاف والسجن .. فأتصور أن الأمر بذلك يصّنف عندنا ضمن الأمور المستديمة .. وإن كان قد نفـّذ فى السابق بشكل غير كبير ضد الصحفيين .. إلا أن غياب القوانين التى تحفظ حقوق الصحفي أو المثقف وتكفل حركتهما .. وغياب قنوات الإعلام الحر .. هو بمثابة ممارسة السجن والإيقاف .. واتصور ـ وفق العقلية التى نعرفها جميعاً ـ لو فتحت الصحافة الحرة أبوابها .. دون إنفتاح فى العقلية التى يسيطر عليها الهاجس الأمني .. فربما ستشهد الدولة عودة المحاكم الاستثنائية .. وايضا لن أتحدث هنا عمّا لحق بالإعلام والثقافة جرّاء خطيئة " الثورة الثقافية " سنة 73م .. أو ما لحق بهما من وراء إلغاء تدريس اللغة الانجليزية .. وما الى ذلك .

فما تحتاجه الدولة الليبية ـ أيها السادة ـ هو مراجعات حقيقية وليس تخريجات هي أقرب الى فكرة التنصل من المسئولية.. وما أعرفه عن عمليات المراجعة التى تنتهجها الدول الناضجة.. أنها تبدأ بدراسة وتمحيص قرارات وممارسات الماضي بالنظر الى متطلبات الحاضر.. مع تحمل الجهات التنفيذية والتشريعية فى الدولة المسئولية كاملة.. ثم تطرح حزمة من الحلول الناجعة لِما تثبت دراسات متخصصة ـ يشرف عليها أكاديميون وطنيون ـ أنه خلل أو خطأ.. أما قصة أنا لم أفعل.. وأنا لم أوقع.. وأنا لم أحضر.. فهي وإن كانت مفيدة " لميعاد رز ولحم " بمعايير قبلية معتـّقة .. إلا أنها لن تصمد ـ فى تقديري ـ أمام أي مراقب يستخدم معايير القرن 21 .

أما أزمة صاحبة الجلالة " الصحافة " على وجه الخصوص فقد باتت كارثية .. وتحتاج الى قرارات جريئة .. فالدولة التى تعاني من إختناقات كبيرة جرّاء تراكمات اقتصادية وسياسية واجتماعية .. وتريد ـ أو تزعم أنها تريد ـ الدخول فى تحولات جذرية حيال تلك الإختناقات .. وفى ذات الوقت لا تمتلك ـ أو لا ترغب فى إمتلاك ـ صحافة حرة(2) .. فإما أنها تعي حجم المشكل وتستخدم لعبة الصياغات المطاطة من أجل كسب الوقت للإفلات من إستحقاقاته .. أو أنها لا تعي حجم المشكل وبالتالي لا يمكن أن تنجح فى معالجة ما لا تدرك ماهيته .. والسبب وراء هذا الجزم كون المجتمعات التى توصف بأنها متدنية الوعي .. ضعيفة الثقافة .. مشتتة الهوية ..غالباً ما تحتاج خطوات الإقدام على تحولات مفصلية فيها ـ دون حصول هزات إجتماعية عنيفة ـ الى تهيئة الأرضية .. وتهيئة الأرضية لا يمكن أن تنضج بدون وسائل إعلام حرة .. والتى منها الصحافة .. لذلك سمى العالم المتحضر الصحافة " بالسلطة الرابعة " .. ولعل فى تجربة دول الخليج ـ فيما يتعلق بتحرير وسائل الإعلام وأثره على برامج التنمية البشرية فيها ـ دليل يغنينا عن الإطالة .. ويجعلنا أكثر حرصاً على إنتاج نموذج وطني يحمل مقومات البقاء .. ويتحمل زلزال الحوارات الجادة .. ويستهدف المستقبل ببرامج أكثر إنفتاحاً وشفافية .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________

(1) المقالة كاملة تجدها ضمن مواد صحيفة " ليبيا اليوم " تحت هذا الرابط :
http://www.libya-alyoum.com/data/aspx/NEWS2006JUN11.aspx#5197
(2) وبالمناسبة فنحن فى المهجر أيضا نعاني من قصة فهم دور الإعلام الحر .. فالصورة الذهنية المنتشرة عندنا هي صورة الاعلام الحزبي الايديولوجي .. القادم على تمجيد الذات .. وتبخيّس الخصوم .. ولا مجال لفهم فكرة النقد .. او الحيادية فى نقل المشهد .. بصورة صحيحة ..فعادة ما تكون تهمة من يتجاوز الصورة النمطية جاهزة .. وهي إنعدام الوطنية .. وخيانة القضية .. أو الطعن فى نوايا الكاتب الخ . فما قيل أعلاه عن حاجة الحراك الى صحافة حرة ينطبق على المهجر .
ـ تحية للجهود التى تقف وراء ملف المونديال الذى يبثه موقع ليبيا جيل .. شيء جميل ورائع ومحترف .. ويشعرك بحجم الجهد الذى يبذل فيه .. والذى ازعم انه من أفضل التغطيات التى تقوم بها المواقع العربية التى سمحت لي الظروف بمشاهدتها .
ـ ستطل علينا ذكرى حادثة سجن أوسليم التى قضى فيها المئات من السجناء قتلا خارج إطار القضاء .. وبرغم من التصريح بها من قبل الدولة .. والحديث عن فتح تحقيق فى ملابساتها.. إلا أن السنين تمر دون ورود أي إشارات جادة تفضي للتوصل الى الحقيقة .. وتمكين أهالي الضحايا من معرفتها كاملة .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home