Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 26 April, 2006

الأحادية فى الفكر السياسي.. لوثة أم خطأ!!

عـيسى عـبدالقيوم

" هل يمكن تصور وضعية بها أشخاص محكوم عليهم بالإعدام ، من طرف نظام ما ، بتهمة ولائهم لمعارضيه .. فى نفس الوقت محكوم عليهم بالإعدام "المعنوي" من طرف المعارضة ، بشبهة ولائهم للنظام ؟!! .. فحتى لا نفجع نحن الليبيين بهكذا وضعية .. نأمل مشاهدة وقفة جادة وعقلانية لتحرير مفهوم العمل السياسي المعارض" .


*   *   *

وبعـد...
لدي إعتقاد ـ أقرب الى اليقين ـ بأن أبرز إشكاليات العقلية التى تؤسس وتنّظر للنظام الحاكم فى ليبيا .. ( العقيد القذافي ) .. تكمن فى عدم تمكنه من تصور وجود أفكار يمكنها أن تتفوق على أفكاره .. أو حتى توازيها فى الشكل .. فضلا عن المضمون .. من هنا شاهدنا كيف أنتجت تطبيقات الكتاب الأخضر مسطرة قوانين قاسية جدا تجاه وجود الرأي الآخر .. كقانون تجريم الحزبية.. وقانون حماية الثورة .. وقانون الشرعية الثورية .. ونظراً لإمتلاكه السلطة والقوة .. فقد أنفذ النظام الليبي غضبه تجاه مخالفيه على هيئة عقوبات بالإعدام .. والسجن .. بواسطة محاكم إستثنائية . عموما ..لازلت فكرة وجود " رأي أخر" فى ليبيا تثير غضب النظام الليبي .. وتجعله يتصرف بطريقة لم تعد تنتمي لهذا العصر على الإطلاق .. ولا تنسجم مع التحولات التى يشهدها .

هكذا مقدمة يمكن تصور منطلقاتها بالنظر الى كوننا نتحدث عن نظام عسكري .. ينتمي الى عقلية الأنظمة الثورية " الشمولية " التى أنتجتها حقبة الخمسينيات والستينيات .. ولكن أن يتحول خندق المعارضة أيضاً الى لون واحد " لا شريك له " .. وهو القائم ـ بالأساس ـ على فلسفة إطلاق الحريات العامة .. ومنطلق ـ فى مشروعية وجوده ـ من نقطة إنتقاده لشمولية النظام وإنغلاقه .. وعدم إمكانية التعاطي معه على خلفية رفضه لفكرة الشراكة السياسية أو التعددية .. أقول أن تجد هكذا أفكار بيئة صالحة لنموها فى معاقل العمل السياسي المعارض .. وبعد قرابة الربع قرن من الممارسة.. فتلك عثرة ما لها من مقيل .. ولا يمكن تفهمها أو قبولها تحت أي ذريعة .. ونأمل أن تكون مظاهرها التى بدأت تطفو على السطح ناتجة عن خطأ عابر سهل التدارك .. وألا تكون بوادر لوثة فكرية فى بدايات التجذر .

فمن خلال المشهد نستطيع أن نلمح أن هناك ترويج مُخِل لفكرة توحيد التصور حول كيفية أن تكون معارضاً لنظام الحكم فى ليبيا .. وهذا التصور ـ فى الكثير من الحالات ـ غير مكتوب .. أي أنه تصور شفوي .. محفوظ فى وجدان صاحبه .. وغالباً ما يكون مستوحى من أجندة سياسية لحزب أو تكتل سياسي بعينه .. والذى كلما افتـُقِد ـ أي التصورـ فى حِراك هذه الجهة أو تلك .. شُـهٍر السلاح ضدها .. وبودر الى قصفها بما توَفر .. وإعتبارها لا تمُت للمعارضة بصلة(1).

والمفارقة العجيبة أن كل الذين يستظلون بمظلة المعارضة ـ بغض النظر عن المفهوم الذى يتبنونه ـ يرتكزون على أسس شبة ثابتة فى هذا السياق .. منها :

الأساس الأول : يذهب الى أن التعدد ظاهرة صحية ..وأن ليبيا المستقبل يجب أن تكون دولة تعددية. والثاني : يذهب الى أن الأصل فى عملية التغيير ليس المعارضة ، بل الشعب الليبي فى الداخل .

وإذا ما بحثنا عن أثار أو مظاهر تلك الأسس التى يفترض أنها محل إجماع .. سنجد على سبيل المثال أن فكرة قبول التعدد كمبدأ ثابت .. مهدورة ولا قيمة لها عندما يجّد الخطب .. فما معنى أن يعتبر الإنسان أن التعدد فى البرامج أو المشاريع أو الأفكار ظاهرة صحية .. ثم لا يجد بأساً فى شطب وتجريم وإقصاء كل من لا يلتزم بالتصور الذهني الذى يرسمه لفكرة .. وكيفية المعارضة ؟! .. وما معنى التعددية .. وما قيمة ترديد العبارات الدالة عليها فى المناسبات الإحتفالية .. وحشر مفرداتها فى كل ديباجة يراد لها القبول .. طالما أن الخروج عمّا يحمله الوصف " المشخصن " لكيفية ممارسة مفهوم المعارضة يعتبر جريمة .. عقوبتها التشهير ( الذى لا يمتلك صاحبه غيره حتى الأن !! ) .

أما حكاية إرجاع عملية التغيير للشعب .. وأنها متروكة للداخل .. فستظهر على شكل هروب ذكي من الإستفسار عن النتائج .. عندما تكتشف أن هناك طموحات ورغبات سياسية يعمل أصحابها على جعلها معياراً للحكم على الواقع .. وأن المحاكمات " الصورية " التى نلمحها فى خلفيات المشهد لا تتم بالقياس الى السقف الذى يعمل به أو عليه الشعب الليبي .. بل بالقياس الى طموحات ورغبات هذه الجهة أو تلك .. فكثيراً ما أتساءل طالما أن الجميع يقر ويقرر .. بمناسبة وبدون مناسبة .. بأن الحل سيأتي من الداخل .. فلماذا إذن المغالاة فى رسم سيناريوهات يعلم الجميع ( تقريبا ) أنها غير قابلة للتنفيذ .. وأنها من الوهن بحيث لا تستطيع أن تصمد أمام أي نقد جاد ؟! .. ولماذا لا يتم تقييم ممارسة هذا الشخص .. أو تلك الجهة بالنظر الى موقفها من دعم الحِراك الداخلي من عدمه .. ووفق المفهوم القيمي لمعنى المعارضة .. بدلا من التحايل الذى ينطلق من نقطة إعتبار الحراك الداخلي هو الأصل .. ثم عند الإختلاف فى كيفية ممارسة " دعم ذلك الداخل " يصار الى محاكمة مواقف الناس الى أجندات سياسية من المفترض أنها لا تلزم غير أصحابها .. أو من قبــِل أن يلزم نفسه بها.. وأتصور أن هناك بون شاسع بين المعيارين .. وضبطه يعني التخفف من بعض المتناقضات التى أصبحت تثير الضجر .. فالمعارضة وصف عام لحالة الرفض .. أما كيفية ممارستها فلا ضير أن تتعدد بتعدد البرامج السياسية .. وأن تتنوع بتنوع المنابر .

إن المعارضة ـ أيها السادة ـ قيمة عظيمة ومطلوبة لذاتها(2).. وأي شخص يتنازل عن فكرة وجود خندق للمعارضة .. ضمن أي شكل من أشكال أنظمة الحكم .. هو شخص يحمل مقومات قمعه معه.. والدعوة الى التشبث بحق المعارضة ينبغي أن تظل قوية.. ولا تنازل عنها .. خاصة فى حالتنا الليبية.

وفى المقابل .. فإن التسطيح والإختزال الذى بات يلحق بوصف المعارضة يجب أن يتوقف .. فمن حق الناس أن تبحث عن أشكال .. وأطر .. وتصورات لكيفية المعارضة .. طالما أنهم إتخذوا قرار المعارضة والإنحياز الى الشعب .. وكذلك من حق أي جهة أو مجموعة ـ بعد أن تختار لنفسها نمط أو شكل من أشكال المعارضة ـ أن تنخرط فى عملية الدعوى إليه وشرح فلسفته .. وألياته بالطريقة المناسبة .. المطلوب فقط أن تتجنب تلك الجهات إعتبار ما تقوم به الوجه الوحيد والمشروع لكيفية ممارسة العمل المعارض .. الذى من المؤكد أنه عمل سياسي بالدرجة الأولى ويخضع ـ على الجملة ـ لقوانين ممارسة السياسة.. التى من المفترض أن الجميع يعلم أنها منطلقة ـ فى الأساس ـ من فكرة قبول التعدد فى الوسائل والإجتهادات .. ومرتكزة على فكرة تقبل وجود شركاء فى العملية .. شركاء غالباً ما يكونون مختلفين فى رؤاهم .. وألياتهم .. ومشاريعهم .. التى تستهدف عملية الإصلاح والتغيير المنشودة .

سادتي الكرام .. أرجو أن تبحثوا وتدققوا فى الكثير مما تطرحونه حول فكرة المعارضة حتى لا تقعوا فى إشكالية طرح الشيء ونقيضه .. فلندرس على سبيل المثال خط سير بعض المعارضين الذين أتفق على وصفهم بالمعارضين .. كالدكتور منصور الكيخيا .. والدكتور عمرو النامي .. والدكتور مصطفى رمضان .. والاستاذ أحمد حواس .. وأخيرا الصحفي ضيف الغزال .. ندرسه بعناية فى ثلاثة مستويات هي : الخطاب .. والوسائل .. والأولويات.. ثم لنحاول بشكل عقلاني أن نجيب على سؤال : هل ما يجمع كل هؤلاء هو الوصف العام لمصطلح المعارضة .. أم شكل محدد من أشكال النضال؟!.

ولتقريب المشهد أكثر هل يستطع عاقل أن يقول أن ضيف الغزال ـ مثلا ـ لم يكن معارضاً !؟.. فالذين يقررون أنه معارض .. وفى ذات الوقت يصرون على أن ما يحملونه ـ بصورة منفردة ـ من تصور لشكل العمل المعارض هو النمط الوحيد .. أتصور أنهم سيقفون أمام عدة إستشكالات .. ستجعلهم يخجلون مما يقولون .. لو كانوا يعقلون . وكذلك ما فعله الأستاذ عبدالرازق المنصوري .. والمهندس فتحي الجهمي.. ألا يدخل تحت وصف المعارضة ؟! .. وقد استخدموا ما توفر لديهم من مساحات ومؤسسات داخل الوطن من أجل التصدي لما اعتبروه تجاوزات ؟! .. فالذى يقر بأن فعلهم شكل من أشكال المعارضة .. فعليه أن يقرر مسبقاً أن للمعارضة عدة أشكال .. وأنها أكبر من أن تختزل فى هذا الطرح الحزبي أو ذاك .. ومن يعترض ويعتبر المعارضة شكلا واحداً .. فعليه ـ لكي يكون منسجماً مع نفسه ـ أن يكف عن إمتطاء الأحداث .. وأن يعلن صراحة أن كل ما يحدث داخل الوطن من تدافع لا يمت بصلة لمفهوم المعارضة الذى يحمله سيادته .

أيها الكرام .. بدلاً من مهاجمة الناس والتشكيك فى مواقفهم (ونواياهم!).. لماذا لا تتم مناقشة الفلسفة التى إنطلقوا منها لتبني هذا النمط من المعارضة أو ذاك .. وأنا أدعو الى ذلك وأزعم أنه الأجدى .. رغم علمي بأن هناك من لا يمتلك أدوات فهم وإستيعاب الخلفية " المعرفية " التى تفرز انماط المعارضة .. وأعلم كذلك أن هناك من لا يريد أن يتفهم منطلقات هذا العمل أو ذاك .. ربما لأن التصور الذهني الذى يحمله قد تحول الى إرث مقدس .. وربما لأن شخصنة موضوع المعارضة ـ الذى أصبح غير خافٍ ـ أضحى يشكل المخرج المريح من قضية التفكير فيما هو أبعد من أخمص القدم (لدى البعض ).. فقليل من المبالغة ورفع سقف الأمنيات .. مع قليل من الديماغوجية .. مع كثير من المزايدة غير المحسوبة سياسياً .. تكفي لإنتاج تصور ذهني سطحي لمفهوم المعارضة .. ثم يتم تسويقه بطريقة عدوانية .. لنصل فى النهاية الى نقطة رسم خطوط حمراء ( بشكل مفرد ).. يُترك أمر معاقبة متجاوزيها الى المخالب التى تفرزها "عقلية القطيع".. دون أي تورط لأصحاب المقامات العُليا .. الذين يراقبون ـ من طرف خفي ـ عمليات الكنس العنيف !.

والخطورة تكمن فى أن التصور السطحي أو المبسط لفكرة المعارضة .. الذى لا يحتاج الى أي جهد معرفي .. ولا الى أي نتائج .. وغير مرتبط بسقف زمني .. أو بألية محاسبة .. ومن ثم إستقالة أو إقالة .. أقول إن ذلك المفهوم ساهم فى إخفاقات الماضي .. وها هو ينتقل الى الجيل الجديد .. مما أصبح يبشر بطبقة معارضة لا تستند الى أي أسس فلسفية يمكن من خلالها رسم خارطة حقيقية للعمل السياسي الليبي فى المستقبل.. والأخطر أن العقوبات التى تطال كل من لا يتفق مع التصور الذهني المشاع عن مفهوم المعارضة .. أو يتجاوز ما يتم تعريفه على أنه خطوط حمراء .. أصبحت تطبق فوراً .. وإذا كانت اليوم تقتصر على الطعن والتشكيك بأسماء مستعارة .. أو تتمظهر فى شكل توصيات تمرر من تحت الطاولة من أجل عزل فلان .. أو تهميش وإقصاء علان .. فإن مجرد التواطؤ على فكرة التجريم .. وعلى إنفاذ العقوبة الفورية .. يجعلنا نتساءل ماذا لو إمتلك من يحمل ذلك التصور عقوبات أكبر من تلك التى يطبقها اليوم .. أليس سينفذها فوراً ؟!.. وعندها سنجد أنفسنا وقد عدنا الى المربع الأول من جديد.. والحيرة تغمرنا .. وتفرض علينا سؤالا بحجم : ماذا تعني كلمة التعددية ؟!.. وما مصير التطمينات التى نسمعها عن مستقبل التعاطي مع الايديولوجيات المختلفة ؟!.. وماذا يخبئ لنا قدر ليبيا المستقبل فى ظل الصمت حيال هكذا ممارسات غير متسامحة تجاه ما يفترض أنها من أبجديات العمل السياسي .. التى لا يُعقل تجريمها ؟!.. وأرجو أن لا نضطر الناس يوما ما الى طرح سؤال بوزن : ما الفرق بين النظام والمعارضة ؟!!.. لأنه لو حدث وطرح فسيشكل ـ بكل أسف ـ بداية النهاية .

وهنا أقف لأهيب بالعقلاء أن لا يستمرءوا ما يتصورونه إنتصارات هنا أو هناك .. فكل إنتصار آني يأتي على حساب سحق قيمة من قيم العمل السياسي .. هو فى الحقيقة إنتكاسة مؤجلة الضرر .. وكل تقليد سيئ يدخل ساحة العمل السياسي .. ويسكت عنه تحت ذريعة إقصاء خصم متوهم .. أو كسب نصير فى معركة عدّ الرؤوس .. هو فى الحقيقة بمثابة بداية تدحرج كرة الثلج ! .

فالعبث الذى نشاهده (عند البعض) .. والأدوار الموهومة التى باتت تنثر بسخاء .. وإستسهال عملية إطلاق العناوين واللافتات .. وإنتشار ظاهرة الحلول الماضوية التى تشير الى نضوب فى الأفكار.. وحرق المراحل المهمة فى سلم العمل السياسي المحترم على حساب الرفع من شأن التبسيط المُخل .. كل ذلك وغيره .. سيجعل من فكرة ولوج ساحة العمل السياسي المعارض كما لو أنها مغامرة غامضة .. أو قفزة الى المجهول.. فكل من سيراقب .. ويقرأ .. ويستفسر.. أتصور أنه سيصل الى نتيجة واحدة خلاصتها أن الوضع لا يشجع على الإنخراط .. فليس صحيح أن كل الفشل مصدره مؤامرات النظام فقط .. وأن عزوف الناس(3) عن الإلتحاق بالعمل السياسي فى المهجر ـ بصورة مباشرة ـ مرده الى الخوف من النظام فقط .. أقولها بكل وضوح ، هناك أسباب ذاتية مصدرها خندق المعارضة.. وما يدور على صفحات مواقعه.. وداخل غرفه الالكترونية .. وما ينقل على ألسنة بعض قياداته .. وما يتلبس أطره السياسية من قصور .. ولعله قد آن الآوان للحديث عنها بصراحة وشفافية عالية .. بعيدا عن نظرية المؤامره .. وفى تقديري فإن هذا المستوى من المسئولية لا يستثنى منه أحد .. خاصة أصحاب التجربة .. وربما سنكتشف بعد حين أن من صمت لا يقل سلبية عمّن مارس ما نشعر به من عبث .. وأن إطالة عمر الدكتاتورية فى ليبيا يمكن أن يكون لها عدة أسباب .. منها هذا الصمت المُجسد للمثل الشعبي المخيب للأمال : " طبّس تخطاك " !! .

فليكن شعارنا هو " المعارضة قيمة ".. فكن معارضاً بالطريقة التى تراها مناسبة لقدراتك وإمكانياتك .. فأنت معارض طالما أنك قررت الإنحياز الى الشعب الليبي فى نضاله من أجل إسترداد حقوقه.. والإلزام بحسب المنبر الذى تطل منه على الناس (4).. لكون لكل منبر أدواته وخطابه وأولوياته الخاصة .. وكذلك النتائج المطلوبة منه .. فلا يمكن أن نلزم من يرغب فى المعارضة من خندق العمل الحقوقي ـ على سبيل المثال ـ بذات المستوى الذى ألزم به نفسه من أشهر تنظيماً سياسياً .. وينسحب الوصف على من يعارض من خندق العمل الثقافي .. أو الإعلامي ..أو الإجتماعي .. أو النقابي .. الخ .. وكذلك لا يمكن أن نساوي بين من اختار مشوار النضال من أجل إسترداد الحقوق .. وبين من إختار مشوار النضال من أجل المشاركة فى السلطة .. فقط يمكننا أن نجمعهم تحت وصف " معارضين " عندما ينتصر الفكر السياسي السليم .. ويُقدَم العقل على العبث .

فأنا معارض لما يحدث فى بلدي .. ولست فى حاجة الى تزكية من اي جهة .. ولايمكن أن أتخلى عن موقفي هذا فقط لأن البعض يعمل جاهدا على رفسي خارج ما يتوهم أنه مسرح المعارضة .. وسأستمر فى تأدية واجبي بالطريقة التى أراها مناسبة .. الى أن تتحقق الحقوق التى يطالب بها الشعب الليبي داخل الوطن .. وكذلك لن أنفض يدي من العمل مع كافة عقلاء المعارضة .. فى الداخل والخارج .. وفق ما ينتجه هامش المتفقات .. لا وفق ما تريده سياسة ليّ الذراع .. وأصر على أن فكرة المشاركة فى المناشط الوطنية لا تعني بالضرورة الموافقة .. فأن يشارك المرء فى المحافل والمنتديات والمؤتمرات .. أتصور أنه واجب وطني .. لمن سمحت له ظروفه بالمشاركة .. أما الإلزام أو الإلتزام بالنتائج فتلك قصة أخرى .. خاضعة لحسابات تختلف عن حسابات المشاركة .. أقول ذلك لأني وجدت من لا يفرق بين الاثنين .. ويربط بينهما بشكل تعسفي ..وهو خلل لو أصلح وصحت النوايا.. سيخفف الكثير من الكلام الملقى على عواهنه هنا أو هناك .. والذى تغذيه فكرة الدمج ـ المُخل ـ بين فلسفة العمل المعارض .. وبين بعض الأجندات السياسية .. عن طريق جعل مدى قبولها معيارا للحكم على الوطنية .

سادتي الكرام .. عند هذه النقطة أعود للتذكير بأصل الموضوع وهو ضرورة السعي ـ بصورة جماعية هذه المرة ـ لترسيخ المفهوم الواسع لكلمة المعارضة لينسجم مع مبدأ التعددية .. ومع كونه مصطلح سياسي .. وليتناغم مع فكرة أن الأصل فى التغيير هو الشعب الليبي .. وليس المهجر.. وليستجيب لقواعد أساسية تشير الى أن العملية برمتها تدار وفق منظومة العمل السياسي .. وتدور فى فلك الترجيح بين خير الخيرين وشر الشرين .. والثابت الوحيد فيها كونها عملية متغيرة .. وأنها لا تمت بصلة الى منطق الثأر .. وعقلية العشيرة .. ولا يمكن شرحها بواسطة خطاب خشبي و نفسية متشنجة .. ولنتذكر دائما أن الرفض من أجل الرفض يؤدي الى العزلة .. وهي قاصمة الظهر بالنسبة للسياسي الجاد .. وفى المقابل فإن الحرص على بقاء قنوات الإتصال مفتوحة بين الناس دليل صحة.. فلا أظن أنه من مصلحة أحد أن يتحول خندق المعارضة الى ما يشبه جزيرة الخوف !! . والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(1) أما اسباب إرتقاع رصيد المفهوم السطحي لممارسة العمل المعارض .. فيعود لعدة أسباب أترك التعليق عليها لمناسبة أخرى خشية الإطالة .. ربما يعود أبرزها الى مشاكل بنيوية فى محاضن العمل السياسي " أي الاحزاب " .
(2) أنظر مقالة " قيم مطلوبة لذاتها " .. ضمن مقالات يوم 10 فبراير 2006م .. بموقع ليبيا وطننا.. وهي مقالة كتبت كرد على سؤال لصديق يقول : هل من الضروري وجود معارضة ؟!.. حّملتها جزءً مما أعتقده حيال هذا الموضوع الشائك .. تجدها تحت هذا الرابط : http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea10026a.htm
(3) تأمل هذا المقطع : (.. صديقي الذي عرفته في أوساط الثلاثينيات من عمره أصبح اليوم في خريف عمره، ابتعد عن السياسة منذ فترة غير قصيرة، بات يعتصر ألماً من ظلم الليبيين في الوطن وفي المنفى. سُرق شبابه، سُرق مستقبل أولاده، وفقد عمله مؤخراً، فتسلل الإحباط إلى نفسه، ولم يعد يفكر إلا في الخطوة الكبيرة التي سيخطوها إلى عالم آخر، عالم خال من الأوجاع والمآسي، ومن معاناة الغربة وظلم ذوي القربى...) جزء من مقالة " صراع الأنفس " للصديق الاستاذ يوسف المجريسي .. ليبيا وطننا ـ يوم الاثنين ـ 24 أبريل الجاري .
(4) أنطلق فى ضرورة التفريق فى الإلزام .. من نقطة أن هناك بالفعل تفريق فى الحقوق والواجبات .. بين من هو مؤطر .. ومن هو غير مؤطر .. فلو أمعنا النظر فى الكيفية التى تم بها تكوين لجنة المتابعة للمؤتمر الوطني على سبيل المثال .. فسنجد أن الاشخاص الذين ينتمون الى أحزاب سياسية معلنة تم منحهم مقعدين دون الحاجة الى اي إنتخابات .. بينما تم تمرير كافة اعضاء المؤتمر على لجنة إنتخابات افرزت منهم سبعة فقط .. إذن نحن هنا امام حقوق مختلفة .. فمن المنطقي إذن أن تكون الواجبات مختلفة .. فهذا الفرق الذى بناء عليه تم منح البعض مقاعد بطريقة لا تنافس فيها .. يجب أن ينسحب على الواجبات فلا تتساوى .. حتى لانقع فى حكاية الكيل بمكيالين .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home