Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Monday, 26 March, 2007

عـن الزعـامة والقيادة أتـحدث

عـيسى عـبدالقيوم

كنت مطلع الثمانينات كلما مررت بمنطقة "سيدي حسين" لا أفوّت فرصة التعريج على معرض "جادو"(*) للمقتنيات التراثية .. للفرجة ولإستنشاق شيء من عبق التاريخ .. ومن المشاهد التى لازالت عالقة فى ذهني ـ من واقع تلك الزيارات ـ صورة فوتوغرافية ذات حجم كبير مبروزة ومعلقة على سارية وسط المعرض..هي أول ما يعترضك عند ولوجك لبابه الرئيسي .. والصورة عبارة عن موتورسيكل صغير من نوع " بيجو " لونه أحمر فاقع .. يقوده رجل فى أواسط الاربعينات .. يحمل على أحد ذراعي المقود " قفة " بها بعض الخضار .. والصورة للوهلة الأولى تبدو عادية جداً ولا تثير أي إهتمام .. لكن أهميتها وإثارتها تكمن فى التعليق الذى كتبه صاحب المعرض تحتها.. حيث كتب بخط واضح عبارة " حمرا .. وجرايه .. وما تكلش فالشعير " !.. والتعليق كما هو واضح عبارة عن مثل شعبي حاول قائله ـ قديماً ـ تعجيز الناس .. أو هكذا شُبه له .. ولكن صاحبنا بمعادلة بسيطة إستطاع أن يحل المُعضلة ويجد " الحمراء.. الجراية.. التى لا تأكل الشعير " .. فكانت " موتورسيكل لونه أحمر .. سريع .. يعمل بالبنزين " ! .

وإذا كان " الكلام بلا معنى سفاهه " .. فلهذا الكلام بكل تأكيد معنى .. يتمحور حول دور ووظيفة الزعامة أو القيادة .. سواء أكانت قيادة دولة .. أم قيادة حزب .. أم قيادة شعبية .. دور أتصور أنه ينحصر فى قصة البحث عن حلول ومخارج لما تفرزه مرحلتهم من مشاكل ومعضلات مهما كانت معقدة .. دور يثبت ريادتهم من خلال حِراك مثمر .. وضمن إطار زمني معقول .. أما أن تتحايل القيادات فتتدثر بأدوار ليست لها .. للإفلات من إستحقاقات القيادة أو الزعامة .. فذاك عيب نأمل أن نراه يختفي قريباً .. فدور زعيم المجتمع .. أو الحزب .. أو الدولة .. ليس وعظ الناس كخطيب جامع حنبلي .. وليس هو كاتب عمود صحفي يقول كلمته ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. وليس هو "نجم على الهواء" يوزع الإبتسامات ويحبّر المنشيتات لإعتبارات ذات علاقة بالفاتورة.. ولا يمكن أن يكون شيخ عشيرة أحمق يعتقد بأن " يمينه " و " قصعة الرز " جزء من أليات المجتمع المدني .. ولا هو مقدم برامج على طريقة " ما يطلبه المستمعون " .. ولا هو مُهرّج فى سيرك دوره إشباع رغبات الأطفال فى الضحك .. ولا هو حاوي .. ولا قرداتي .. ولا متسول .. ولا .. ولا .. ولا .

فالزعيم أو القيادي شخص يعرف طبيعة كل ما سبق من أدوار .. غير أنه يؤمن بأن دوره الحقيقي يكمن فى طرح البرامج والمشاريع ذات العلاقة بالأزمات والنوازل التى تفرزها حركة مجتمعه.. والتى يمكن من خلالها التعرف على قدراته .. وقياس مستويات نجاحاته.. وتمييزه عن باقي الأدوار التى يفترض أنه غير معني بها إلا بقدر .. لكونه يعي بأنه معني بالدرجة الأولى بإيجاد الحلول .. لا بالتحايل عليها عبر سرقة أدوار ووظائف من سبق ذكرهم تارة.. وتارة بالهروب الى توصيف المشاكل فقط .. أو بالهروب الى الديماغوجية والصراخ وتفعيل نظرية المؤامرة .. أو باللجوء الى الصمت .. الذى لا يمكن فهمه أو تفهمه فى حالة الزعيم أو القيادي السياسي .. إلا بكونه إخفاقاً يعتريه الخجل ! .

لدينا قضايا عالقة .. وملفات معقدة .. ومشاكل متفاقمة .. يعني لدينا أزمة خانقة .
فما نسمعه ( من الجميع ) يدور فى فلك " التوصيف " ومشتقاته .
المطلوب ( من الجميع ) برامج عمل محددة يمكن بعدها تصنيف مواقف الناس " مع أو ضد " .
أما القفز الى إعتبار من ينتقد الدولة العاجزة عن تقديم برنامج وطني شامل للخروج من عنق الزجاجة متآمراً .. دون أن نعرف ضد أي برنامج وطني تآمر ؟!! .. أو إعتبار من ينتقد المعارضة بأنه لم يحدد أين يضع رجله .. دون أن نعرف المشروع الذي يمكن أن يشكل المساحة الصلبة التى تتحمل وضع الرجل ؟! .. فهذا من الإجحاف فى حق العقل والوطن معاً .

سادتي الكرام : الكل يعيش حالة " الشعار " المريحة .. والكل يفتقد " المشروع الكامل ".. وفوبيا البدايات لازالت حاضرة ..الغالبية يريد .. والغالبية تعرف ما يرد .. ولكن يبدو لي أن إنكماش فضيلة الحوار .. والتخلي عن فكرة تحمل المسئولية لصالح الأقنعة غير المكلفة .. سيجعل من الشعار سيداً للموقف حتى حين .. وبما أنه لكل شعارٍ شعاراً مضاداً .. فالمُرجّح أننا سنسير فى خطوط متوازية لبعض الوقت .. وسننفق جزاءً من أعمارنا فى إنتصارات نسجلها فى الواقع الإفتراضي .. وسنجد الوقت الكافي للهتاف لكل الزعماء والقيادات " العاجزة " .. لأننا عاجزون كذلك عن تصديق أننا لا ننجز شيئاً .

أرجو أن لا يعتبر كلامي هذا مؤامرة ضد " اللامشروع " الخارجي .. أو خيانة ضد " اللابرنامج " الداخلي .. وللتخفيف من وطأته يمكن إعتباره أحد فضفضات " اليوم الثامن " الخارج عن أيام الزعماء والقادة المقدسة .. والبعيد عن الحسابات قصيرة الأمد !.

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________

(*) معرض " جادو " معرض أقيم بجهود أعتقد أنها شخصية ، ويقع ضمن منطقة سيدي حسين بمدينة بنغازي ، ويضم مقتنيات تراثية رائعة ، أتمنى أن يكون مازال قائما بدوره فهو نقطة مضيئة تستحق الدعم والتأييد .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home