Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 25 December, 2005

   

الأحزاب السياسية بين الإطلاق والإغلاق

( 1 من 3 )

عـيسى عـبدالقيوم

فى تقديري أن النقد الإيجابي يمكن توجيهه ـ من الناحية النظرية على الأقل ـ الى الأحزاب أو التنظيمات السياسية (مكتملة النمو).. لكونها ترفع شعارات ترحب به.. وتعتبره أحد أوجه ممارسة الحريات العامة التى لأجلها بُعثت فلسفة العمل السياسي المؤطر (التعددية).. وإن كانت هكذا شعارات لاتكتسب صدقيتها ـ فى العادة ـ إلا من خلال قبولها كممارسة مرحب بها فى الوسط السياسي الحزبي .. فى الوقت الذى سيختلف الأمر ـ شكلاً وموضوعاً ـ فى حال التفكير فى توجيه ذات النقد الى أنظمة صماء متكلسة.. أضحى النقد ـ من أجل المصلحة العامة ـ أخر ما يمكن أن تلتفت إليه .. خاصة تلك التى تفتقد لمنظومة القوانين المدنية.. القائمة على مبدأ الفصل بين السلطات.. والمانحة للسلطة الرابعة (الصحافة) الدور المميز الذى بات يشكل أحد روافد الدولة الحديثة.

عموما.. بعد الحديث عن جملة من ركائز الدولة المدنية الحديثة(1).. والتى أصبحت المطالبة بها تمثل القاسم المشترك للغالبية العظمى من الطيف الليبي.. فى داخل الوطن وخارجه.. وبات التفكير فى عودتها(2) يداعب مخيلة المخلصين من أبناء الوطن كحل تلتقي عنده الكثير من الرغبات.. وينظر إليه على أنه أحد الخيارات المطروحة للخروج من عنق الزجاجة.. أقول ـ بعد كل ذلك ـ أظن أن الوقت قد حان للحديث قليلا عن أحد أهم ركائز الدولة الحديثة.. ألا وهي الأحزاب أو التنظيمات السياسية تحديدا.

ولعله من نافلة القول التذكير بأن أول أطوار إنبعاث تلك الأطر السياسية الى الوجود.. هو وجود مجموعة من الناس تؤمن بحزمة من الأفكار أو المبادئ المتقاربة أو المتناغمة.. وتستشعر حجم مردودها الإيجابي على المجتمع حال نشرها فيه.. ومن ثم تتولد لدى تلك النخبة الرغبة فى عرض ما فى جعبتها من أفكار وبرامج على أكبر شريحة من أبناء المجتمع.. فتأتي الحاجة الى تأطير ولملمة شتات المؤمنين بالطرح ضمن أحد أشكال العمل الجماعي.. للتنافس ـ بهم ومعهم ـ على السلطة بطرق سلمية.. يمنحها ويرعاها الدستور.. الذى يفترض أن الناس قد توافقوا عليه مسبقا (3).

إذن فيكاد يكون سبب إطلاق الحزب أو التنظيم السياسي ـ فى الدول التى تتبنى التعددية السياسية ـ هو السعي "المشروع والمُقنن" للفوز بالسلطة (كرئاسة).. أو المشاركة فيها (كمناصب).. أو للمساهمة فى إنضاج قراراتها من خلال مقاعد المعارضة (كنواب).. وأي سبب غير هذا لا يبرر ـ فى تقديري ـ إشهار حزب أو تنظيم سياسي بحال من الأحوال . وفى سياق البحث عن مفهوم الحزب.. إطلعت على بعض الكتابات التى تذهب الى صعوبة تحديد مفهوم كلمة حزب سياسي.. نعم قد يكون الحديث عن الصعوبة صحيحا إذا ما كان المعيار أو زاوية القياس هي الفلسفة التى يرتكز عليها الحزب.. أو الرؤية التى ينطلق منها (سياسية/ اجتماعية/ ثقافية).. وحتى طريقة عمله (أحزاب محلية/ اقليمية/ عالمية).. أو كيفية تنظيم لوائحه (أحزاب مركزية/ غير مركزية)...الخ. أما إذا ما أخذنا جزئية الغاية أو الهدف من إشهار الحزب السياسي كمعيار فمن المتعسر قبول وصف "الصعوبة" فى التحديد.. لأن الغاية الأصيلة هي الوصول الى السلطة.. بالمطلق أو بالمشاركة.. وهي كما ترى غاية منضبطة.. وتصلح لتجسيد مرجعية العامل المشترك.
وكذلك وجدت ـ فى ذات السياق ـ من يضيف الى تعريف الحزب بأنه الكتلة التى تسعى لتحقيق مصالح المجموعات الإجتماعية التي تمثلها.. وإذا ما نظرنا الى هذه الإضافة من زاوية كون تلك المجموعات لها حق تحقيق رغباتها المبثوثة بين ثنايا مشروع الحزب السياسي ـ فى حال تمكنها من حصد أصوات الأغلبية ـ فقد يبدو الأمر كما لو أنه لا مآخذ عليه.. إلا أن هذه الإضافة ـ فيما يبدو لي ـ من بقايا فترة طغيان الطرح الإيديولوجي على نشأة الأحزاب.. ومعلوم أن تطورا قد لحق بفلسفة العمل الحزبي المُنظم.. جعلها تقترب أكثر من فلسفة الأحزاب الخدمية.. وتبتعد عن فكرة تقديم نفسها كأحزاب أيديولوجية.. فالحزب لم يعد حزب المؤمنين بالبعد الإيديولوجي.. ولم يعد يقتصر فى برامجه على مصالح منتسبيه فقط.. بل تحول الى مؤسسة سياسية تسعى لتحقيق الفوز السياسي عبر مشاريع خدمية لها القدرة على كسب ثقة مختلف شرائح الشعب بغض النظر عن عقائدهم الدينية أوالسياسية.. وربما يشير إجترار تلك الإضافة من قبل البعض ـ دون التعليق عليها ـ الى كونها لا زالت تنسجم مع الفلسفة الضيقة التى تقوم عليها الأحزاب فى منطقتنا.. التى تقترب فى بعض الأحيان ليس من وصف الحزب الأيديولوجي فقط.. بل تقترب بشكل مخيف من وصف الحزب الطائفي. وفى هذا الصدد نأمل أن تتخلص الأحزاب السياسية الليبية من فكرة تقديم نفسها كأحزاب ايديولوجية.. لصالح فكرة تقديم نفسها كأحزاب خدمية لها القدرة على الإسهام فى حل مشاكل الوطن فى شتى المجالات.

وهناك أيضا من تطرق ـ فى ذات السياق دائما ـ الى ضرورة وجود الشخصية الكاريزمية التى يتمحور حولها الحزب.. وربما تعود هذه الإلحاقات الى النـَفـَس الشيوعي فى التنظيم.. وترديدها من قِبل البعض ربما يعود لتلاقيها مع بقايا التربية القبلية والدينية (المغلوطه والكارثية) التى أفرزت ما يمكن وصفه بـ "عقلية الشيخ" المولعة بشخصنة الخلاص.. وكما ترى فقد طورت التجربة البشرية الأمور لجهة بروز فكرة العمل المؤسسي كبديل حضاري عن الشخصية الكاريزمية.. والعمل البحثي بديلا عن إرتجالية الفرد مهما كان عبقريا.. مما ساهم فى تطوير وتشذيب الشخصية الكاريزمية وتحويلها الى شخصية إدارية.. لا علاقة لحياة أو موت التنظيم بوجودها على قمة هرمه.. أو إزاحتها عنه.

على أي حال.. نستطيع القول بأن الأحزاب أوجدت لإدارة العملية السياسية.. وللتنافس على الوصول لسدة الحكم.. وما عدا ذلك من رغبات (كتقديم الخدمات الاجتماعية/ الدعوة/ العمل الخيري/ المحافظة على الهوية/ النصح والإرشاد..الخ) لا يمكن تفهّم إشهار الأحزاب من أجلها.. ولعله من الأفضل أن تنحاز ـ هكذا رغبات ـ الى مؤسسات المجتمع المدني لكي ينسجم المبرر مع الممارسة.. وحتى لا يُكسر باب من أهم أبواب الدولة الحديثة.. فمن مصلحة الجميع أن يظل باباً متماسكاً ومستندا لتقاليد راسخة.

عموما لنفتح قوساً ولننظر ماذا تتطلب رغبة كبيرة وخطيرة ـ بحجم التفكير فى إشهار حزب سياسي ـ من مقومات.. لإظهار مصداقيتها.. وواقعياتها.. وحظوظها فى التنافس على ما تستهدفه؟!.

وأتصور أنه لابد من وقفة قصيرة لطرح حزمة من المُسلمات.. قد تشفع فى إزالة بعض ما قد يصحب الموضوع من سوء فهم أو سوء تقدير.. قبل الشروع فى الحديث عما أعتقد أنه "مقومات الحد الأدنى" لمدلول كلمة حزب أو تنظيم سياسي.. والتى يشكل غيابها وجها من أوجه القصور المتنافي وحجم الدور الرئيسي المطلوب ـ بداهة ـ من الأحزاب والتنظيمات أن تلعبه.

فمن المسلمات التى لا جدال حولها عند الحديث عن الأحزاب أو التنظيمات السياسية على وجه التحديد.. الأتي :

أولا : أن مصطلح الحزب أو التنظيم السياسي يقع ضمن خانة الأليات أو الوسائل.
ثانيا : أن الحزب جزء أصيل من تركيبة الدولة الحديثة المؤسسة على قواعد الشراكة.
ثالثا: أن الحزب يشكل العمود الفقري لعمليات التغيير والإصلاح الحقيقية.
رابعا : أن الحزب يُجسد المحضن الأول لكل من يرغب فى إحتراف العمل السياسي المباشر.
خامسا : أن مجموعة الأحزاب فى الدولة الواحدة.. هي عبارة عن مجموعة بدائل لشكل الدولة.
سادسا : الدعوة الى الاستغناء عن فكرة الأحزاب دون تقديم البديل المقنع.. دعوة غير مقبولة.

وإذا ما تجاوزنا قصة الكيفية التى يلج بها.. و من خلالها الحزب الى ساحة العمل السياسي.. والتى لها عدة أشكال.. فعلى سبيل المثال.. وبإيجاز شديد :
من حيث الإعتراف بالوجود : هناك من تقتصر قوانينه على إخطار الدولة بوجود الحزب لا غير.. وهناك من لديه لجنة مكلفة بمنح إجازات أو تراخيص العمل الحزبي.
ومن حيث خلفية الحزب أو التنظيم : هناك من يعتبر أن التعددية لا تشترط التميز.. ولكل حزب الحق فى اختيار برامجه والشعب هو الفيصل.. وهناك من يشترط التميز فى البرامج ويعتبر التكرار مانعا من موانع إشهار الحزب .
ومن حيث العدد : هناك من لا يعتبر وجود عدد معين (كنصاب قانوني) شرطا لإشهار الحزب أو التنظيم.. وهناك من يشترط وجود تواقيع لعدد منصوص عليه...الخ.

كما لايمكن إغفال وجود قناعة تامة بالوضعية الاستثنائية التى تمر بها الحالة الليبية مما يستدعى مراعاة عدم القياس على كل ما يرد من تعاريف "أكاديمية" مدونة بالخصوص.. فعلى صعيد العمل داخل الوطن لازال قانون تجريم الحزبية يصول ويجول ملوحاً بعقوبة الإعدام.. ولازالت نشأة ووجود أغلب التنظيمات فى المهجر تتأثر ـ سلبا ـ بفقدانها لبيئتها الطبيعية.. وإن كانت هكذا مبررات قد تعفي تلك الأحزاب من بعض المقومات ( كعمليات الإشهار القانونية ـ وكوجود المقرات ـ والعدد الوفير.. الخ ).. إلا أنها ـ بدون تردد ـ لا تعفيها من مسئولية غياب الكثير من المقومات المطلوب توافرها كحد أدنى.. حتى فى ظل الظروف التى نتفق على أنها إستثنائية.. وعليه يمكن إعتبار ما يكتب هنا ليس دعوة الى حل الأحزاب أو التنظيمات أو الإنتقاص من دورها السياسي (الضعيف).. أو التحسس من وجودها فى الجوار.. خاصة مع تفهمي لإعتبار البعض أن وجودها يمثل "رمزية" التمسك بأحد أسس الدولة الحديثة التى يُراد لها أن تغيب عن المشهد الليبي.. فالمحاولة إذن لدفعها نحو تحمل مسئولية إشهار نفسها كأحزاب سياسية(4).. ودائما وفق مقومات الحد الأدنى.. التى للأسف قد يُسهم سكوتنا على غيابها ـ تحت مبررات الوضع الاستثنائي، أو مرحلية النضال ـ فى ترسيخ مفاهيم تعددية خاطئة.. قد تصبح بفعل الزمن كما لو أنها الحالة المثالية أو الطبيعية لممارسة العمل الحزبي.. وما قد تجتره ـ خطيئة تثبيت المشهد الإستثنائي ـ من أوضاع أكثر دكتاتورية مما نتصور.

أما معيار الحكم على حجم.. ونوعية القصور.. الذى لاشك أنه يتفاوت ـ على الساحة الليبية ـ من حزب الى أخر فيحتاج الى البحث فى ركيزتين من أهم ركائز الحزب أو التنظيم السياسي.. لكون هناك من يمتلك الكثير من مقومات الحد الأدنى ولا ينقصه إلا القليل.. إلا أن ذلك القليل هو مربط الفرس.. وهناك من ينقصه الكثير ولا يمتلك إلا القليل مما يمكن وصفه بمقومات الحد الأدنى.. وللأسف هناك من لا يمتلك من مقومات الحزب السياسي إلا الإسم والبيان التأسيسي.. والدعوة هنا كما قلت من أجل التباحث فى منظومة "عمل حزبي" تستطيع أن تقنع المواطن الليبي بأن هناك بالفعل مستقبل واعد بالكثير من قيم الحريات العامة.. وليس كما نشاهد فى الحظيرة العراقية التى بشرت بالكثير.. ثم وصلت الى مستوى التصريح بأن ما كان عليه نظام صدام حسين ـ رغم من كارثيته ـ أفضل مما عليه الوضع العراقي اليوم فى زمن التعددية والديمقراطية.

والركائز التى نحتاج الى أن نقف عندها قليلا للإستعانة بها لمعرفة نِسب.. وأماكن القصور.. هي :
أولا : البعد التنظيري للحزب أو التنظيم (4).
وثانيا : الممارسة والأداء السياسي (5).

يتبع.......

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


1. من ركائز الدولة الحديثة التى سبق وتطرقت اليها : الإعلام الحر.. والمنابر الثقافية.. ومؤسسات المجتمع المدني.. وها نحن اليوم نصل الى الاحزاب السياسية.. على أمل أن نتطرق فى القريب الى ملامح الدولة وضرورة فصلها ـ قانونا وممارسة ـ عن مصطلح النظام مهما كان لونه وتبعيته .
2. إستخدمت لفظ (عودتها) ـ أي الدولة ـ ولم استخدم لفظ (بعثها) لان أي دارس لتاريخ ليبيا الحديث لا يمكن إلا أن يلمح بوضوح ركائز الدولة الحديثة التى من الممكن البناء عليها بعد إعادة تأهيلها شعبيا.. وأعجبتني كلمات قرأتها فى هذا الصدد وردت فى الاصدار الاخير للاتحاد الدستوري تقول [..المطالبة باستفتاء شعبي جديد يحدد شكل الدولة ونظام الحكم وهياكله وشخص الحاكم من أجل خلق شرعية دستورية جديدة ..] .نقلا عن موقع ليبيا وطننا تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/news/lcu/lc23125a.htm
3. يذهب [.. جيمس كولمان ان الحزب عبارة عن تجمع له صفة التنظيم الرسمي هدفه الصريح والمعلن هو الوصول إلى الحكم والاحتفاظ به اما بمفرده أو بالائتلاف أو بالتنافس الانتخابي مع تنظيمات حزبية اخرى داخل دولة ذات سيادة..] نقلا عن :
http://www.iraqiagriculturists.com/arabic/modules.php?name=News&file=article&sid=125
4. من المؤسف أن تستخدم كلمة تنظير فى سياق سلبي.. فتكون بمثابة الرد المقنع أو المفحم على كل من يكتب أو يتساءل حول قضايا ومواضيع من المفترض أن يكون التنظير لها جزء من تركيبتها ومرحلة تسبق ممارستها.. والأغرب من ذلك أن يعتبر الناس الاستهانة بالبعد التنظيري ردا يبعث على الطمئنينة كما لو أننا نعيش حالة من الأمية!!.. فهل إعتبار الجزء التنظيري من العملية السياسية ترف او مضيعة للوقت، يمكن ان يفهم على أنه نوع من الهروب من استحقاقات وضع النقاط على الحروف.. أو عجز عن خلق بعد تنظيري للرؤى العامة ؟!.. خاصة من أمة تزعم أن أول ما أنزل اليها هو { إقرأ } !.
5. لا زال الكثير منا لا يستسيغ إدخال عنصر تقييم الأداء ضمن معايير الفشل والنجاح.. ويصر على ان كل شيء على ما يرام طالما الشعارات صحيحة.. وتبعث على التفاؤل.. ويحيل موضوع النجاح أو الفشل الى كل شيء باستثناء سوء الأداء.. وهناك من يرى أن الانسان غير مطالب بالنتائج أصلا محتجا بالقدر..وبالتالي فهو مسقط لعملية مراقبة الاداء من حساباته منذ الانطلاقة.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home