Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 25 May, 2008

ليبيا... الإسلاميون والسلطة :
بدايات خجولة لنهايات غامضة
(*)

عـيسى عـبدالقيوم

مثلت حقبة الثمانينات والتسعينات ذروة مسيرة الصراع بين النظام الليبي والتيار الإسلامي .. تخللتها نقاط إحتكاك عنيفة ( 84/86/89/95) .. ونشط التيار الإسلامي بكافة أطيافه ( السلفي / الإخواني / الجهادي ) خلال تلك الحقبة فى تنظيم صفوفه وتأطير كوادره .. وإنطلق يبحث عن مرجعيات فكرية وشرعية تمكن من إشباع حاجته للتمايز .. ونظراً لما تعانيه الساحة الليبية من شح يصل الى درجة التصحر فى النشاطات الفكرية والثقافية والدينية .. فقد عبر التيار الاسلامي الحدود فى رحلة البحث عن الذات .. فكان للفكر الإسلامي المصري ( بشقيه الإخواني والجهادي ) نصيب الأسد على قائمة التوريد الفكري .. ثم يأتي الفكر السعودي ( التقليدي ) فى الدرجة الثانية .. بمعنى أنه أدار ظهره للمدرسة المغاربية وإتجه شرقاً ..وهنا نستطيع أن نسجل أول تعثرات تأطير العمل الاسلامي .. والتى تمثلت فى محاولة التماهي مع أجندات ومناهج تختلف بزوايا حادة مع الواقع الليبي .. سواء فى الفتوى الشرعية أو فى الخيارات السياسية .. مما أدى الى وجود نوع من الوصاية الخفية على قوائم أولويات العمل الإسلامي الليبي .. أثرت بشكل سلبي على أداءه فى فترات لاحقة .

ويمكن لأي باحث أن يرصد عنصر القطيعة الكاملة بين النظام والتيار الإسلامي بكافة أطيافه فى تلك الفترة .. بما فيها جماعة التبليغ .. التى تصف نفسها بأنها دعوية ولا تتعاطى السياسة .. فرغم تفاوت المناهج الحركية .. والإختيارات الفقهية للحركة الاسلامية فى ليبيا إلا أنها كانت حتى نهايات التسعينات تقف على خطوط متقاربة فى نظرتها للنظام الليبي .. وتتخندق جميعا فى خندق معارض .. كل بحسب فهمه لمدلول المعارضة ووسائلها .. سياسية كانت أم عسكرية .. كون كل الخيارات كانت مشفوعة بتفسيرات دينية .. ومدعومة بإختيارات فقهية منتقاة من سلة ذات الموروث الذى تستظل به أفرع التيار .. ومدفوعة بنظرة النظام الحادة ـ يومئذ ـ لفكرة وجود مخالف .. وبقسوة خطابه وحدية عقيدته السياسية وموقفها إتجاه" الأخر" التى كانت تصل الى الإعدامات المتلفزة .. والقتل خارج إطار القضاء .

فمعطيات الثمانينات والتسعينات ـ سواء تمثلت فى ما أنتجه النظام .. أو ما نتج عن حداثة العمل الإسلامي ـ فرضت على التيار الإسلامي السير فى طريق إتجاه واحد .. يتمثل فى معاداة ما هو قائم .

ومع إطلالة القرن الجديد سُجلت أوائل إرهاصات تحسن العلاقة على خلفية حوار خجول إنطلق فى " واشنطن " بشفعة عربية لم يعلن عنه فى حينها .. توّج بإطلاق سراح (85) من قادة وكوادر جماعة الأخوان المسلمين فى مارس 2006م .. مما شكل سابقة ترصد لأول مرة.. تمثلت فى إطلاق سراح مجموعة تنتمي الى تنظيم معلن .. كون القانون الليبي ساري المفعول ( قانون 71 لسنة 1971م ) ينص على تجريم الحزبية ويعاقب بعقوبة الاعدام كل من تثبت عليه تهمة الإنتماء الى خلية أو تنظيم مهما كان حجمه أوحجم إنتماءه .

وفى 24 فبراير 2008م نشرت مؤسسة القذافي الخيرية التى يديرها نجل العقيد القذافي تقريراً يشير الى قرب إطلاق سراح (90) شخصاً من الجماعة الاسلامية المقاتلة (تنظيم مسلح أعلن منتصف التسعينات ) .. على خلفية حوار مباشر مع قادتها .. وفى حال وفاء الدولة بوعدها بإطلاق سراح المجموعة فإن مؤشر دخول العلاقة بين التيار الإسلامي والنظام الليبي الى مرحلة جديدة يكون قد بلغ الذروة .

ويبدو لي أن التيار الإسلامي بشكل عام قد بدأ فى تغيير نظرته السياسية .. بل والشرعية تجاه الدولة خواتيم التسعينات .. بالقياس لما أشتهر عنه من مواقف متشددة تجاه الدولة فى عشريتي الثمانينات و التسعينات .

وفى تقديري مما اسهم فى حدوث مراجعات أدت ولازالت تؤدي الى تغير المواقع والمواقف .. ما طرأ على النظام الليبي نفسه من تغير فى خطابه ووسائله .. فالمراقب للمشهد الليبي لا يحتاج الى جهد كبير كي يقرر بأن النظام الليبي قد إتخذ قرارات مست جوهر عقيدته السياسية .. وأدت الى إتخاذه خطوات كانت الى وقت قريب ضمن الخطوط الحمراء .. عقب خروجه من أزمة لوكربي .. وتسليمه لحقيقة ولوج العالم الى حقبة جديدة تنكمش فيها الدولة القطرية لمصلحة ما بات يعرف بالشرعية الدولية ..وتقدم مطلبية حقوق الإنسان والحريات العامة كمعيار تقييم .. بل وكمسوغ لعقوبات دولية .

وأيضا شكلت أحداث 11 سبتمبر الشهيرة التى تبناها تنظيم" القاعدة " .. أحد أهم عناصر الدفع بالتغييرات التى طالت المنطقة بأسرها .. وكان للتيار الإسلامي ـ فى المنطقة ـ نصيب الأسد منها .. لإتهامه المباشر بصفة " الإرهاب " مما جعله يقع تحت ضغوط دفع التهمة .. وبالتالي البحث عن خيارات فقهية تثبت براءته منها .. وللأسف فقد ظهر التيار كما لو أنه لا يعمل إلا تحت مطرقة ردود الأفعال .. فتلك الخيارات كانت موجودة ضمن المنظومة الإسلامية القديمة .. ولم يلتفت إليها إلا قلة لم تفلح فى تحويلها الى فكر شعبوي .

ثم تأتي فترة إغلاق وتشطيب القضايا الإسلامية العالقة وعلى رأسها " أفعانستان " و " البوسنة " و " الشيشان " فى مطلع التسعينات (93- 96) .. مما أوصد الهامش الذى كانت توفره كملاذات للقيادات الإسلامية .. مما فرض عليها اللجوء الى جحر ما كان يوصف بالأفعى .. الى الغرب .. وأزعم بأن أكبر عمليات تحول شهدتها الحركة الإسلامية بأطيافها حدثت عقب إستقرار قيادتها وكوادرها بالغرب .. لا أقول بتأثير " أمني " كما يروج البعض .. بل بتأثير من ثقافة وحضارة الشعوب التى تعايشوا معها بصورة مباشرة .. أين وفـّرت لهم بيئة صحية " أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف " أسهمت فى تسريع وتيرة إعادة قراءة الذات والموضوع .

ولقد كان للعوامل الثلاثة ( التغيرات التى طالت منظومة العلاقات الدولية .. وأثار أحداث 11سبتمبر المشؤومة .. وغلق هوامش القضايا ذات البعد الإسلامي ) تأثيراً مباشراً على علاقة التيار الاسلامي بالنظام الليبي .. وإن بدرجات متفاوتة كل بحسب موقعه وخياراته .. فشهدت أعوام ما بعد 2005م عودة الكثير من المحسوبين على التيارات الثلاثة الرئيسية ( السلفية / والإخوانية / والجهادية ) الى أرض الوطن .. تحت مظلة " جمعية القذافي الخيرية " .. التى يبدو أنها تشرف على إدارة ملف التيار الإسلامي بصورة مباشرة .. وعبر خط ساخن مع القيادة الليبية العليا .. منذ إنطلاق أول مبادراتها التى تمثلت فى العودة بالليبيين من أفغانستان .. وحتى الإعلان عن قرب الإفراج عن ما وصف " بثلث " الجماعة الليبية المقاتلة الشهر الماضي .

وقد رصدت صحيفة التجديد المغربية ( 27 فبراير 2008) ما تشهده الساحة الليبية من تغير فى قواعد العلاقة بين النظام والتيار الإسلامي فإختتمت أحد أخبارها ذي الصلة بالموضوع بالقول ( .. في هذه الظروف العصيبة، أعلنت السلطات الليبية عزمها الإفراج عن معتقلي الجماعة الليبية المقاتلة، واستعدادها للحوار مع هذا التنظيم .. فأي رسالة يريد النظام الليبي توجيهها إلى دول الجوار؟!! .. ).

ولم يكن الجزائريون بمعزل عن الحدث فقد نقلت صحيفة " المستقبل اللبنانية " (12 مارس 2008) عن خبراء فى الشأن الأمني الجزائري قولهم (.. أن "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" التي غيرت اسمها إلى "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" .. تعاني حالياً من عزلة حقيقية على مستوى منطقة المغرب العربي، عازين ذلك إلى عوامل عدة في مقدمها المفاوضات بين السلطات الليبية و"الجماعة الليبية المقاتلة" .. ) .

ويأتي السؤال الذى يطرح نفسه .. الى أي مدى يمكن للتيار الإسلامي الليبي أن يطور من وسائله وآلياته وخطابه دون أن يأتي ذلك كردة فعل على حدث ينذر بهلاكه .. أو كمساومة سياسية تبدو كنوع من التزلف للسلطة أقرب منها لمنطق التجديد ؟!.. وهل سيقبل التيار بمبدأ فرز أدبياته لأجل التقليل من كميات الإيديولوجية المحشورة قصرا بين ثناياها ؟!.. وهل سيقبل فكرة تلييب وضعه والتخفف من أحمال ما وراء الحدود؟!.

وفى المقابل الى أي مدى يمكن للنظام الليبي أن يكون جادا فى التأسيس لعلاقة طويلة الأمد مع " الأخر " المخالف أو المختلف .. بعيداُ عن منطق التجيير المرحلي من أجل القفز على إستحقاقات يتطلبها المفصل الحاسم الذى تمر به المنطقة ؟!.. وهل سيقبل التيار العقائدي المسيطر على مطبخه السياسي التعايش مع من لا يعتنق مذهبه الثوري .. فضلا عن أن يمنحه صفة الشراكة فى الوطن ؟!.

ملف أخر على طاولة الحالة الليبية تبدو بداياته خجولة .. أما نهاياته فلاتزال غامضة بالقياس الى قصر عمر التجربة .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم

________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في فى "المرصد الديمقراطي" ـ نشرة دورية يصدرها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية ـ واشنطن ـ السنة الثانية ، العدد الثالث ، ابريل 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home