Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Thursday, 25 May, 2006

 

السـياسة والثـقافة.. تـواصل أم تـنافر؟!
( 1 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم


"أصبحت الثقافة شاغلا أساسيا للجميع بعد أن اتضحت أولوياتها في عملية التنمية..
بالإضافة إلى كونها من أهم صناعات عصر المعلومات"(1).

لو أردت أن ألج الى موضوع " العلاقة بين ما هو ثقافي وما هو سياسي " من بوابة التعريفات والمقاربات .. فلربما تحولت المقالة الى بحث أكاديمي ثقيل .. قد لا يتمشى وطبيعة النشر اليومي فى جرائد ألكترونية سيارة .. فعلى سبيل المثال قرأت أن " كلوكهون " يحصي أكثر من 160 تعريفاً للثقافة .. ورغم ذلك قد أحدث " غرامشى " تغييراً جذرياً فى التعريفات عندما قال (.. يُخيّل لي أن الخطأ المنهجي الأكثر شيوعاً ، هو أن معيار التمييز ذلك قد جرى البحث عنه في باطن النشاطات الفكرية ، لا في منظومة العلاقات التي نجد فيها هذه النشاطات ، وبالتالي الفئات التي تجسدها (أي المثقفون) ..) .
لهذا سأجتهد فى التعبير عن وجهة نظري الشخصية حيال الموضوع .. إنطلاقا من واقع الحراك الليبي الذى أنغمس فيه .. وإستنادا الى طبيعة العلاقات التى تحكمه .

وبكل تأكيد يحتاج إقتحام هكذا موضوع الى أرضية يمكن إستخلاصها من بعض الفرضيات .. لعل أبرزها ما يمكن أن نستلهمه من سؤال بحجم : هل توجد فى ليبيا ( الداخل والخارج ) حالة سياسية متكاملة الأركان.. ومشهد ثقافي مستوفٍ للشروط .. كي نسقط عليه ما يعلق فى أذهاننا من صور وأنماط يفرضها أو يصنعها التراكم المعرفي ؟!.

في تصوري نحن ننطلق فى معالجة قضايانا ـ السياسية مثلا ـ من واقع إفتراضي رغم شعورنا بوجود تناقض بينه وبين الحقائق على الأرض .. مما أوجد أوضاعاً غير منسجمة .. بمعنى أننا عندما نفترض أن فى ليبيا دولة ونظام وقانون .. ونفترض أن للمعارضة أحزاب وتجمعات سياسية متوافرة على شروط الحزب الكامل .. ونفترض أن العلاقة تدار ـ بين طرفي المعادلة ـ وفق تقاليد العمل السياسي المتعارف عليها .. ونشرع فى إنزال الفرضيات السياسية المدونة فى كتب إنطلقت من نقطة الوضع الحائز على مقومات المعادلة الكاملة .. نكون قد إنزلقنا الى أحد معضلات الحالة الليبية .. فنحن واقعيا وعمليا .. نتعاطى مع حالة تتفوق قائمة النواقص لدى طرفيها على قائمة المتطلبات الأساسية .. مما أوجد ظاهرة إسقاط قواعد حقيقية على واقع إفتراضي .. وأنتج تحليلات متعثرة .. ففي تقديري لم يصل الوضع الداخلي فى ليبيا حتى الى نقطة التماسك السياسي .. فلا تكاد تنتهي من نقد جانب حتى ينهار الجانب الذى يليه .. فلا يمكن مثلا الحديث عن وجود تمييز حقيقي بين الدولة والنظام .. ولا الحديث عن الفصل بين السلطات .. ولا حتى الحديث عن إكتمال نصاب السلطات الأساسية .. ولا يمكن التعرف عن ماهية العقيدة السياسية التى تقود المرحلة .. فضلا عن الحقبة.. وللاسف فحتى وصف " الفوضى المنظمة " ليس لنا فيه نصيب كبير.. وفى المقابل فإن وضعية الخندق الأخر لا تعد بالكثير .. فالنواقص طالت مقومات الحد الأدني لأطره السياسية .. ولتجنب التكرار يمكن الإطلاع على تفصيل ذلك فى مقالة " الأحزاب السياسية بين الإطلاق والإغلاق "(2) .. لذا لم أستغرب من وجود مُطالبات سياسية خدمية من بعض المعارضين لنظام لا يرتضون بغير اسقاطه بديلا .. وكذلك لم أستغرب وجود بعض المناشدات التنفيذية التى لا يمكن أن يقوم بها إلا ذات النظام الذى من المفترض أنه مرفوض جملة وتفصيلا .. وحتى المطالبة بالإصلاح تتم على أرضية هشة ومشبعة بالتناقضات ولا يمكن بحال وصفها بالأرضية الصلبة .. وفى المقابل نسمع ونشاهد نداءات النظام للمعارضين بضرورة العودة والعمل من داخل مؤسسات الدولة .. فى الوقت الذى يتمسك فيه بالقوانين التى تجرّمهم وتدينهم قانونيا .. إذن فمن المتعسر واقعياً الحكم على الحالة الليبية بالمعايير المتعارف عليها .

وكذلك بالنسبة للمشهد الثقافي .. ففي تقديري لا تزال خطواته متعثرة .. وإن بدرجات أقل من درجات الحالة السياسية .. فهو يعاني من تدهور فى البنية التحتية بشكل كبير .. الى غياب مسطرة قوانين تنظم العلاقة بينه وبين الدولة أو النظام .. ويفتقر الى وسائل الإعلام الحر القائم على أسس ومعايير تحترم مبدأ حرية التعبير كقيمة .. وهي بالمناسبة معاناة مشتركة بين الداخل والخارج من حيث الوجود .. وإن كانت مظاهرها فى الخارج أخف بكثير.. وكذلك يعاني المشهد الثقافي من عمليات أدلجة قصرية .. ففي الداخل تفرض على المشهد وجوه ثورية.. معفية من خوض أي تصفيات للتأهل النزيه .. وفى الخارج يدار جزاء كبير من المشهد وفق رؤية حزبية مؤدلجة.. إبتداء من الحضور.. إنتهاء بالدعم .. مرورا بمنح الألقاب .. وصولا الى المضمون .. حتى وصلنا فى مرحلة ما الى مناقشة إمكانية تحويل مؤسسات المجتمع المدني ( بما فيها الثقافية ) الى أذرع سياسية .. ولازلنا نتابع ظاهرة تعدد الألقاب الذى يسبق الإسم الواحد .. ألقاب يُشترط لبعضها الإستقلالية .. ولبعضها الأخر الكفاءة والتخصص .. وبرغم ذلك فرضت بمنطق القوة الايديولوجية .. وتناسى العقلاء أن أنفاس المؤدلج قصيرة .

إذن فنحن أمام حالة يجب أن نعترف بمحدودية إمكانياتها .. وعدم تطابق حراكها مع ما وضع من تعريفات ومحددات.. ولهذا نأمل أن يكون مسلكنا فى العلاج .. هو طرح التصور الأمثل .. والسعي لنقل الحالة الليبية اليه .. وليس مجاراة منطق الكسب السياسي السريع تحت ذرائع تفتقر الى الموضوعية .. والعقلانية .. فى التناول والطرح .... هذه نقطة أولى .

وأيضا يمكن أن يضاف الى هذه المقدمة نقطة ثانية .. ربما تساعد على تفكيك ملفها الشائك .. وهي تساؤل أخر .. أؤكد بداية على أنه ليس بجديد.. ولهذا فلن أتوقف عند كل جزئياته .. وهو : هل كل سياسي مثقف .. أو : هل كل مثقف بالضرورة سياسي ؟!.. لن أجيبكم من بطون الكتب.. لاننا سبق واتفقنا أن الحالة الليبية تعج بالنواقص.. ولن أثبت حقيقة أن بينهما عموم وخصوص .. أو أنهما من جنس المصطلحات التى إذا إجتمعت إفترقت وإذا إفترقت إجتمعت.. حتى لا ندخل فى دهليز الفلسفة .. وسأترك لكم النظر الى المشهد بصورته الواسعة .. لنشاهد كيف كان بعض الساسة كارثة على المشهد الثقافي عندما حاولوا إمتطائه.. وأيضا سنلحظ كيف أن بعض المثقفين قد تحولوا الى كتلة من الغباء عندما جربوا فكرة التحول الى السياسة .. لنخلص سويا الى العبارة المشهورة التى تقول : ليس بالضرورة أن كل مثقف سياسي .. ولا كل سياسي مثقف .. دون الجزم بإستحالة حصول ذلك .. ففي المشهد ـ الليبي تحديدا ـ حالات شاذة يمكن أن يقدمها البعض كدليل على حصول الكرامة .. وربما جوابي المبدئي على ذلك هو القاعدة التى تنص على أن " الشاذ يُحفظ ولا يقاس عليه " !! . ولهذا مطلبنا ستتوقف عند حدود التمييز بين الملفات أثناء الممارسة (كما سيأتي) .. وأن يكون هناك إعترافا متبادلا بوجود مسارات مختلفة ذات أليات .. ومنطلقات.. وأهداف مختلفة .. دون إنكار إمكانية تقاطعها فى بعض النقاط أو تكاملها فى بعض المستويات.. فليس بالضرورة أن يتحول كافة المثقفين الى ساسة .. ولا أن يلتحف كافة الساسة رداء الثقافة.. ومن أراد أن يجتهد فى الجمع.. فله ذلك طالما إمتلك مقومات ومقدرات ذلك .. وأدارك قضية التمايز بين تلك المسارات .

والنقطة الثالثة ذات الصلة بموضوع اليوم .. هى علاقة المثقف بالسلطة .. وهنا قد أقف لأضيف عبارة " وعلاقته بالأطر السياسية ايضا " .. لكونها بدائل وخيارات ضمن اللعبة السياسية بمفهومها الواسع .. فمعارضة اليوم هي سلطة الغد .. وسلطة اليوم ربما تكون معارضة الغد.. ( إنطلاقا من نظرتنا الى ليبيا المستقبل ) .. فكما أن قطع العلاقة بين المثقف والسلطة درب من الخيال .. فقطع إمتدادات العلاقة ببدائل السلطة ( المعارضة ) أيضا درب من الخيال .. وهنا سنصل الى مربط الفرس وهو مناقشة ماهية العلاقة .. التى أرجو أن نتفق على أن حدودها وأشكالها وطبيعتها تحدد بإعتبار الوصف الذى ينطلق منه المثقف فى نعت السلطة ..( دكتاتورية أم ديمقراطية ).. ( دينية أم مدنية ) .. ( شرعية أم غير شرعية ) .. ( عميلة أم وطنية ) .. ( متسامحه أم متغولة ) .
والتركيز على الوصف مهم لمناقشة أبرز آفات هذا المستوى .. ألا وهي ظاهرة ما يعرف بمثقفي السلطة ( وأضيف من عندي : و إمتداداتها) .. الذى عرفته الذاكرة العربية وذاقت ويلات تخريجاته بـ ( علماء السلاطين ).. فإذا كان ما يخدش مثقفو السلطة كونهم يجنحون الى تبرير سقطاتها .. فلا شك أن ذات الوصف قد يتلبس به من يبرر لبدائل السلطة ذات السقطات ولو بذريعة تصعيد النضال.. فالمثقف الحقيقي فى تصوري " إبن بيئته ".. فهو المنغمس فى همومها.. والساعي للبحث عن مخارج لأزماتها .. هو صاحب الموقف المعارض لإنتهاك القيم كائناً منتهكها من كان ( سواء أكان فى السلطة .. أم فى المعارضة ) .. فى ذات الوقت الذى يحافظ فيه على المسافة بينها وبين سلوكيات منطق الكسب السياسي .. المدفوع غالبا بالنزعة البراغماتية الجارفة لدى الساسة .

والنقطة الرابعة التى أود أقف عندها قد تكون منهجية .. غير أنها ذات صلة بالموضوع .. وهي تساؤل يظهر ويختفي مع حركة الأحداث وهو : هل ما نشاهده على مسرح الأحداث من تدافع سياسي أو ثقافي .. هو مسرحية ومؤامرة .. أم حقيقة ؟!.
وفى تقديري الشخصي فإن إعتبار كل ما يجري حولنا مؤامرة قد يفقدنا القدرة على قراءة الأحداث بصورة صحيحة .. ومن ثم سيحرمنا من فرصة تحليلها بشكل جيد .. للاستفادة مما تفرزه من تباين .. وما تنتجه من هوامش للمناورة .. فينبغي أن ننطلق من نقطة إفتراض أن ما يحدث أمامنا هو الحقيقة.. مع تقبل فكرة إمكانية وجود خلفيات ودوافع .. أو مناورات وتكتيكات .. من مهام السياسي الحاذق أن يحدثنا عنها حديث المستشرف للمستقبل .. لا حديث ردة الفعل الساذج .. القائم على فكرة الإكتفاء بتصنيف الناس .. وإختزال الصراعات المريرة فى كلمة " مؤامرة " ورد غطاها !!.

ولعل أغرب ما سمعته فى سياق " لعبة التصنيف " .. تسمية المشتغلين بالثقافة " بالحمائم ".. والمشتغلين بالسياسة " بالصقور " .. فما أعرفه ـ سابقا ـ أن هكذا قسمة كانت تستعمل لتصنيف منتسبي الخندق الواحد .. فيقال حمائم أو صقور العمل السياسي .. أو العمل الثقافي .. ولكن كالعادة من ليبيا يأتي الجديد .. وشخصياً لا تستهويني تلك القسمة الضيزي.. فلو إنقسم تجمع سياسي ما الى صقور وحمائم.. فسأختار الوقوف فى مكان ثالث.. لأني أعتقد جازماً أن وقت " الأبيض والأسود " فى القضايا السياسية قد ولىّ مع عهد الأحزاب الإيديولوجية .. وانهار مع جدار برلين .. وتلاشى تحت وطأة ما أفرزه تدافع المجتمع الدولي ومؤسساته الرسمية والأهلية من تقاليد جديدة .. أحالت قصة الفسطاطين الى خانة التاريخ .. فأصبح من العقل والمنطق والسياسة .. أن نتفهم أن هناك مواقف من الصقورية فيها أن نقف مع رأي الحمائم .. وأن هناك مواقف من الحمائمية فيها أن نقف مع الرأي الصقور .. وإعتبار ذلك نوع من التذبذب أو إنعدام للوطنية .. يشير الى أننا نعيش خارج اللحظة .. حتى لا أقول خارج التاريخ .

عودا الى أصل الموضوع .. وهو العلاقة بين المسار الثقافي .. والمسار السياسي .. وفكرة التمييز بين الملفات عموما .. وما تعود به من فائدة على الحالة الليبية .. أتصور أننا نحتاج أولاً الى ما يشبه إتفاقية وقف إطلاق النار ـ إن جاز التعبير ـ .. لكي نستطيع أن نستمع الى صوت العقل .. فالليبيون بالنظر الى وضعهم المتأخر.. بالنسبة للمنطقة والعالم .. أصبحوا فى أمس الحاجة الى حوارات معمقة.. ثنائية وجماعية.. مباشرة ومكتوبة.. من أجل رسم الملامح العامة للأجندة الوطنية السياسية .. والثقافية .. والإجتماعية .. والحقوقية .. لتحديد نقاط التقاطع .. وهامش المتفقات .. من أجل الإستفادة منها فى خدمة قضية ليبيا .. ففرص الحوار متوفرة ومتيسرة .. مما يجعل من مظاهر تغييب الحوار .. بل وتفضيل التناحر عليه .. أمر غير مفهوم .. بل ويثير القلق .

على أي حال .. كانت مقدمة .. ربما إعتراها بعض ما يعتري المقدمات من اختصار .. وتنقل بين الأفكارة .. فإلى الجزء الثاني .. أين سنتحدث مباشرة عن فلسفة التمييز بين الملفات .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(1) د.نبيل علي.. كتاب (الثقافة العربية في عصر المعلومات، رؤية مستقبلية للخطاب الثقافي العربي).
(2) المقالة تجدها تحت هذا الرابط على موقع ليبيا وطننا ضمن مقالات يوم 25/12/2005م.
    http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea29125a.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home