Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


عـيسى عـبدالقيوم

الإثنين 24 نوفمبر 2008

كان لي غـرفة هناك

عـيسى عـبدالقيوم

وصلني ـ عبر مدونتي قبل أيام ـ تعليق على قصيدة " أنا والليل وسهيل " .. من صديقي القديم "نبيل ...... " .. ذكّرني فيه بشيء كادت الأيام أن تطمر معالمه .. وتطوي صفحته .. ذكرني بـ " غرفتي الصغيرة ".. ولعل صديقي تذكّرها كوني كنت أحب أن أجلس مع الأصدقاء القريبين مني فى غرفتي وليس فى " المربوعة " .. من هنا جاءت أكثر الذكريات رسوخاً فى ذاكرتي مقرونة بغرفتي .

ففى تلك الغرفة ذات الإنارة الخافتة دخنت أول سيجارة كاملة .. ربما كنت أحاول أن أقلد والدي وهو ينفث دخان سيجارته " الرياضي " فى وجه مذيع نشرة التاسعة .. وما يصحبها من أخبار لا تسر صاحباً ولا عدواً .. ليلتها وقفت فى مواجهة " المرآة " وشرعت فى إعمال شفتي بالسيجارة على أنغام موسيقى " الرحبانية " وصوت الست فيروز .

فى تلك الغرفة كتبت أول قصيدة .. أو محاولة شعرية بالعامية .. كتبتها فى موظفة " بالبريد " لا أعرفها ولا تعرفني .. فقط لمحتها .. أعجبتني .. فقررت أنني أحبها ـ هكذا ببساطه ـ .. فشرعت فى وصفها.. بل وفى وصف مشاعرها تجاهي .. وبعاصفة وعاطفة وقوة دفع سن المراهقة نسجت حولها فى خيالي مسلسلاً من الحكايات .. أبدأ مساء كل يوم فى نسج خيوط إحدى حلقاته .. وأختر لها النهاية السعيدة التى تناسب ظروف تلك الليلة .. ولا أجد بأسا فى أن أغيّر النهاية فى الليلة التى تليها .

فى تلك الغرفة كتبت ايضا أول رسالة " غرام " لإبنة الجيران .. التى ردت ( على ورقة كراسة حساب ) بقولها " أنا واياك مازلنا صغيرين على هالكلام " .. كانت محقة .. وربما كانت تلك نصيحة أختها الكبرى .. ولكنني صنعت من ردها المؤدب بداية حوار إنتهى بإقناعها بأننا على وشك إنهاء إسطورة " قيس وليلى " .. كنت الى فترة ما قبل خروجي أحتفظ بالرسالة .. ليس لجهة كونها تحكي قصة " غرام " عالي المقام .. بل لأسخر من يوسف المراهق .. فى زمن ظننت فيه أنني نضجت بما فيه الكفاية .. فجاءت بعده أزمنة أثبتت أنه بالفعل " داخل كل إنسان طفل لا يموت " .

وفى تلك الغرفة .. جمعت رزمة من العملات الأجنبية .. وبعض المقتنيات التراثية .. وجلود حيوانات مدبوغة .. وصور ورسومات قديمة .. كنت أنثرها فى الغرفة ثم أعيد ترتيبها .. وجعلت من شبكة لصيد السمك ما يشبه السقف القريب وزركشتها بمقتنيات بحرية .. جعلت للغرفة نكهة تاريخية .. لعلي كنت أود أن افصح عن شيء ما فى داخلي .. أو هكذا قرأها قريب لي عقب مغادرتي البلد .. ربما اليوم أقدر بأنني كنت متأثرا ـ على نحو ما ـ بزياراتي لمعرض " جادو " للتراث الشعبي .. بمنطقة سيدي حسين .

فى تلك الغرفة إحتفظت " بألبوم صور " .. كنت بين الفينة والأخرى أقلبه .. فقد كنت أهوى الإحتفاظ بصور لكل من قابلته .. من بينها صور " ابيض واسود " لفريق كرة قدم مكون من أولاد الشارع فى نهاية السبعينات .. وصورة لمهندس سويدي إسمه " إيفان " عملت معه فترة عطلة الصيف سنة 1980م بمصنع " القوارب " .. أفهمني ذات مرة بأنني لو زرت السويد فقد أفوز بعروس رائعة .. وكان يريني صور إبنته الشبيهة باللعبة " باربيي " .. طبعا كليبي كنت أعتبر ذلك من عجائب الدنيا مقارنة بالمنتج المحلي !.. ومن الأمور التى أحزنتني أن " ألبوم " الصور ضاع فى تيه سنوات الضياع وزوار فجر كانت تنقصهم رجاحة العقل وأخلاقيات عيال البلاد !.

فى تلك الغرفة تعودت أن أقرأ الجرائد والمجلات التى تقع بين يدي .. وأنسخ " كتابة " ما أظنه مفيدا أو ذي قيمة .. فما أن يسحب الليل عباءته وينتهي وقت التسكع فى شوارع المدينة .. حتى أهرع الى غرفتي تلك .. وأسحب ما وضعته على الطاولة وألتهمه بشراهة .. قد يكون لغزا .. أو مغامرة .. أو مجلة .. وأذكر فى هذا السياق بأنه كان لدي ملفا يحوي عديد القصاصات من الصحافة المحلية .. وددت لو أطلع عليه اليوم كي اعرف ماذا كان يشغلني فى تلك الأونه .. ولكنه ايضا ضاع ... ويا ما ضاع .

وفى تلك الغرفة .. بدأت أنتقد وأنا إبن الثامنة عشر " النظام السياسي " .. وأستمع بنهم الى التقارير السياسية عبر الراديو .. وأجاهر بوجهات نظري فى الشأن العام .. كان ينقصني كل شيء بداية من الوعي ونهاية بإختيار الوسائل المناسبة .. ولكن توفرت لدي عاطفة كبيرة .. جعلتني أرفض كل ما سمعت من مبررات .. وأدخل فى سجالات متشنجة مع أصدقاء إنخرطوا فى حركة اللجان الثورية .. وأوصلتني بعد عام الى السجن .

فى تلك الغرفة .. عرفت بداية الإنتماء الى العمل السري .. كان بدائياً ساذجاً .. ولكنه كان صادقاً .. فيها سمعت ـ لأول مرة ـ كلاماً عن الثورة .. وعن التغيير بالقوة .. كنت تقريبا أصغر المجموعة .. ولكنني لم أتهيب الموقف .. يومها ظننتها شجاعة .. وربما اليوم علي أن أعترف بأنها كانت شجاعة يشوبها التهور واللامبالاة .. ولكنها بكل تأكيد ستبقى محطة فى تاريخ حياتي سأذكرها لأذكر معها زمنا قاسياً آمل أن لا يرى الوطن ـ مرة أخرى ـ إي من فصوله القاتمة .

فى تلك الغرفة .. أقيمت سهرات .. ودارت سجالات ونقاشات .. جعلتني أغير مجرى حياتي .. وأعيد جدولة أولوياتي عدة مرات .. وفى عدة مناحي وعلى كافة الأصعدة .. من الحب وحتى الحرب .. ومن إختيار لون قميصي .. وحتى إختيار شكل موتتي .

ومن تلك الغرفة ـ وليس من أي غرفة أخرى فى بيتنا ـ غادرت الوطن منذ عشرين عاما .. وكم أحزنني أنها قد هدمت من بعدي .. وإستبدلت نافذتها التى كنت أرقب منها الشارع بباب حديدي .. وأن ثمة " حلاق " يقوم الأن بهندسة رؤوس الناس بطريقة غير تلك التى عهدناها .. وثمة زبائن يثرثرون ربما بمواضيع وقصص تافهة لا تمت بصلة لتلك التى دارت في ذات المكان ذات يوم .. وثمة مذياع ربما سمح له بأن يصدح " بمواويل " نشاز لا أحبها .. وقيل لي بأن جدرانها متخمة بصور توحي بالسعادة .. رغم أنها كانت شاهدة على ما أحال دنيا صاحبها الى ليل حالك .. سمعت كل ذلك .. فخيمت على سماء تفكيري سحابة حزن .. ثم ما لبثت أن إنقشعت بعد أن تذكرت أن الأيام دول .. فتقبلت الأمر بصمت .. كما تقبلته هي دون ضجيج .

صديقي العزيز : لم تعد تلك الغرفة الصغيرة سوى مساحة محدودة فى ذاكرة منهكة .. وقلب تقدّه الغربة .. وكما ترى فقد ضاعت كل مقتنياتها .. بما فيها إسم صاحب تلك الغرفة .. فلم يعد هناك من يناديني بـ " يوسف " مذ غادرتها وتركت فيها أملاً يبدو أنه قد قضى تحت الأنقاض هو الأخر ! .

أما بالنسبة لأحلامي فقد تركتها هناك بعد أن عجزت عن حملها .. وعشت بإحلام مستعارة .. وإسم مستعار .. ودنيا مستعارة .. كنت أظنها شيئاً مؤقتاً .. شيء يشبه سحابة الصيف .. أو " العريّة " المسترجعة .. ولكن يبدو لي ـ يا صديقي ـ أنها المحطة الأخيرة .. فلم يعد ينقصني سوى " قبر" كي أطوي صفحة حياة مواطن ليبي قدر له أن يتوافق ربيع عمره مع حقبة " الثمانينات " .

على أي حال .. أتمنى أن تكون أنت قد حققت أحلامك أو بعضها .. وأرجو أن لا تبخل علينا الدنيا بساعة نستعيد فيها الذكريات .. ونستذكر فيها أحلاماً ما كان لها أن تكون بتلك القسوة لو كانوا يعقلون !! .. وإن جحدت ولم تفعل .. وأظنها لن تفعل .. فما علينا إلا أن نقنع بالواقع الإفتراضي ( الشبكة العنكبوتية ) لنبث عبره ما يجعل النفس تقر وتهداء .. فلسنا نهاية العالم .. وستستمر الدنيا بعدنا .. وسنقرأ عمّن يعتبرها اليوم أجمل من أي وقت مضى .. لأنه يعيش اليوم .. وقدّر لنا أن نكون الماضي .

دمت صديقا من الزمن الجميل .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com/


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home