Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Thursday, 24 August, 2006

ولا يـزال البحث جارياً

محاولة للتعـليق عـلى خطاب السيد سيف الإسلام القذافي

عـيسى عـبدالقيوم

إستمعت يوم 20 أغسطس 2005م .. أي منذ عام بالتمام والكمال .. للخطاب الذي ألقاه السيد سيف الإسلام .. عبر الفضائية الليبية .. وحمّل خطابه يومها ملامح المشروع السياسي .. وكليبي طال بحثه عن التفائل .. والأمل.. والمستقبل .. كتبت يومها متسائلا : هل ما يحدث إنقلاب فى القصر .. أم ثورة فى ثورة ؟!(1) .. وأفصحت عن قلقي حيال المسافة الكبيرة بين نوعية المطالب التى وردت فى الخطاب وشكل الأليات .. وإنتهى يومها السقف الزمني للخطاب بنتائج مخيبة للآمال .. ولكنها كانت متوقعة .. نظرا لوجود الثغرة سالفة الذكر .

واليوم إستمعت بإهتمام الى الخطاب المكرر من حيث التاريخ (20 أغسطس 2006م ) .. ولكنه بالتأكيد لن يكون مكرراً من حيث الزمن والمستجدات.. ولا من حيث المعطيات المحلية والدولية .. أو هكذا يتمنى غالبية شباب ليبيا ممن طحنتهم البطالة .. على أي حال .. بالرغم من أن الخطاب قد حمل الكثير من النقاط الجديرة بالتحليل .. والكثير من التعابير الجريئة التى تحتاج الى تفكيك .. إلا أنني سأقف عند نقطتين منه .. وقبل أن أدلف الى نقاطي المختارة أود أن أؤكد ـ ودائما كمواطن لا ينوي التنازل عن موقفه الشخصي حيال ما يحدث فى بلده ـ على أنني لا أرفض فكرة المليون حاسوب المربوطة بالأقمار الصناعية .. ولا فكرة العشرين مستشفى المتوأمة مع مستشفيات أجنبية .. ولن أرفض فكرة رفع مرتبات الحد الأدنى .. أو فكرة مُنح الباحثين عن العمل .. وسأصفق لفكرة الرقابة الصارمة على إستيراد الأدوية والأغذية من الخارج .. وأنا مع فكرة وضع معايير حضارية لرجل الأمن .. ولن أقف ضد فكرة خصخصة القطاع العام وطرح المليون شركة .. وأبتهج لفكرة القروض المستهدفة لرقاد الأرياح .. ولا أرى أن فكرة مليون خط هاتف فكرة سيئة .. وأعتبر حل قضية المياه عبر سلسلة محطات التحلية أولوية تستحق البحث.. وأعتبر التوبيخ الذى طال " القطط السمان " حق مستحق ... و ... و .... و.

فكل تلك المطالب التى وردت فى الخطاب من " الدستور " الى " العلفة " .. تعتبر نواقص فى قائمة الإحتياجات الليبية.. ولا أشك لحظة فى أن توفيرها ـ ولو بصورة تدريجية ـ سيخفف ـ على نحو ما ـ من معاناة رجل الشارع البسيط الذى بات فى وضع لا يُحسد عليه .. ويبدو لي أنه كما كان التحدي فى الخطاب الأول مع عنصر الزمن .. فإن عنصر الزمن ـ الذى أرفق بالجداول التنفيذية الشارحة للمشروع ـ سيشكل تحدي هذا الخطاب وما ورد فيه من وعود أقر بأنها ذات سقف عالٍ جدا.

وأستطيع أن ألمح ـ من زاوية المراقب ـ كمية التوجس و الحذر(2) الذى قد يبديه البعض حيال ما جاء فى الخطاب .. وهو ما أعتبره شيئاً طبيعياً بالنظر الى حجم الوعود التى سمعها المواطن الليبي خلال السنوات الماضية .. بما فيها تلك التى لم يمضي على إطلاقها عام واحد .. فليس من المنطق أن يُطلب من الناس أن تعطي ثقتها كـ " شيك على بياض " لمجرد سماعها قائمة مطالبها الملحة وهي تسرد من على منبر أنبق .. وليس من السياسة فى شيء تقريع من يتردد فى التصفيق للحدث فقط لأنه بُث عبر قناة الجزيرة .. فالمنطق السياسي يحتـّم أن تعمل الجهات التى تقف وراء المشروع على جعله واقعاً ملموساً يمس رجل الشارع البسيط .. ويؤثر على حياته اليومية.. هذا إذا أرادت أن تنمي عنصر الثقة من أجل معالجة ما بقي من ملفات عالقة .. بمعنى أن الذي عليه أن يصبر ويحاول النجاح فى كسب الآخر .. ليس هو المتضرر الذي فقد الثقة فى الدولة ورجالها ووعودها .. بل أولئك الذين يرغبون فعلاً فى إحداث التحول .. ويقرون بأن هناك أخطاء حقيقية أدت الى فقدان عنصر الثقة .

عموما .. أعود الى النقاط التى أود أن أقف عندها .. والتى وردت الإشارة إليها مرتين فى الخطاب ( فى بدايته وفى نهايته ) .. وهي حرية الصحافة .. وقصة الدستور .. وهذا كما سبق وقررت لا يلغي قيمة وحساسية غيرها من نقاط الخطاب .. فقط ربما تشكل هذه النقاط العمق الحقيقي .. أو حائط الدفاع الأول عن حقوق المواطن .. وربما سيسرع البث فيها .. أو طرحها للحوار الشفاف.. من وتيرة التغيير المُبشر به .. والذى بات يجسد الضوء الذى فى نهاية النفق بالنسبة للمواطن العادي .

بالنسبة للنقطة الأولى : فللمرة التى نسيت رقمها .. يصرح السيد سيف الإسلام بعدم وجود صحافة حرة .. وأن الموجود عبارة عن نسخة مكرر لشيء رديء جداً .. وبكل تأكيد فهكذا وصف يتفق مع ما يقوله المثقفون والإعلاميون الليبيون " غير المؤدلجين طبعاً" .. فى داخل الوطن وخارجه .. فالكل يشكو من غياب الصحافة وقمعها .. وتلوينها بلون واحد .. وجعل حرية النشر بمثابة منحة أو جائزة أو دعاية تعطى على شكل فرصة للكتابة هنا أو للتوقيع هناك .. ويقيناً فالجميع سيتفق مع التوصيف الدقيق لمشكل الصحافة والإعلام الذى ورد فى الخطاب بوصفه أحد مشاكل الوطن المتفاقمة .. وأن معالجته تشكل أحد أعمدة العبور الى المستقبل .

وبالنسبة للنقطة الثانية : فللمرة الثالثة تقريباً .. أستمع الى عبارة أن غياب دستور ينظم الحياة السياسية .. ويرسم شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم .. وبين المواطن والدولة .. ويحدد حجم التقاطع بين الدولة والنظام .. يعتبر أبرز إشكاليات وعوائق العبور الى المستقبل .. واللحاق بمصاف الدول الحديثة .. وأيضاً هنا لن يختلف الناس على محورية وحساسية فكرة وجود دستور للدولة .. وأن الهروب من إستحقاقات وجوده ستكلف الدولة خسائر باهضة ليس على صعيد فقدان المال والبنى التحتية .. بل على صعيد فقدان رأس مال الدولة ذاته .. وهو المواطن العزيز المفعم بالوطنية .

إذن فالإتفاق حول التشخيص أصبح حقيقة وهذه خطوة نأمل أن تضاف الى خانة المتفقات .. وإمكانية الإتفاق على ضرورة العمل على إنجاز ما هو ضروري حيالها أمر وارد ( فى دنيا السياسة) .. ولكن السؤال الذى أردته من وراء طرح النقطتين هو : ما هي الأليات التى تنقلنا من ركود حالة الوصف الى ديناميكية حالة الممارسة ؟!..وقبل ذلك ما هي الأرضية التى ينبغي أن تنبثق عنها تلك الأليات ؟!.

فلا يمكن بحال أن نتصور أن التوصيف الذى سمعناه للحالة الليبية سواء السياسية أو الإعلامية .. والنعوت التى وصفت بها فى الخطاب.. سيعالج بواسطة المنظومة القديمة .. (مؤتمرات شعبية لا تحضى بالقبول + قانون شفوي للصحافة ) .. فالمطلوب إذن الحديث قليلا عن الأليات التى يمكن أن تجعل المواطن الليبي يثق فى أن الكلام الذى يسمعه ليس للإستهلاك المحلي .. أو لكسب عام من الهدوء .. أو لتصفية حسابات تكتيكية بواسطة الخطاب الإستراتيجي !! .. ولا أريد أن أذكـّر بأن ثمن الإلتفاف على الوعود لن يكون كتابة بالحبر .. بل المرجح أنه سيكون كتابة بالنار على غرار ما حدث فى 17 فبراير الماضي ببنغازي .. وكلنا شاهد أثار الكتابة بالنار !! .. فالمطلوب هو التصريح بالأليات التى من المفترض أنها ستنجز ما سبق التبشير به .. خاصة وأن بعض المشاريع قيل أنها ستطبق " غدا " .. وأخرى قيل " خلال شهر " .. وثالثة قيل " قبل نهاية العام " .. وهي تواريخ ضيقة جدا .. ولعل المطلوب رقم واحد فى هذا السياق ـ والذى قد يقبل كمدخل ـ هو إطلاق صافرة البداية لمشوار الحديث عن الأليات من طرف أصحاب المشروع فى الداخل .. والإستماع الى وجهات نظر المخالفين ( فى الداخل والخارج ) حول ماهية الأليات التى يرونها الأقرب لإنجاح رحلة الخروج من عنق الزجاجة .

أما عن الشق الثاني من السؤال .. والمتعلق بالأرضية التى ينبغي أن تنبثق عنها تلك الأليات .. فما أعتقده بصورة شخصية أن الإنفراد بالحلول لم يعد من سمات العصر .. وأمسى يضاف عند العقلاء الى المشكل وليس الى الحل .. بمعنى أن تقوم جهة ما بالإجتماع خلف أبواب مغلقة ثم تخرج على الناس لتقول لهم ها قد أنجزت لكم الحل ! .. أتصور أن ذلك لم يعد مناسباً لما وصلت اليه البشرية من قناعات .. حتى ولو كانت تلك الحلول مقبولة وعملية .. فالمطلوب هو تفعيل مبدأ الشراكة فى الوطن .. فعندما يكون الحل منطلقاً من توصيات قادمة من مساحات وأطر ومستويات مختلفة فسينظر إليه على أنه حل الإجماع الوطني .. وبالتالي سيجد ألف من يدافع عنه .. ويسعى لإنجاحه .. لأنه إما أن يعتبر نفسه جزءً منه .. أو أن يعتبره ممثلا له من جهة كونه يمثل الإجماع الوطني .. فتكرار ظاهرة أن مصدر الحل .. أو الإنفراج واحد .. شيء كنا نأمل أن يكون من الماضي.. فشعار بوزن " معاً من أجل ليبيا الغد ".. يحتاج الى ترسيخ فكرة " الشراكة فى الوطن ".. لكون الشراكة كما يفهمها ويطبقها العالم من حولنا الضمان الوحيد للاستقرار .. ليس لعام .. بل للمئة عام المستهدفة كما ورد فى الخطاب .. وكذا فشعار الإنتقال من الثورة الى الدولة .. أو من الفوضى الى الإستقرار .. وغيرها من الشعارات التى قيلت ليلتها .. كلها تحتاج الى جعل فلسفة الشراكة فى الوطن مناخاً يتنسمه المواطن .. ليسعد به الوطن .. ومن هنا الى هناك سنفترض أن البحث لا يزال جارياً من أجل الوصول الى الصيغة النموذجية للولوج الى عمق الأزمة .

هكذا جاءت وجهة نظري .. وأعلم أن هناك الكثير من الجهود الوطنية التى تبذل داخل الوطن من أجل إصلاح وترميم ما يمكن ترميمه وفق معطيات وسقف المرحلة.. وأن هناك أناس يقدمون نصائح ودراسات .. ويجوبون العالم من أجل ليبيا أكثر إنفتاحاً وإشراقاً .. فأرجو أن يعتبر أولئك الأصدقاء ما يقرؤونه وجهة نظر ليبي متابع للشأن العام .. يعترف بجهدهم .. ويقبل إجتهادهم .. غير أنه يصر على أن الأسئلة الصعبة جزء من العمل الصحيح .. والهتاف والطبطبة إنتهازية مقرفة .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________

(1) مقالة السنة الماضية (20 اغسطس 2005) تعليقا على خطاب السيد سيف الاسلام تجده تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea23085a.htm
(2) ـ أعتقد أن الأرقام التى اعطيت ـ خاصة المليونية منها ـ أسهمت فى زيادة كمية التوجس والحذر .. وكلمات الحذر وردت فى عدة تعليقات .. فجدتها على سبيل المثال ضمن تقرير موقع جليانه الذى رصد ردة فعل الشارع الليبي .. فإستخدمت ألفاظ مثل " تفاؤلهم الحذر " .. و " شاب هذا التفاؤل طيف من التوجس والترقب " .
التقرير بطوله تجده تحت هذا الرابط : http://www.jolyana.com/View.Asp?Show=452


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home