Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الخميس 24 يونيو 2010

إضاءات المشهد السياسي الليبي

عـيسى عـبدالقيوم

منذ مدة طويلة بدت لي مقابلات الإعلامي السعودي " تركي الدخيل " عبر برنامجه " إضاءات " أكثر جذباً ونضجاً ـ وربما وعياً ـ من حوارات " صراع الديكة " على بعض القنوات الأخرى .. ولعل من أبرز ما لفت إنتباهي هو إحتفاظ " الدخيل " بالمسافة مناسبة بين كونه " مقدم برنامج " .. وكونه مثقف منغمس فى الشأن العام العربي .. فلا يقحم ذاته .. ولا يستعرض مهاراته .. ولا يُستفز بسهولة .. ويبتغي بين ذلك سبيلاً .. فتراه يقود المحاورة بنسق واحد مريح .. من البداية وحتى النهاية .. على قاعدة أنه السائل فقط .. وأن الضيف هو من يفترض أن يُجيب .

عموماً .. جاءت الحلقة التى يبدو أنها من نصيب ليبيا على خارطة برامج قناة " العربية ".. وحطت القرعة على الأستاذ محمود شمام بوصفه " اعلامي ليبي " .. رغم أن " الدخيل " لم يفوّت فرصة تذكيرنا بأنهم " أنساب " الأستاذ محمود .

وكعادته فقد برع " شمام " فى تنظيم أفكار المرحلة .. وتقديمها بشكل سلس .. وبطريقة منحتنا إحساساً بالراحة كوننا من بلد المنشأ (= ليبيا ).. فالأستاذ محمود من القلة التى جمعت بين عدة مهارات ( سياسية وإعلامية ) دون إخلال بشروط إتقان إحدها .. وله قدرة كبيرة على خلق توازن حتى بين ما قد نعتقد أنها متناقضات .. هذا غير إكتسابه لخفة الظل .. والكاريزما المطلوبة لمواجهة الجمهور .

على أي حال .. لا أريد أن أخوض فى تفاصيل ما طـُرح .. فقد بدا لي بعضه غير واضح ويحتاج الى حواشي .. وبعضه أرفع له القبعة مرتين وربما ثلاثة .. وبعضه ـ وليعذرني أستاذنا ـ جاء خارج النسق .. ولعل ما جعلني أبتعد عن فكرة تحليل المقابلة هو إحساسي بأنها لم تستهدف الحالة الليبية هذه المرة .. بل كانت فى حالة تناغم تارة وتخاصم تارة أخرى .. مع الحالة العربية بمفهومها الواسع .. وفى وضعية تدافع مع الماضي المتقهقر أمام الحاضر .. وأعنى معركة كسر العظم بين اليسار والليبرالية .

ولكن ما شدني وجعلني أهرع الى مفكرتي وأسجل ملاحظة .. هو إطراء الأستاذ محمود على العائلة السعودية المالكة.. ووصف نخبتها الحاكمة بأنها تحمل مشروعاً للإصلاح .. بل والذهاب بعيداً .. ووصف الملك عبدالله بأنه إصلاحي .

والطريف أنه فى نفس اليوم الذي بثت فيه الحلقة .. أطل علينا الدكتور سلمان العودة العائد من ليبيا .. بكلام يكيل فيه الإطراء لليبيا .. ويصف مشهدها بأنها إنسجام ووئام بين الشعب والسلطة .. ويذهب كذلك بعيداً .. ويصف حالتنا الليبية بالنموذجية .

ولو سألنا الأستاذ شمام عن رأيه فى كلام الدكتور العودة .. سيصفه فى حال تمالك نفسه طبعاً .. بأنه غير دقيق .. وأن الرجل لا يعرف ما يجري على أرض الواقع .. وسيعدّد لنا قائمة النواقص الليبية .. ونحن قد نوافقه فى كثير مما سيقوله فى هذا السياق .. " فأهل ليبيا أدرى بسبخها " .

وفى المقابل .. لو سألنا الدكتور سلمان العودة عن كلام الأستاذ محمود شمام .. سيقول على طريقته فى ملاطفة كل شيء .. بما فيه الفكر .. بأن " الأخ " محمود يبالغ قليلاً.. وغفر الله له .. فحتى السعوديون لا يقولون مثل هذا الكلام .. بهذا الإطلاق !.

أكرر بأني لست بصدد تحليل ما جرى تلك الليلة .. حتى بالقياس لما يجرى فى ليالٍ سابقة .. كوني أستشعر ـ كما قلت ـ بأن الحلقة لم تستهدفنا بشكل مباشر .. ولكن أستوقفتني فكرة لطالما أرقتني وهي قبول النخبة الليبية بكل شعارات وممارسات المنطقة .. ورفضها أن يتم ذلك فى ليبيا أو بين الليبيين .

فوجدنا حديث ورسائل "ساخنة " الى أردوغان لموقف حدث فى عرض البحر .. وهو المعترِف رسمياً بالكيان الصهيوني .. والعضو فى حلف " الناتو " ! .. رغم أن الكثير من الساسة العرب ومن بينهم ليبيون يقولون ( طالما هو حكي ) أكثر وأخطر مما قاله أردوغان .. بالإضافة الى رفضهم إقامة علاقات مع اسرائيل .. ومع هذا فلا رضى عنهم .. ولا يحضون بما حضي به " الباشا " الجديد .

وكذلك قرأنا رسائل الى الرئيس عمر البشير .. وسمعنا عن تثمين لفكرة الحوار بين السودانيين .. وبين الفلسطينين .. ورسائل الى مثقفين عرب وأجانب لمجرد أنهم كتبوا مقالة " رأي " فى جريدة عابرة .

وأخيراً نسمع أن الأسرة الحاكمة فى السعودية تحمل مشروعاً إصلاحياً .. وأن السعودية يحكمها ملك إصلاحي .. وفى الحقيقة لا أريد أن أنجر للكلام عن ما يقال عن الإنتهاكات فى السعودية .. وهو ما تردده مؤسسات دولية .. ولا عن نقد النخبة السعودية ذاتها للقصور الذي تعاني منه .. والذي ورد بعضه كذلك على لسان أمراء من الأسرة الحاكمة ذاتها .. ولا عن حالات الفساد والفقر الذي أفردت له ذات القناة ( العربية ) عدة حلقات .. بل على العكس أريد أن أثمّن هذا الإتجاه فى التقييم والحكم على الصورة من منظور شامل .. كي أصل الى نتيجة اطالب بها كإستحقاق للحالة الليبية !.

وقبل أن أزف العتب .. سأضطر لأن أكرر بين يديكم وصفي المُفضل لقصة الإصلاح منعاً لاي لبس.. فلازلت أرى أن الإصلاح ( مشروع وليس شعار ) .. وأنه ( مسار وليس قرار ) .. فما لم يولد مشروع وطني تحت لافتة " الشراكة فى الوطن " .. وما لم يفتح المجال أمام مسار إصلاحي حقيقي يبدأ من مسطرة القوانين التى تهيأ الأرضية لتحمّل ثقل الحوار من أجل العبور .. فإن ما قيل وما سيقال لن يتجاوز مرحلة الشعار .. التى لازلنا نراوح عندها منذ سنين .. وهذا لن يمنعني القول بوجود تقدم هنا .. وإختراقات إيجابية هناك .. ولكن من حيث الوصف السياسي لا يمكن أن يطلق على الحرِاك الذى نراه على المسرح الليبي إسم " المشروع " لإفتقاده للكثير من مقوماته .

أعود الى العتب .. أو اللوم .. وهو لماذا ترفض الشخصيات الليبية أفكاراً تطرح من أجل المناقشة وليس التنفيذ حتى .. تتعلق بضرورة التحول نحو بناء تقاليد سياسية كتلك التى تقود المنطقة ؟! .. ففي السودان .. كما فى لبنان .. كما فى العراق ... حتى إيرلندا .. مرورا بمشاكل أندونسيا .. وصولاً الى جنوب افريقيا .. نجد الكل لا يقف عند الماضي ويحوّله الى حائط مبكى ( أو زنقة لاطمة ) .. ولو كان ثقيلا ومريراً .. فكل التجارب التى نتحدث عنها ونكيل لها المديح وصلت الى مراحل الدم .. ومع هذا هم يمارسون السياسة كما يعرفها العالم .. ويستجيبون للمعطيات الموضوعة على طاولة المرحلة بكل أريحية .. والعجيب أن بعضنا يتفهم ذلك ويقبله سياسياُ بشكل مذهل .

فلماذا يكون التأييد والمؤازرة والكلام الإيجابي فقط عندما تكون التجربة تخص غير الليبي .. وتستهدف شأناً عاماً لا يعنينا .. وإذا ما إقتربنا من الوضع الليبي نسمع عجباً العجاب .. وشروطاً ومواصفات لا تمت للسياسية بصلة .. وتتناقض بل يتصادم بشدة مع ما يقال فى غيرها ؟!.

سادتي الكرام .. إن ما نقوله نحن .. أو ما نصف به حِراك الأخرين .. يقوله الأخرون ويصفون به حراكنا .. وكما نرى حالتهم طبيعية وربما تحل بالحوار .. أو بتطوير مشروع إصلاح الدولة .. فهم قد يرون حالتنا لا تتطلب أكثر من ذلك .. إذن فالعيب قد يكمن ـ فى تقديري ـ فى منحنا كافة تسهيلات .. ومساحات .. ومرونة العمل والمنطق السياسي لتجارب الغير وتحريم ذلك على تجربتنا .. العيب قد يكمن فى كوننا ننغلق تحت مسميات غير قابلة للقسمة على إثنين .. ثم ننساها بمجرد حديثنا عن تجارب خارج الحدود .. العيب قد يكمن فى فهم القيمة أيها السادة .. فالقيمة هي القيمة .. والإنسان هو الإنسان .. والنضال هو النضال .. والتطلعات هي التطلعات .. فلا تغالطوا أنفسكم .

ـ فطالما أن الإنتهاكات التى تحدث فى السعودية مثلا .. لا تؤثر بشكل كلي على مفهوم الإصلاح .. ولا تعود عليه الإبطال الجذري .. فلا مناص من قبول ذلك فى تجربتنا .

ـ وطالما أن الصدام وسيلان الدم فى تجارب السودان وجنوب افريقيا ولبنان .. لا يؤثر فى فتح مجالات الحوار .. كألية لحل الأزمة وليس تبريرها .. فلا مناص من قبول ذلك فى تجربتنا .

ـ وطالما الجلوس مع الخصوم من أجل إيجاد مخارج للأزمات .. لا يتأثر بقائمة متطلبات الديمقراطية الكاملة .. كما فى ايران وتركيا وغيرها .. فلا مناص من قبول ذلك فى تجربتنا .

وما عدا ذلك لن يفهم إلا على أنه مكايلة مزدوجة .. وربما يفسر الكلام على أنه للتسويق الإقليمي هنا.. وللتسويق المحلي هناك .. وهي خصلة لطالما مقتناها فى الأنظمة الرسمية ! .

وكي لا أذهب فى الحلم بعيداً .. فأنا أعلم أن الدولة الليبية مشاركة هي الأخرى فى تعقيد الأزمة .. وأنها قد لا تقبل بما أقول (1) .. وهنا أود التذكير ـ والتدكين ـ على أنني أتحدث عن هذه الأمور ( الحوار / الشراكة / والمرونة / التسامح) بوصفها قيم مؤسسة للعمل السياسي الإستراتيجي الصحيح.. وأن رفضها من حيث المبدأ .. أو محاولة التلاعب بها من أجل كسب بعض النقاط التكتيكية ..هو أم الخطايا .

فما يقرره المنطق القيمي فى هذا السياق ..هو أن نؤمن بسلة القيم تلك أولاً .. ثم نمارسها وننادي بها ونقبل بإستحقاقاتها .. وحتى لو رفض غيرنا تلك القيم .. أو كفر بها .. فليس من الصحي أو الصحيح مجاراته فى الرفض كعقاب له .. لان مجاراة الغير فى الرفض تعني هنا ببساطة أن الكل = صفر !! .

على أي حال هي خاطرة عابرة .. دفعتني إليها التناقضات المتزايدة فى أليات ووسائل وخطاب العمل السياسي الليبي فى المهجر (2) .. ومستهَدفي منها ـ كان ولازال ـ الدفع بهذا العمل الى إنتاج تقاليد راسخة من اجل العبور الى المستقبل .. فالسياسي الذي يناضل من أجل مصالح وطنه .. وفق مسار ومشروع منطلق من إيمان عميق .. ومنسجم فيه مع ذاته .. سيسجل له التاريخ وقفته ولو لم يشارك فى السلطة أو يستهدفها .. أما السياسي الذي يتخبط فى مساره ومشروعه فلن يصل الى السلطة .. ولن ينال مكانة المنضال الحقيقي .. كونه سيخسر بعد معركة الوصول الى السلطة .. معركة ترسيخ القيم والتقاليد الباقية .. وهنا أحد مرابط الفرس الضائعة .

عموما .. لولا خشية الإطالة .. كان بودي أن أضيف نقطة التحول الذي لحق باليسار .. وبالتيار الإسلامي .. وحتى التيار الثوري .. فى ليبيا .. كون العامل المشترك بين إخفاقهم جميعاً هو غياب " المشروع " والإتكاء على المنطق الإيديولوجي .. وكنت أود أيضاً أن أطرح خيار " التلييّب " الوطني كمخرج .. وكذلك لكونه يشكل عاملاً مشتركاً بين الجميع .. فقد ثبت فشل ( الكل ) فلا داعي لإعادة إنتاج فكرة الإستيراد .. ولو كانت " ليبرالية حرة " .. لأن الحُرّة فى العُرف الليبي " أول ما تزرّب ، تزرّب بيتها " .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
_________________________

1ـ الغريب أن هذا لا ينطبق على المعارضة فقط .. بل الطريف أن السلطة فى ليبيا تجامل الأجنبي على حساب إبن البلد .. الى حد مصادمة عقيدتها السياسية .. فتعترف بوجود الأحزاب فى بلدان الجوار وتجتمع معهم وترفض ذلك لليبي !! .. تقدم مشاريع لحل ازمات المنطقة قائمة على الشراكة والحوار وترفض ذلك لحل مشاكلنا .. ولله فى خلقنا شئون .
2ـ لو أردت تفسير أسباب ظاهرة التناقض بين قبول بعض الأمور فى تجارب الغير ورفضها فى حالتنا الليبية .. لربما قلت أن المشكلة الأولى تكمن فى مفهوم " المعارضة " المطروح فى الساحة .. كونه قائم على منطق الثأر .. لا على منطق الحسابات السياسية .. ويضا لاضفت سيئة " عد الرؤوس " وما تتطلبه من مجاراة لشعارات وإكليشهات عتيقة .. على طريقة ما يطلبه المستمعون .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home