Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 24 February, 2006

القراءة الخاطئة

عـيسى عـبدالقيوم

"إن الأمريكان يرتكبون كل الأخطاء الممكنة قبل أن يقوموا بالعمل الصحيح."   تشرشل

" يبدو لي أن الأنظمة الثورية سترتكب كل الأخطاء الممكنة .. قبل أن تقوم بالعمل الصحيح " فمن المرجح أن يكون للتيار الثوري / الأمني فى ليبيا قراءته الخاطئة للحدث .. كعادته التى تشير إليها سوابقه التاريخية فى التعاطي مع تأزمات الشارع الليبي .. فالسيناريو الأقرب تصوره لردة فعله هو أن قادته سيهرعون الى هرم السلطة .. وسيظهرون الأمر كما لو أنه نتيجة لدعوات الإنفتاح .. أو التسامح مع الأصوات المخالفة .. وأن الحل يكمن فى التعاطي بحزم .. وإستخدام القوى للقضاء على ما يعتبرونه تهديداً للحكم .. وللنظرية .. و .. و .. الخ .. ولا ينفض الجمع إلا والأمر المستديم رقم (1) قد وقِـّع ( وهو حماية الثورة بواسطة العنف الثوري ) .. والمحصلة .. مزيد من الدماء .. ومزيد من السجون .. ومزيد من الإحتقان .. فى تكرار ممل للقراءة الخاطئة .. التى من ثمارها ما وصل اليه الشارع الليبي اليوم .

إن ما يحدث فى ليبيا ليس حدثاً عابراً..ولا هو نتاج إحتكاك بين أجهزة الأمن وشبان أرادوا إقتحام القنصلية الإيطالية .. إن الأمر أكبر من ذلك وأعمق .. وما نراه من محاولات إخراج القضية كما لو أنها أحداث شغب عابرة .. أو أنها غضبة موجّهة الى تصرفات حكومات غربية .. هي محاولات تحمل بين طياتها ملامح السطحية فى التبرير .. والسذاجة فى الإخراج .. ولعل فى رد الحكومة الإيطالية ـ الحازم ـ تجاه محاولة تحميلها المسئولية " المباشرة " لما جرى يوم الجمعة الدامية ( وهي البعيدة جغرافياً ) كافٍ لجعلنا نصّر ( نحن الأقرب ) على أن القضية أبعد من صياغات محرر الشئون السياسية لوكالة الجماهيرية للأنباء .. أعمق من تبريرات هدى بن عامر التى كادت ـ أو هي بالفعل ـ سوّغت عبرها إطلاق النار على صبية عُزّل لإعتبارات محرمة شرعياً .. مرفوضة قانونياً .. ومستهجنة أخلاقياً .

من هنا .. فالقراءة الخاطئة التى أصبحنا نستشعر مقدماتها بحكم التجربة ـ وليس شيء أخر ـ هي التى ستجر البلاد الى فوهة البركان .. ولتلمس مسوغات هكذا مقدمة .. من المفيد أن نعود قليلا الى أحداث منتصف التسعينات وكيف فسرت تفسيرات خاطئة .. وكيف نتج عن التفسير الأمني / الثوري ما عرف بـ وثيقة الشرف ( العقوبات الجماعية).. وبالنظر الى المحصلة .. بعد مرور كل تلك السنين .. نستطيع أن نجزم بأن تلك القراءات الخاطئة زادت من عمق وخطورة الوضع الذى تعيشه البلاد .. ولم تسهم ـ بأي حال ـ فى حلحلة أزمتها .

فقرار معاقبة مدن وقبائل بعقوبات جماعية مُهينة.. عادة ما يتخذ على مستويات عُليا.. وبكل تأكيد كانت الطاولة ـ التى شهدت توقيع تلك القرارات ـ تحمل تقارير وتحليلات خاطئة وسطحية عن المشكلة والحل .. ولا أدري أين كان العقل والمنطق ـ اللذان يبحث عنهما النظام الأن ـ عندما وقعت " وثيقة الشرف " .. فأن تقوم إسرائيل بحصار المدن الفلسطينية .. وتفعيل سياسة العقوبة الجماعية .. فتلك أمور نستطيع معرفة دوافعها .. لكونها فى نهاية الأمر صادرة عن قوة إحتلال .. أما أن يقوم نظام حكم يدعي أنه " نظام وطني " بتوقيع وثيقة مخزية .. تقنن وتشرع لمعاقبة مواطنيه وحصارهم داخل مدنهم .. فتلك لعمري نقطة سوداء .. وعار لا يمكن لعاقل أن يستسيغه .. وإهانة لا يمكن الإستمرار فى قبولها .

وحتى لا أتهم بالمبالغة فسأنقل عن الدكتورة آمال سليمان محمود .. فقرات من مقالها فى مجلة عراجين .. يتعلق بصلب الموضوع .. حيث قالت بالنص [ .. فى عام 1995م أدخل النظام الثوري ما أسماه " وثيقة الشرف " .. التى ركزت على فكرة المسئولية الجماعية والعقوبات الجماعية فى حال قيام أعضاء من القبائل " بخيانة البلاد والنظام الثوري " ..] .. ثم أكدت بصورة جريئة على أن النظام الليبي قد مارس العقوبات الجماعية على مواطنيه بالفعل .. وليس كما يحاول البعض اعتبار وثيقة الشرف مجرد " وثيقة ردعية " ـ إن جاز التعبير ـ حيث قالت [.. وبرزت مثل هذه الحالات بالنسبة لقبيلة ورفلة ، وفيما يتعلق بالحماية التى منحتها بعض القبائل لبعض النشطين الاسلاميين فى شرق ليبيا .. ] (*) .

إذن فالقراءة الخاطئة والسطحية لأحداث منتصف التسعينيات .. أنتجت قوانين خاطئة .. شكلت الغطاء لممارسة " العقوبة الجماعية " على بعض مدن وقبائل ليبيا .

فما نراه اليوم ليس نتاج ثقافة الإنفتاح .. أو التسامح مع الأصوات المخالفة.. كما سيروج التيار الثوري المسيطر على مقاليد السلطة .. بل هو نتاج الهَوس بالحلول الأمنية .. واللامبالاة بمطالب الشارع .. هو نتاج إنتهاك القيم .. والفشل فى توزيع الثروة .. مما إنعكس فى صورة إختلال فى ميزان الأمن الإجتماعي .. هو نتاج التجاوز على إستحقاقات المرحلة فى مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان .. هو نتاج الشعور بالإحتقار من طرف السلطة لمواطنيها .. هو نتاج الثراء الفاحش للطبقة التى قتلت و دمّرت بإسم الإشتراكية .. هو نتاج الوعود الكاذبة .. هو نتاج أحزمة الفقر التى تطوق المدن .. هو نتاج الحل القصري والمُذل لقضية أطفال الأيدز.. هو نتاج تفشي البطالة والعنوسة .. والتسرب المبكر من الدراسة.. وإرتفاع معدلات الجريمة .. هو نتاج قانون 15 وما خلفه من فقر .. وقانون حماية الثورة وما خلفه من رعب .. وقانون الشرعية الثورية وما خلفه من تهميش .. وقانون الشرف وما خلفه من إهانة .. هو نتاج تراكم كل تلك المشاكل وذيولها لقرابة الثلاثة عقود .. فى ظل الإصرار على ترديد كذبة كبرى إسمها " المجتمع الجماهيري السعيد " !! .

لانه لايمكن بحال أن ينتج التسامح والإنفتاح .. غير النهضة .. عندما يكون تسامحاً حقيقياً .. قائماً على الحقيقة والعدالة والمساواة .. ومنطلقاً من تفهم حالة الوطن والمواطن .. وهو غير التسامح المخادع الذى يستهدف إستهلاك الوقت .. فلقد تسامحت جنوب أفريقيا مع نفسها .. ولم ترى بأساً فى أن توصلها أليات التسامح الى نقطة تغيير نمط وشكل نظام الحكم فيها .. بطريقة توافقية .. فماذا جنت من تسامحها غير الإستقرار الداخلي .. والإحترام الخارجي .

فها هو الشارع الليبي الذى مل من الهمس .. وتعب من الكتابة على الجدران .. وسئم من الوقوف أمام الأبواب المغلقة .. ها هو يكتب بالنار.. وهي كتابة مكلفة للجميع .. ولكنها متوقعة .. فى ظل مقدمات أقلها إنسداد المسار السياسي لصالح هيمنة القبيلة .. وخصخصة المسار الإقتصادي لجهة بضع أفراد وعائلات .. وإضطراب المسار الإجتماعي فى ظل غياب أو تغييب دور الدولة .

أيها السادة : لا أحد يريد لبلاده الخراب أو الدمار .. ولا أحد من أولئك الفتية قصد أن يموت .. ولكن عندما تتساوى الأمور.. وتصبح الخيارات تدور بين السيء والأسوأ .. فلا تكثروا من اللوم على الضحية .. فيكفي أنه ضحية لمدة 36 سنة .. والمساواة بين الضحية والجلاد ظلم .. ظلم .. ظلم .. ولتذهب السياسة الى الجحيم .. إذا كانت تعني عمى الألوان .. وتؤدي الى المساواة بين الضحية وجلاده .

يخبرنا التاريخ أن الخيار الأقرب للسلطة هو الخيار المبني على منطق التبرير لا التفسير.. لكون التبرير لا يؤدي الى أي شكل من أشكال التنازل..ولا يتطلب تنفيذه سوى رتل من سيارات الجيب .. وألف زوج من الأحذية العسكرية .. وهو تفسير مكلف بالنظر لحسابات المستقبل .. ولكنه للأسف الأقرب الى ذهنية صانعي القرار فى بلاد " اتحب تفهم ادوخ " .. وما جعلني أميل الى أنهم سينحازون الى هكذا خيار .. هو الرسالة التى بثها التلفزيون الليبي لمناورات فى المنطقة الوسطى .. وظهر فيها ثلاثة من أبناء العقيد القذافي وهم يرتدون بزاتهم العسكرية !.. وهي رسالة تؤكد ما تقوله التجارب التاريخية من أن العقلية " العسكروثورية " تخطئ كل الأخطاء الممكنة قبل أن تفعل الصواب .. ورغم ذلك أرجو أن يكون تخميني فى غير محله .. وأن تسير الأمور فى طريق أخر غير الطريق الوعر .. وأن تتوقف عملية الهروب الى الأمام .. وتبدأ عملية التقييم الصحيح من أجل الحل .. وبكل تأكيد فإن بداية البحث عن الحلول ـ كما فهمها العالم من حولنا ـ لا تكمن فى مناقشة صلاحية هذا الشكل من أنظمة الحكم أو ذلك .. بل تكمن ـ بكل وضوح ـ فى البحث في شرعية و مشروعية هذا النظام أو ذاك .. فى كيفية الوصول ومن ثم البقاء فى سدة الحكم .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(*) أنظر مجلة عراجين.. العدد الرابع .. مقالة "القبيلة والقبلية" صفحة 29 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home