Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 10 December, 2006

بين الجبة والمخلاة مساحة للألم

عـيسى عـبدالقيوم

ما بين فندق صغير .. ومقهى أصغر يجاوره .. كنت أتابع من العاصمة الفرنسية باريس الساعات الأخيرة لقضية أطفال ليبيا المحقونين بفيروس الأيدز .. والذين يتواجدون فى ثلاثة بلدان أوربية هذه الأيام .. هي فرنسا وسويسرا وإيطاليا للعلاج على حساب الدولة الليبية .
العاشرة من صباح يوم (19- 12) إطلعت عبر موقع " جليانة " على قصة ضحية رقم (56) للجريمة النكراء .. وشاهدت صورة الوداع للطفلة مروة الحاسي .. عدت بعدها أدراجي وسجلت بعض ملاحظاتي .. وبعد الظهر جاءت الأخبار لتؤكد حكم الإعدام بحق البلغاريات والطبيب الفلسطيني ( العضو فى حركة اللجان الثورية ) .
بعدها كتبت مقالة طويلة صببت فيها ـ ومن خلالها ـ جام غضبي كل من جاء فى خط سير القضية .. من عدّل الفيروس جينياً .. ومن ساهم فى الإهمال.. ومن سيّس القضية عبر شعار عدم تسييسها .. ومن أرادها ورقة للعبة دولية .. ومن أرادها ورقة للعبة حزبية .. ومن .. ومن .. وبعد أن وضعت نقطة النهاية للمقالة خرجت فى جولة أخيرة ختمتها بإطلالة سريعة على مواقع الأنترنت .. ما دار فى تلك الجولة لا أرغب حالياً فى الحديث عنه .. حتى لا أنكث عهداً قطعته على نفسي ـ ولغيري ـ بأن ألتزم الحياد الإنساني فى هذه القصية المعقدة .. وأن أجعلها قدر المستطاع تدور فى فلك مصلحة الأطفال وذويهم بالدرجة الأولى .. مهما كانت درجة إختلافي مع ما يعتبرونه هم الموقف السليم .. فكل ما يرونه سبيلاً لتحقيق العدالة ومن ثمّ إعادة الطمأنينة الى نفوسهم سأقبله .. بل وسأدافع عنه .. وذلك ما جعلني أعود وأمزق مسودة مقالتي الثائرة .. وأكتب على ذات الطاولة وبذات القلم مسودة هذه القصة من وحي العمق الكبير للقضية .. والذى قد أعود اليه قريباً .. ففي إعتقادي ما نشاهده هو تسريع لوتيرة البداية الحقيقية من أجل الوصول الى نهاية جذرية لها .. فالحالة الليبية تئط تحت وطئة ملفات ثقيلة.. وما قضية الأيدز إلا أحد تمظهراتها الكثيرة .. وما أصل إليه دائماً عقب التنكيش فى ملفات أزمتنا هو " قصة الإنسان الليبي " الذى طال غيابه .. وطالت معاناته .. ولازلت ألمحه فى باريس ولندن كما أراه فى طرابلس وبنغازي يقدم خطوة ويؤخر أخرى .. ويمنح الفرصة تلو الأخرى لكل من يرغب فى إمتطاء ظهره .. قد أعذره وقد ألومه .. فقد أعذره على قلة الحيلة .. وقد ألومه على الإفراط فى إستنساخ هواجس الخوف .. ومن هذه الأحجية المكررة الى درجة الملل الذى يكاد عمره يضاهي عمري نسجت ما ستقرؤونه .

بين الجُبة والمخلاة

اليوم وأنا أمسح نافذة غرفتي بالفندق الصغير لأطل منها على شارع ينتظر إطلالة عام جديد .. اليوم وأنا أشاهد مدينة فاتنة تتبرج وتبدي زينتها للكون .. اليوم وأنا أشتم رائحة البهجة مختلطة بالعطور الباريسية .. كم أحزنني أن أكتشف بأنكِ لا ترغبين فى الإقتران بي .. وأنك تفضلينه تقليدياً من أعلى رأسه الى أخمص قدمه .. من طريقته فى الأكل وحتى طريقته فى فضّ بكرتك .. ولكن لا ضير فالحياة قد عودتني على قضم أمنياتي والعبث بأحلامي .. لذا فلم يكن سبب حزني هو عدم الفوز بركن فى جنبات قلبك المنيف .. بل أحزنني السطر الأخير فى رسالتك حيث تضمّنين أسباب رفضك لي عبارة "أنك لا تمتلك جبة كجبة الشيخ .. وليس لديك مخلاة صغيرة.. حتى كتلك التي يتقلدها صغار التجار".

لقد بدا لي عشقكِ لجبة الشيخ شيئاً مستعاراً تماماً كجبة الشيخ .. فأنت تتحدثين عن الجبة ولم تهتمي لما تحت الجبة.. وستدفعين ثمن هذا العشق المستعار لوعة فى قلبك المرهف .. آه يا صغيرتي كم أنا مشفق عليك من تلك اللوعة !!.
لقد كتب أحدهم ذات يوم أن مشروع الجبة مستعار فلم نصدقه .. حتى جاء يوم جرد الحساب .. فلم نجد لها أثر فى الأصول الثابتة .. وكل ما هنالك أن ِربيّ من أهل الكتاب لم يعجبه الكتاب .. فقام بحذف سطر وأضاف أخر .. فأنتج فكرة ديمومة الجبة ورفعها مكاناً علياً .. فالجبة التى أقبل أن ألف بها بدني لا أطيق أن تكون عارية .. أو مستأجرة .. لذلك فضلت أن ألتقيك وقد تسربلت ببدلة توصف بأنها عربية رغم أن كل سلك فى " لحمتها وسداها " صيني المنزع .. فقد جعلتني صنعة الصيني أبدو أكثر صدقاً مع نفسي من حالة التمترس خلف جبة الشيخ .. لقد كسبت نفسي وخسرت كثيراً من الناس الذين لا يرون غير الجبة .. فلم أحزن .. بل أصدقك القول لم أكترث لفقدهم فيبدو أن وجودهم كان من الأساس طارئاً .. ولكن أن ترفضين أنت الإقتران بي لأني رفضت أن أختفي فى جبة .. فذلك موطن من مواطن الحزن .. فلطالما إعتبرتك سلوتي .. ولطالما كتبت لك وفيك مطولات الشعر والنثر .. ولطالما شبهت الأشياء الجميلة بحضنك الدافئ .

أما المخلاة التى تفتقدينها حول عنقي فكان لي واحدة ذات يوم .. إشتريتها لكي أضع فيها ما كنت أظن أنه قطرات عَرقي .. فتحولت الى دلو يضع فيه الوالي حشيش بغله العنيّن .. فأصبح رأسي يثقل يوماً بعد يوم .. وبدأت فى تعلم طأطأة الرأس .. ولما خشيت من الركوع اللاإرادي .. تخليت عن المخلاة .. بالرغم من أن الناس ترى أن التاجر الشاطر هو من يتركها لتمتلئ .. ثم يحملها الى مخدعه ولو ساجداً على أربعة .. ولهم فى ذلك مؤلفات لم تطب نفسي لقراءتها .

نعم يحزنني أنكِ لا ترغبين فى الإقتران بي .. وبما أن زفافك الي جبة الشيخ أو شيخ الجبة .. أو الى مخلاة التاجر أو تاجر المخلاة .. فلا فرق بين الأوصاف الأربعة كما أفهم .. أو كما أحب أن أفهم .. بما أن وقت الزفاف قد أزف .. وكالعادة فلن يعتبر القوم ضمك الى خانة الجواري بعارٍ .. بقدر ما سيعتبرون حديثي معك وأنت على ذمة " الجبة " أو " المخلاة " عار .. فدعيني أقتنص فرصة وجودك حرة الى حين .. فهنا على ضفاف نهر " السين " لا يرون بأساً فى أن تـُستنصح ذات النطاقين كعهد ذات النطاقين .. دعيني أغتنم منحة القدر هذه لأحكي لك قصتي مع شيخ وتاجر مرا ذات يوم بحياتي المغموسة فى بحر من " المرّاره ".. حكاية ربما تكمن بين طياتها كلمة سر نفوري من الجبة والمخلاة .. وقلقي من المساحة المتنامية بينهما .. فبينهما ضاع فيما مضى فتية وبساتين .. ويبدو أنه سيضيع فى قادم الأيام أطفال كانوا كالعطر المبثوث .. فصاروا كالعهن المنفوش .. ويخيل إليّ أن السبب وراء تحولهم من أطفال الى عينات سريرية .. هو توأم السبب الذى جعلك لا تقبلين الإقتران بي .. ولكن أعود فأقول لا ضير.. فقد تعودت أن تلتهم الأيام السوداء ما يتسلل الى حياتي من نور .. وتعودت أن أطارد حظي حافي القدمين منفرداً .

كنت يا سيدتي الجميلة ذات زمن إنسان عادي جداً مثل فتية أهل الكهف .. أو فتية شارع عشرين .. كنا جميعاً نبتسم للحياة بسذاجة مريحة .. نفهم الحب على أنه قلب مثقوب بواسطة رمح حربي .. ونفهم الكره على أنه يقف عند حدود كلمة " خزيه عليك " .. كنا نعيش فى قرية عادية جداً مثل ثمود وعاد .. وسوكنة والفعكات.. نأكل من خشاش الأرض ونعتبر قمة الجود أن تضع فى صحن جارك قبل أن ترجعه إليه " باكو بشكوط " .. وقمة البخل أن ترسم حلقة حول سندوتشك وتردد " خوطه خوطه إللي يقربها أمه مخبوطه " .. كنا نقسّم أوقاتنا بشكل عادي جداً .. تماماً كما كان يفعل أصحاب الأخدود .. وأصحاب سيارات الأجرة .. فأول يومنا معاشاً .. وأخره لباساً .. كنا مثل عجائز سوق عكاظ .. وعجائز سوق الظلام .. نؤمن بأن الله يعرفنا وأننا نعرفه دون الحاجة الى " فاكس " .. وكنا نؤمن كذلك بأن " سيدي عبيد " للجميع .. واللي اديرها العميه تلقاها فى عكوزها .. فعرفنا طريق الخير قبل أن تصلنا جحافل جماعة التبليغ .. وقبل أن تبث قناة إقرأ .. وقبل أن نستقبل بيانات ممهورة بحيثيات وظيفية كنا نظن أنها إنتهت مع إنقطاع الوحي .

ما حدث يا سيدتي أنه ذات يوم إستبدت بي حالة من العطش .. لمحته من بعيد كخيال " المآته " إتجهت صوبه فوجدته جالساً متلفعاً فى جبته .. طلبت منه جرعة ماء .. لاحظ أنني أضع طابوراً من الأقلام فى جيب سترتي العلوي .. فإشترط عليّ أن أروي له قصة قصيرة .. لا أدرى لماذا تذكرت قصة العاهرة التى أطفأت ضمأ كلب دون أن تشترط عليه أن ينبح لها .. فأدخلها الله الجنة .. رويتها له .. فنالت رضاه .. يبدو أنه وجد فيها شيئاً ما يخصه .. لا أدري ما هو .. هل هو خاصية إدخال الناس الجنة ؟! .. أم وجود كلب ضمن شخوص القصة ؟!.. أم للموضوع صلة بذات العاهرة ؟!.. لست متأكداً من السبب المباشر .. ولكن المهم ـ يا سيدتي ـ أنه إبتسم وطبطب على ظهري وقال : هاك أروي عطشك .. وناولني قدح الماء ملفوفاً بطرف جبته .

إنتظري أيتها الحسناء المتلهفة على النهاية تلهف الفراشة لوميض النار.. فأنت دائما هكذا تعشقين من يمطرك بالأماني قصيرة الأجل التى تسبق نهاياتها بداياتها .. إنتظري فلم تنتهي الحكاية .. فقد تعاظمت وخلفت ذيولا كذيول " الهيلع " .. فحين حدّثت بها ـ صدفة ـ تاجر تزين عنقه مخلاة كبيرة .. أقسم بالله ـ على الفور ـ بأنه صاحب ذاك الماء .. وأن الفضل فى إرواء عطشي يعود اليه .. وقصد صاحب المخلاة صاحب الجبة .. ونشب بينهما شجار .. كلاهما يُقسم ويتوعد .. يرغي ويزبد .. فإنتهى بهما المطاف أمام قاضي القضاة .. وبدأت المرافعات .. ومن جلسة الى أخرى تطور الأمر من خلاف حول الفضل فى إرواء عطشي الطارئ .. الى إرجاع نمو " لحم كتوفي " الى جرعة الماء تلك .. وكلاهما ينسب الفضل اليه .. والعجيب أن كلاهما قدم للقاضي " مدونة " تحكي قصة حياتي منذ أن وطأت قدمي الفصل الدراسي " أولى / ثالث " .. وكلاهما رسم لي خط سير لا أتذكر بأنني قد إلتزمته بهذه الدقة .. ولم تقف المفاجآت عند هذا الحد فقد ظهر فى القضية شهود إثبات منهم جمعيات خيرية .. وخبراء تجميل .. ومعلقين رياضيين .. ومصممين مواقع ألكترونية .. وكلما زاد النقاش زاد العناد .. فالبون شاسع بين المدونتين .. حيث لم تتفقا حول سيرتي سوى فى مواطن قليلة جداً .. كإتفاقهما على أن يوم ختاني شهد قصة هروب ومطاردة .. قبل أن ينجح " الطهار " فى الضفر بقطعة لحم صغيرة من البقعة المطهرة من بدني الهزيل .. أو إتفاقهما على حبي " للبازين " .. وعشقي لحرق إطارات السيارات فى عيد الميلود .

كانت الدهشة تعقد لساني .. وكان كل منهما لا يجد حرجاً فى الإلتفات اليّ عند كل مفصل .. ليقول بشكل حازم : أتتذكر يا يوسف كذا وكذا .. أكيد أنك تتذكر .. فهذا أمر لا يُنتسى .. فنحن من بعثك من العدم .. ولا جميل فى هذا .. فهذه سنة الله .

إستمعت ـ سيدتي ـ ودائما صحبة ذات الدهشة التى تعقد لساني .. وبالرغم من أني لم أفهم أيقصد المتحدث أن الله قد أوكل اليه قضية بعثي .. أم يقصد أن الله قد حل فى جبته ؟! .. إلا أنني واصلت الإنصات .. فقد علمتني تجربتي القصيرة معهما أنهما يحبان المنصت .. ويتذمران من المثرثر .
إنتهت المرافعات بأن أقسم الشيخ " بجبته " أنه لمن الصادقين.
وأتبعه التاجر بالقسم " بمخلاته " أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .

وقف القاضي ـ ولسخرية الأقدار كان يرتدي شيئاً يشبه الجُبة ويضع حول عنقه شيئاً يشبه المخلاة ـ وأخرج صورتان رُسمتا بشكل رديء .. وألوان باهتة .. وملامح مبعثرة يمكن أن تفهم على أنها وجه أدمي .. وأيضا يمكن أن تفهم على أنها قطع غيار " لماكنية خياطه " .. ثم إلتفت نحوي وقال : هذه صورة قدمها صاحب الجبة .. وهذه صورة ثانية قدمها صاحب المخلاة .. وكلاهما يزعم بأنها لك قبل منحك جرعة الماء .. فأيهما صورتك ؟!.

فقلت : لا أدري ! .

ثم لوّح برزم المرافعات التى ألقيت أمامي .. والتى عرفت منها للمرة الأولى أن الإنسان فى بلادنا يدري أنه لا يدري .. فهو يدري أن نجاته في أن لا يدري .. فصار يدري أنه لا يدري بمزاجه .. وأن إبر القضاء والقدر فى بلادنا تشبه الى حد كبير إبر سبق الإصرار والترصد .. لوّح القاضي برزم المرافعات وهو يقول : هذه مدونة صاحب الجبة .. وهذه مدونة صاحب المخلاة .. كلاهما تزعم أنها تحكي قصتك قبل جرعة الماء .. فأيهما التى تخصك ؟!.

فقلت : لا أدري ! .

تداول القاضي مع مستشاره الأيمن لثوان .. ثم مع مستشاره الأيسر لثوان مماثلة قبل أن يرفع رأسه ويعلن حكمه قائلا : خلو سبيله فأيامه معدودة !! .

عـيسى عـبدالقيوم
باريس
19-12-2006م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home