Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Monday, 23 April, 2007

كلمات صديقة

عـيسى عـبدالقيوم

إذا قال لك شخص ما أنه قبل عشرين عاماً كانت لديه إهتمامات .. وقراءات .. وخيارات فقهية وسياسية معينة.. وقبل عشر سنين تغير الكثير من حزمة إهتماماته وقراءاته وخياراته تلك .. وأن لديه اليوم ثالثة أخرى مختلفة .. فأرجو أن تصدقه .. ولا تشك فى نواياه .. فالمنطق البشري السوي يؤيد كل ذلك .. بل ويجعله المعيار الصحيح لمراقبة مؤشر الحِراك البشري .. أما من قال لك " أنا من يوم ولدتني أمي على نفس الطريق والطريقة لم أتزحزح " .. وأخذ فى الصراخ والعويل فأعلم أنه يعاني من مشكلة ما !.

وشخصياً لا أخجل من عبارات بوزن التغيير والتطوير بل والتبديل..لأنها أبرز دلائل بشريتي .. وأكبر علامات بقائي على قيد الحياة .. رغم معرفتي بأن المزاج الليبي لا يستسيغ هكذا عبارات .. نتيجة لترسبات ثقافية ودينية يطول شرحها .. ولعلي ذكرت ذات مرة بأنني كنت قد وضعت خطوطأ تحت بعض العبارات فى كتب كنت قد قرأتها منذ زمن وعجزت اليوم عن تحديد الأهمية التى جعلتني أضع تلك الخطوط .. وربما ـ فقط ـ أستطيع أن أحدثكم عن المعطيات التى كانت وراء خياراتي وإختياراتي تلك .. وبزاوية أخرى عن المعطيات التى كانت وراء تركها والبحث عن غيرها .. فأنا أنطلق من نقطة أن لكل فكرة معطيات واقعية تساعد على بعثها .. وتعين على ممارستها .. وعندما تتلاشي قوة دفع تلك المعطيات .. أو يتبين عدم صوابها ( وهذا لا يحدث فى العادة إلا بفعل الزمن ) ينبغي عقلاً ومنطقاً البحث فى إمكانية تغيير الفكرة أو تطويرها أو تبديلها .. حفاظاً على جدية ما نصفه بالمشكلة التى نزعم أننا بصدد البحث عن حل لها .

وغالباً ما يفرز هكذا إرتباك فى هكذا علاقة طبيعية أعطاب كثيرة.. ليس أقلها الوقوع فى مهواة الدمج بين مستويات " الثابت والمتحول " وجعلهما فى مستو واحد .. مما يجعل الحديث عن الأفكار كمحاولة إستنبات البذور فى الهواء .. والأتعس من حكاية الخلط بين الثابت والمتحول .. تسفيه ذات فكرة التحول عن " الرأي " الذى يفارقه الواقع .. أو الذى ينتهي وعاءه الزمني .. لأنه مكلف جداً .. ومن أثاره ما نشاهده ونقرؤه من عجائب تموج بها الحالة الليبية هذه الأيام .

شنو خطـّر هالكلام ؟!!.

حقيقة ما دفع هذه الخواطر الى السطح بعض الأحداث التى شهدتها الأيام الماضية .. ففي داخل الوطن يستطيع أي متابع أن يرصد وجود أفكار ومقترحات تحاول أن تضغط على جراحها .. وتؤجل الحديث عن الماضي .. لتدخل مباشرة فى تفاصيل المستقبل .. منطلقة فى ذلك من إستجابة لنداءات التحول أو التطور .. الذى يُفترض أنه ظاهرة صحية .. وأنهم فى ليبيا فى أمسّ الحاجة اليه.. ولكن المشهد الكلي يشير الى وجود نوع من الإنتكاسة فى التعاطي مع متطلبات هكذا تحول .. ودائماً على خلفية الهواجس الأمنية .. والتحليلات المتكئة على تجليات نظرية المؤامرة .. وكالعادة جاءت السيئة من الجهات " الثورية " .. التى يبدو لي أنه حتى قصة " لكم دينكم ولي دين " لم تعد تروق لها .. فصارت تتحدث عن أمور إنتهى وعاءها الزمني بكل المقاييس .. وفارقت الواقع بشكل واضح وجلي .. ولا أدري كم من الوقت تحتاج هذه " الحركة " لكي تعترف بأنها باتت جزءاً من المشكل .. ولم تنجح فى أن تكون جزءاً من الحل .. فإذا كانت ظاهرة الإحتباس الحراري مسئولة عن ثقب الأوزون .. فإن ظاهرة العنت الثوري مسئولة عن الخروق التى تعاني منها الأمة الليبية خلال العشريات الماضية .

أما فى المهجر .. وما أدراك ما المهجر .. أين يغلف الإخفاق بألف عنوان .. فنجد الحديث عن التطوير .. أو عن التخفف من الأفكار التى فارقت الواقع ( عشرات المرات ) .. وإنتهى وعاءها الزمني ( ألف مرة ) تطرح وتزين بها واجهات المواقع وعناوين المقالات .. أما إذا فكر شاب إستهوته تلك الشعارات البراقه .. فى ممارستها فلك أن تتخيل كمية التهم والنعوت التى تنتظره .

ولن أدخل فى قصة الشرح والشرح المضاد .. لأنها باتت مملة .. وبزاوية ربما تعتبر مهينة للعقل .. خاصة عندما يراد لها أن تتحول الى مسلسل بايخ .. وسأقصر حديثي عن فكرة واحدة جوهرية أحصرها فى سؤال .. فالمنطق والعقل وكل شعارات المهجر تنادي بفتح باب الحريات .. ولا أتصور منصفاً يشاحح فى هذه المُسلمة .. والسؤال : ما هي حقوق من يختار خيارات تخالف هذا التوجه أو ذاك .. وما هو موقعه من الإعراب ديمقراطياً ؟!.

فمن يراقب ظاهر المشهد .. ويتنقل بين عناوينه البراقة سيلاحظ تناغمها مع مقتضيات ذلك السؤال.. الذى سبق لي طرحه ـ بشكل أخر ـ فى مقالة " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " .. ولكن من يغوض فى المشهد ويحاول أن يمارس إستحقاقات سؤال بهذا الحجم سيفاجأ بوجود منطق غير بعيد عن منطق اللجان الثورية .. التى تؤكد على أن وجودها لا يتعدى التحريض على ممارسة السياسة.. ولكن بمجرد ما أن تحاول ممارسة دورك كمواطن ليبي .. حتى يُنقض غزلك .. تحت ذريعة حماية الثورة .. فتتحول الحركة التى تقدَم على أنها لا تستهدف السلطة ولا تشارك فيها .. الى حركة تمتلك السلطة القضائية والتنفيذية معاً .. ومهجرياً أيضاً هناك من يرغب فى ممارسة ذات الدور تحت ذريعة حماية " المعارضة " .. ذلك المصطلح الواسع الذى له ألف " أب " .. وليس له " أم " واحدة .. ولعل أشد المظاهر غرابة هو تمسك كل جهة بصفة الأب الشرعي .. وأنها تقف فى المساحة " الناصحة " .. ومن يخالفها بالضرورة يقف فى المساحة " الرمادية "(*) .. وهنا بالتحديد يجب أن يقف العقلاء وقفة طويلة .. لأن هذا المنطق ينسف فكرة التعددية ومبدأ إحترام الرأي الأخر من جذوره .. ويشي بأن تحت الجبة عقلية أحادية إقصائية تنتظر دورها فى قمع الشعب الليبي .. وأنا أزعم بأن أي معارضة تقوم بدورها الطبيعي ولا تصل الى السلطة يمكن أن تنال رضى وإحترام شعبها .. ولكني لست متأكداً من إمكانية إحترام معارضة ـ مخضرمة ـ تفشل فى ترسيخ تقاليد عمل سياسي مدني قائم على فلسفة القيم والمثل التى تؤسس للمجتمع المدني ودولة القانون .

وبما أنني قد ولجت لهذا الموضوع .. الذى أعرف أنه يجلب وجع الرأس .. فلا بأس من التعريج على الملف الإسلامي .. الذى يشهد بدوره عملية نكث ومراجعة كبيرة .. لم تستثن أي من أطيافه ( من صرح بها ومن جحدها ) .. وعوداً على المقدمة أتصور بأن العملية صحيحة وصحية .. فمراجعة خيارات وإختيارات مضى على بعضها " قروناً " .. وتقليب النظر فى مواقف وممارسات العشريات الماضية .. لا أتمنى أن يكون محل تشغيب من أحد .. لكون أصل الفكرة صحيحاً .. وهنا أيضا قد تسمع جميل العبارات .. والكثير من القواعد الأصولية التى تدعو الى ذلك وتؤازه بقوة .
ليس أشهرها " الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان " ..
وليس أخرها " ما لا يُدرك كله لا يترك جله " ..
وليس أقلها " من إجتهد فأخطأ فله أجران " ..
وليس أعمقها " قوله صلى الله عليه وسلم : أنتم أدرى بشئون دنياكم " ... الخ .

ولكن كما لحق التردد المساحات التى سبق الحديث عنها .. فقد لحق التردد الساحة الإسلامية .. فبمجرد أن تحاول أن تصدق أن كل تلك المقدمات حقيقة قابلة للممارسة .. حتى تفاجأ بسيل من الإتهامات له أول وليس له أخر .. والمؤسف أنها تترك صلب الموضوع ( المادة أو النقطة المطلوب مراجعتها ) وتنحو نحو شخصنة القضية كما لو أن منطلقها نزاع بين قبائل متوحشة .. وتغيب وسط هذه الأمواج عبارات رائعة مثلت الفكر الإسلامي الناصع فى زمن كانت أوربا تعلق من يخالف الكنيسة على الخوازيق والصلبان .. وأقصد مقولة الشافعي " رأيي صواب يحتمل الخطأ .. ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب " .. وربما حان وقت الحديث عن أركان المشروع السياسي الإسلامي ( النظري التأريخي حتى الأن ) لمعرفة ما هو الثابت فيه وما هو المتحول .

وهنا أيضا سنعود لذات السؤال : ما هي حقوق الليبي الذى يختلف مع هذه الجهة أو تلك .. وما هو موقعه من الإعراب إسلامياً ؟!..

فكما نقول للنظام ما هي ضمانات وحقوق المواطن الليبي عندما يختلف مع حركة اللجان الثورية مثلاً .. فيبدو أن الأمور تدفع بإتجاه توجيه ذات السؤال .. لكافة الأطر السياسية و المستقلين .. أيها السادة : ما هي ضمانات أن أكون مختلفاً معكم فى الرأي .. وما هي حقوقي كليبي له وجهة نظر مغايرة ؟!.. ولعله من نافلة القول التذكير بأن مبدأ " الحقوق " و" الضمانات " لا علاقة له بضرورة أن أكون نسخة من هذه الجهة أو تلك .. بل هو قائم على فكرة المخالفة بالإساس! .. وكذلك لا صلة بينه وبين حكمنا على إجتهادات المخالف وموقفنا الشخصي منها .. وهنا مربط الفرس تقريباً .

على أي حال .. أرجو أن لا يضطر البعض قريباً للإستعانة بمنظمات حقوق الإنسان فى المهجر للدفاع عن حقوق نزعم بأننا نناضل من أجلها .. فإذا كانت الشكاوى من ممارسة العنف الجسدي هي الأكثر رواجاً داخل الوطن .. فيبدو أننا غير بعيدين عن ولادة قوائم الشكاوى من ممارسة العنف اللفظي فى المهجر .. ولا أرغب فى أن أكون ضمن من يرفع تلك الشكاوى .. لأنني أمنت بالحوار .. وأيقنت بأن التطور سنة حسنة .. فبدأت مشوار الألف ميل من داخلي .. فعكفت على ذاتي أصححها وأشذبها .. وأراجع قوائم خياراتها وإختياراتها الفقهية والسياسية .. فى محاولة لتجنيب المجتمع وعكاتها .. ومن خلال تجربتي الشخصية ومتابعة تجارب الأخرين .. زاد يقيني بأن الزمن جزء من العلاج .. لذا سأستمر رفقة الكثير من الأقلام فى طريق الحوار وإعتماد الكلمات الصديقة .. وسأمنح هذا النهج الوقت الكافي والطبيعي لكي يتمدد داخل الحالة الليبية المحتقنة .. فلازلت أعتبر ما يحدث من لغط جزءاً من ضريبة التحول .

ودائما عندما أطلق مصطلح " الحوار " فأنا أفصل بينه " كألية " وبين نتائجه .. وأعني به حوار الأحرار .. حوار الأنداد .. الحوار العلمي الموضوعي المستهدف للقيمة .. البعيد عن الإسفاف والتسطيح والمتاجرة .. فليس لدي أفكار للبيع .. ولا قلم للإيجار .

والسلام.

عـيسى عـبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________

(*) بمناسبة الحديث عن المنطقة الرمادية .. تذكرت بأن الأستاذ الكاتب فرج بوالعشة قد نعتني بها ذات يوم منطلق فى ذلك من كون " المؤتمر " هو المنطقة الناصعة .. وحسب علمي فقد غادر السيد بوالعشة المؤتمر بصورة ما .. فهل سنعتبره غادر الى المنطقة الرمادية .. أم أنه صار صاحب وجهة نظر يجب أن نحترمها وإن إختلفنا معها ؟!.. وسمعت ذات الوصف عندما قمت بتغطية منشط حضرته الصحفية د. سعاد ألطيف .. وها هو موقعها " نادي القلم " يلقى نجاحاً ويحفل بالعديد من كتابات كبار المعارضة وبياناتهم دون الحاجة لبرمجة الألوان .. حقيقة لا تزعجني ألبتة هكذا صفة .. لأنها فى تقديري نابعة من تصنيف بدائي قديم قائم على منطق الثنائيات البسيط .. فقط أحمد الله على أن مفاتيح الجنة والنار ليست بيد مواطن ليبي .. وإلا راحت ليل .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home