Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


عـيسى عـبدالقيوم

السبت 23 يناير 2010

طوبى لمن فاقت إنجازاته تجاوزاته

عـيسى عـبدالقيوم 

أسجل ـ كمراقب للشأن العام ـ بأنني قد تفاجأت بالسقف العالي لتقرير المؤسسة .. وأبدي ـ كمواطن ليبي ـ إرتياحي لما جاء فيه .. وأمنح صوتي ـ بلا تلعثم ـ لنقاطه الرئيسية .. فقط مع أمنية  أن لا يضاف التقرير الى قائمة أحلام اليقضة .. وأن يقاوم رغبة حُراس المخزن فى إيداعه الشاغر من أرففه الكثيرة .. أو لتحويله الى بلوعة البيروقراطية الخانقة لتطلعات الشارع الليبي . 

فأتمنى أن يتحول التقرير الى ورقة عمل فى الوطن والمهجر.. من أجل تدعيم مشوار بناء الجدار الوطني لحقوق الإنسان .. الذي بدوره سيعفينا من سيئة زيارات الخواجات .. ومن توصياتهم للمواطن الليبي بالرفق بأخيه الليبي .. وهو مشهد أتفق أن الروح الوطنية الحقة تأنفه .. لكنه للأسف سيتواجد معنا طالما صمتنا عن تفشي داء إسمه الظلم .. ونظرنا لمدونة حقوق الإنسان بعقلية القبيلة .. ومنطق الأعراب . 

" وما أنا إلا من غزيه إن غوت .. غويت ، وإن ترشد غزيه أرشد " 

على أي حال عودة الى تقرير المؤسسة الذي أثار جدلاً كبيراً ـ فى الوطن والمهجر ـ .. وأنتج حيوية كان ملف الحريات العامة يفتقدها العام المنصرم .. وعبر هذه السانحة أود أن أستعرض ـ معكم ـ أهم ما شد إنتباهي .. وأحسست بأنه يمثل تقاطع إيجابي فى حلقات التواصل بين جزر الأفكار المعزولة .. كوني أقدّر بأن أهم متطلبات فلسفة الإشتباك الإيجابي تكمن فى السعي لإنتاج قائمة مشتركات .. ومن ثم السعي لطرح قائمة الإشكالات .. ذلك من أجل إثبات حسن النوايا بصورة أولية .. ولإبراز أن الأمر أكبر من مجرد تصّيد الأخطاء .. أو رفع وتيرة معركة " عظ الأصابع " .. فعندما تستهدف مصلحة الوطن العليا فأنت بالضرورة فى حاجة ماسة لخلق مساحة مشتركات تمثل أرضية صلبة يعوّل عليها فى تحمّل ثقل المساحة التقابلية .. التى يناط  بها تحمل أعباء تفاصيل الجدل الوطني  .. بهدف الوصول الى المعادلة الصحية التى تكون فيها عملية النقد مستهدفة لإنضاج القرار .. بمعزل عن الأشخاص . 

عموما فى الذكرى العاشرة لتأسيس " جمعية حقوق الإنسان " التابعة لمؤسسة القذافي للتنمية .. طالعتنا المؤسسة عبر موقعها على شبكة الأنترنت (1) بتقريرها الذي شكل حدثا حقوقيا .. أرجو أن لا أبالغ إذا قلت أنه ربما يوازي فى الأهمية ـ حال صموده ـ تقرير "هيمون رايت ووتش " .. كونه صادر عن جهة ليبية .. وبتزكية شخصيات متواجدة ضمن تشكيلة الحراك الداخلي .. مما يبعد عنه شبهة تعمد المغالطة .. أو التواطؤ ضد مصلحة الدولة .. ويمنحه صك المرور والتحول الى وثيقة مقبولة محلياً.. ويمنح الجدل حوله ( إتفاقاً وإختلافا ) صفة " الجدل الوطني " بإمتياز(2) . 

على أي حال .. مما أستوقفني فى التقرير ما جاء حول الوثيقة الخضراء الكبرى .. حيث يصفها التقرير بأنها (... لم تنل الإحترام الكافي من المشرّع ، بعدم التشريع بما يخالف أحكامها ، ولم نجد لها صدى في الكثير من التشريعات التي صدرت بعدها ...) .. وهنا يضع التقرير يده على  الهوة التى يستشعر المواطن غيابها الدائم .. وهي التوازن فى التشريع .. وقبل ذلك منح التشريعات هيبة وسلطان القانون النافذ .. فلا يُسمح بخرقها .. ولو عبر ممارسات تسبقها صفة الثورية .. ولا بصدور لوائح وتقنينات مخالفة لها .. ولو فى ظروف إستثنائية .. كون حدوث ذلك مما يساعد على فقدان الثقة بالوثائق .. وبالتالي فقدان المصداقية بالجهات التشريعية جملة .. لذا فقد كان التقرير موفقا حين وضع أحد أهم ركائز حماية حقوق الإنسان ( التشريع ) فى مقدمة إنتقاداته .   

أما ثاني ما أستوقفني من نقاط فهو ما جاء حول قصة المجتمع المدني .. من روابط ونقابات ومؤسسات .. ووصفه بأنها تتبع بالكامل (... لشؤون النقابات بمؤتمر الشعب العام ، الذي تدخّل بشكل سافر في إختيار أمانتها ، وفي صياغة أنظمتها الأساسية بحيث أفقدها أي نوعية من الإستقلالية  (....) وأنه رغم إنتهاء ولاية هذه النقابات والروابط تم فرضها على الناس ..).. وهنا نحن أمام "فزورة" تحتاج الى حل.. فإذا كانت الدولة ترفض"الأحزاب" وترى أنها رجس من عمل الشيطان من جهة .. وترغب فى التحول من الثورة الى الدولة من جهة أخرى .. فهل من عاقل يدلنا على كيفية التوفيق بين هذا الرفض وتلك الرغبة وبين ما يحدث من خروقات ؟!.. ودائما فى ظل ما جاء فى التقرير حول ضبابية التعاطي مع فكرة المجتمع المدني.. الذي لا شك أننا فى أمس الحاجة اليه كخطوة أولية ـ على الأقل ـ لتفهم مبررات رفض وجود الأحزاب.. ولدعم مصداقية وجود إرادة التحول من الثورة الى الدولة.. وإلا فإن الحيرة ستكون سيدة الموقف. 

وفى ذات سياق الحديث عن " المجتمع المدني " يضع التقرير يده مرة ثانية على مستمسك مادي حين يذهب الى أن (... قانون (19) بشأن الجمعيات الأهلية الذي لازال جاثماً على أنفاس كل من يفكر في إنشاء جمعية أهلية ، فإن الأمر يتطلب بشكل عاجل إلغاء هذا القانون ، ولا نعتقد أن أحداً يفكر بإنشاء جمعية أهلية في ظل أحكامه الظالمة ، وما تجربة مركز الديمقراطية وجمعية العدالة لحقوق الإنسان اللذين تم إلغاء إشهارهما ببعيدة عن الأذهان...). فالتقرير هنا يشير الى تجربة تابعنا جميعاً فصولها داخل الوطن .. ولازالت أثارها تلقي بظلالها القاتمة على المشهد الثقافي/ الحقوقي الليبي حتى اليوم .. لذا فإنني لم أستغرب مطالبة التقرير ـ بشكل واضح ـ بإلغاء القانون الجائر كخطوة عملية لإيقاف الإنحدار نحو المزيد من التدهور ..ولأجل جعل رغبة العبور ـ كما سبق وقلنا ـ ذات مصداقية .. وليست مجرد بالونة إختبار .. فبعث مؤسسات المجتمع المدني بشكل صحيح .. وجعلها على مسافة من الأطر السياسية والحكومية أمر كنا نظن أنه لا خلاف حوله .. ولكن يبدو أن الأمر لازال يحتاج الى المزيد من الأخذ والرد .. ولا ضير في ذلك إذا كان المقصود تحرير  محل النزاع .. والبحث عن أفصل الخيارات المناسبة للحالة الليبية . 

وحول الصحافة أورد التقرير نقاطاً هامة نتفق على ضرورة تفعيلها .. لعل من أبرزها تفعيل " قانون الصحافة " الساري المفعول .. والذي يجيز اصدار تراخيص لصحافة الأفراد والمؤسسات .. كي لا نظل نراوح عند نقطة الصحافة الحكومية .. وهي نقطة تجاوزها العالم .. بمن فيه دول العالم الثالث + اليمن السعيد . 

وفى النقطة الرابعة ـ التى استوقفتني ـ يعود التقرير ليلفت إنتباه الدولة الى قضايا التشريع .. وذلك عندما يتحدث " محكمة الشعب " ويصفها بأنها ( نقطة سوداء في جبين المشروعية وسيادة القانون ..) والتى قيل أنها حُلت منذ سنوات .. غير أن التقرير يرى أن (.. إرادة الناس قد زورت في مشهد علني لايمكن وصفه ، وأن قانون إلغاء المحكمة قد تضمّن فقط إلغاء اللوحة التي كانت معلقة أمام مبنى محكمة الإستئناف... ). وهنا سنتفق بشكل كبير على خطيئة حل محكمة الشعب ( شكلاً ).. وتركها تعمل فى صورة محاكم إستثنائية ( مضموناً ) .. ونرفع القبعة لمن ادرج هذه النقطة .. فالعالم قد تجاوز فكرة " محاكم التفتيش " وبات وجودها يقرأ على أنه عار على الأمم المتحضرة .. لذا فمن الطبيعي أن ننحاز جميعا للتقرير ـ فى هذه النقطة ـ ونطالب بضرورة أن يقف كل متهم أمام قاضيه الطبيعي .. وأن ينال كافة حقوقه القانونية التى ينص عليها القانون الليبي .. ليس نكاية فى أحد .. أو إٍستفزازاً لأحد .. بل من أجل نهضة الوطن .. وإبعاده عن شبح المداومة على الحضور فى تقارير دولية أصبح وجودنا فيها يؤثر ـ ليس على السياسة فقط ـ بل تعدى ذلك الى الإقتصاد والصحة والتعليم ... الخ . 

وأختتم قراءتي للتقرير مع النقطة الخامسة .. والتى تعتبر من أبرز المشاكل المُرحّلة معنا منذ عدة سنين .. ألا وهي قضية حادثة سجن أبوسليم .. وقبل أن ننكش فيما بين سطور ما ورد حولها فى التقرير .. نعيد قراءة ما ورد نصا .. فحول قضية سجن ابوسليم وردت ثلاثة نقاط هامه هي : 

1ـ ضرورة أن يكون التحقيق شفافاً وعادلاً ومنصفاً ً، وبما يكفل حقوق أسر الضحايا، وأن يتقيد قاضي التحقيق بالوقت المحدد الذي أعلنه لإنهاء مهمته. 

2ـ الإبلاغ الفوري للأسر التي لم يتم إبلاغها حتى الآن بما آل إليه مصير من أحتجز من أبنائهم .. سواء أكان ذلك في سجن أبو سليم .. أو في أية ظروف أخرى. 

3ـ ضرورة أن يتناول الإعلام المحلي هذا الحراك بالشكل الإيجابي كي يقطع الطريق على تناوله في المواقع الخارجية .. وبما يضمن عدم تشويه الرغبة الحقيقية للدولة الليبية في تسوية هذا الملف وتداعياته . 

ودعونا نبدأ من حيث إنتهى التقرير .. وهو ضرورة رفع الحظر عن النشر فى القضية .. فلقد صرحت الدولة بوقوعها .. وأحالت ملفها الى المحكمة .. ولدينا حكماً صادراً عن محكمة شمال بنغازي .. وفى حوزتنا بيانات وخطابات لشخصيات مهمة فى الدولة تتحدث صراحة عن القضية .. وقبل كل ذلك لدينا أسر وعوائل تجوب الشوارع بحثا عن العدالة .. فلم يعد من المقبول أن تغمض الصحافة عيونها عن حدث بهذا الحجم .. حدث تحول ـ عقب وعد المؤسسة على لسان رئيسها السيد سيف الإسلام فى سبها ـ الى قضية " رأي عام " بكل معنى الكلمة . 

أما ما ورد فى النقاط (1 & 2) بخصوص قضية أبوسليم .. فأعتبره أحد أهم مفاتح الحل (3) .. وهو ما يمكننا أن نلخصه فى كلمتين ( الحقيقة والعدالة ) .. وأتصور فى ظل قبول الأهالي بالعدالة الليبية .. وتصريحهم فى أكثر من مناسبة بأنهم ضد تدويل القضية .. وبقبولهم لمبدأ الحوار مع الدولة لتحرير نقاط الإختلاف .. ومطالبتهم للمؤسسة بأن تستمر كمرقب للقضية .. لذا فأنني أقدر ـ بعد تصريح الأهالي بكل ذلك ـ أن وعيهم ونظرتهم ربما تقدمت على هواجس وتخوفات بعض ممن يمسكون بخيوط القضية .. وعليه ففي حال إتمام ما بقي من مشواري المصارحة وكلمة القضاء .. فإن الشارع الليبي سينتظر بفارغ الصبر محطة المصالحة .. وهي ركن قد تلعب فيه الأعراف دورا أكبر من دور رجال القضاء .. فعندما يستشعر الأهالي بجدية الدولة .. وبتحملها لمسئولية الأحداث .. وبتقدمها الخطوات الأولية على طريق الحل النهائي .. بالموازاة مع منح القضية حقها فى وسائل الإعلام المحلية ..فإن ذلك سيعمل على إزالة كثير من نقاط التوتر لديهم .. وسيخفف من العوائق النفسية .. تمهيدا لمحطة غلق الملف . 

وعودا الى التقرير أجدني مرتاحاً لإضافة عبارة أن التقرير أضاف وثيقة وطنية مهمة لملف قضية أبوسليم .. ومنحها دعما هي فى أمس الحاجة إليه مع مطلع العام الجديد .. نأمل أن تستمر هذه المؤازة حتى ترى هذه القضية الانسانية نهاية عادلة ومرضية لكل الأطراف .. وان يشهد العام 2010 طي أخر فصولها المؤلمة . 

أخيرا .. لست ممن يؤمن بالتحول على طريقة " تعلم الإيطالية فى ثلاثة أيام " .. وأقر بأننا نحتاج الى زمن وجدل طويل حول قضايانا المتعثرة .. جدل نبتعد فيه عن المجاملة.. ونتقرب فيه من فهم مصلحة الوطن بالنظر الى متغيرات العالم ومتطلبات التحولات الكبرى .. جدل يستحضر مُسلّمة أننا منطقة " نامية " فى كل شيء .. ولها خصوصية دينية وثقافية وإجتماعية لا مناص من إستحضارها .. فمن الخطأ بمكان تصدير الحلول الجاهزة كحل لمشاكلها .. لذا قدّرت أن عبارة " طوبى لمن فاقت إنجازاته تجاوزاته " ستكون بمثابة كلمة السر المطلوبة لإحداث التوازن فى حالتنا . 

وعموما لن تعُسر رحلة الألف ميل إذا مشينا الخطوة الأولى منها .. فِلم التردد !. 

ولتبقى ليبيا .. وليستمر الحوار . 

عيسى عبدالقيوم

Yumuhu65@yahoo.com

http://essak.maktoobblog.com/ 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) للإطلاع على نص التقرير جمعية حقوق الإنسان الكامل على موقع المؤسسة يمكن الإنتقال للرابط التالي :

http://gdf.org.ly/index.php?lang=ar&CAT_NO=2&Page=105&DATA_NO=593

 

(2) كتبت هذه الورقة إتفاقا مع الكثير مما جاء فى أحاديث الأستاذ محمد طرنيش .. والمحامي محمد العلاقي .. ونقيب المحامين السيد عبدالحفيظ غوقة .. فى حواراتهم حول ملف حقوق الإنسان والحريات العامة التى شهدتها الساحة الليبية ـ داخل الوطن ـ فى الأيام القليلة الماضية .. عبر برنامج " مساء الخير بنغازي ".. تجد بعضه على صوتيات موقع"المنارة" تحت هذا الرابط :

 http://www.almanaralink.com/new/?scid=2&pid=195 

(3) قضية أبوسليم من أكثر القضايا حساسية وربما تحتاج الى تذكير مستمر.. كونها قضية رأي عام بجدارة .. ولعل ذكرها هنا جاء بشكل عارض مما إستلزم الإقتضاب .. أخر ما كتبته عنها مقالة " مشروع 1200 قتيل " تجدها تحت هذا الرابط :

 http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea29039a.htm

ـ سبق لي نشر المقال بصحيفة قورينا العدد 617 ـ الثلاثاء 19 يناير2010 .. والتى يبدو أنها ستدخل نفقا مظلما بعد قرار شطبها ( رفقة صحيفة أويا ) من قائمة الصحف اليومية وتحويلها الى صحيفة اسبوعية .. وبحسب موقع صحيفة قورينا (يوم 21يناير ) فقد (..  أصدرت شركة الغد للخدمات الإعلامية اليوم الخميس بيانا قررت فيه توقف إصدار الصحيفتين التابعتين إليها "أويا و قورينا" ، مرجعة الأمر لأسباب " تتعلق بالضرر الذي سيلحق بالعلاقة مع القراء" ، وذلك بعدما أبلغت من قبل مدير الهيئة العامة للصحافة بأنهما سيصدران أسبوعيا بدلا من الإصدار اليومي..) .. والبيان على موقع قورينا تحت هذا الرابط  :   http://www.quryna.com 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home