Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 22 November, 2006

عـقليات المربع الأول

عـيسى عـبدالقيوم

لا أستطيع ـ إحتراماً للواقعية وتسفيهاً لنظرية المؤامرة ـ أن أجزم بأن الساحة الليبية لا تشهد حِراكاً .. أو أصر بأنها تسير على نسق واحد مسرحي وغير مقبول .. ولا أستطيع الزعم بأن المطلوب إثباته أو تحصيله سيأتي على شكل هبة أو مكرمة .. وأنه لن تخاض من أجله تجاذبات طويلة.. ولن أحتاج لأدلة كثيرة لإثبت لكم بأن للتحولات التى تشهدها المنطقة تأثير على حالتنا الليبية .. وفى ذات السياق لا تخيفني قواعد اللعبة السياسية بين الفرقاء .. ولن يقلل من عزيمتي الرتم البطيء والحذر لحجم الإنتقال من مفصل الى أخر .. ولن تغالطني التراشقات السياسية فأتنكب عن طريق النضال السلمي .. ولن تخادعني الإنفراجات المؤقتة لكي أتنازل عن قائمة الحقوق المشروعة .. ولن تغريني العطايا لإحرّف الكلم عن مواضعه .. ولن .. ولن .. ولن .. طالما أن المعطيات على الأرض تشير الى أننا نتجه نحو خيار الدولة الحديثة .. وما يطمئنني أكثر أن الخيارات الإستراتيجية للطيف الليبي ( مع / ضد ) قد تقاطعت بشكل كبير وعميق مع فكرة الشراكة مع المجتمع الدولي .. تلك الشراكة التى تشترط معايير صارمة وواضحة لشكل ومواصفات الدولة .. مما يعني أن فـُرص التحايل ستقل فى زمن السماوات المفتوحة .. وأن التراجع لا يمكن أن يحدث ـ على المدى المنظور ـ فى الخط الإستراتيجي .. وإن كان غير مستبعد ظهوره كورقة تكتيكية لكسب نقطة سياسية هنا .. أو لتحسين المواقع هناك .. وفى هذا السياق يمكن فهم الكثير من التسريبات الصحفية التى تطفو بين الحين والأخر .. ولعل أخرها ما سُرّب عن إعتزال القذافي الإبن .. أو ما سُرّب فى المهجر حول ترتيب أولويات العمل السياسي السلمي .

أما ما يُقلِق بحق فهو تنامي " عقليات المربع الأول " .. وأعني بها تلك العقول التى يُرعبها تطور الأمور نحو الأحسن .. لعلمها بأن للنهوض ضريبة .. ولكل دولة رجال .. وهي لا ترغب بأن تكون فى أي مرحلة من مراحل الحِراك جزء من تلك الضريبة .. فنراها تعمد الى خلط الأوراق كلما وصلت الأمور الى نقطة الحديث عن جوهر أمر ما .. ليس بالضرورة أن يكون سياسياً .. فربما يكون ثقافياً .. أو اقتصادياً .. أو حتى دينياً .

وفى المقابل فهذه العقول ليست حكراً على النظام فلدينا منها خارج خندق النظام نصيباً موفوراً .. ومصدر القلق أن هذه العقول قد تشكل أحد الحواجز المانعة من إجتياز المفاصل الرئيسية .. فإصرارها ـ النهم ـ على أن لا تكون جزءً من أي ضريبة تدفع ـ ولو لخدمة المصلحة العليا للوطن ـ يؤهلها للعب دور المحرض للجهات التى بيدها صنع القرار عبر بث موجة من الرعب تعزوها لفكرة التطوير تارة .. ولركوب موجة تهييج الشارع ( الشعبي / الحزبي ) وتعبئته فى إتجاه يخدم مصالحها وأهدافها تارة أخرى .. فتسعى لتثبيت المشهد الداعم لموقفها عبر التشكيك فى مبررات تغييره أو حتى تطويره .. فنراها لا يقر لها قرار إلا بعد إعادة القوى ( الغافلة / المُستغفلة / والمغفلة ) الى المربع الأول .. والمربع الأول الذى يعني حقيقة إستمرار الإمتيازات أو المكاسب بالنسبة لها .. تحاول تسويقه للآخرين على أنه الموقف ( الوطني / الثوري / الإسلامي ) الضامن لإستقرار الأمور .. بزعمها ! .. ولايهمها فى اي قطار مثبت المقعد الذى سيوصلها لهدفها .. فهي على إستعداد لإمتطاء القادم منها لتجييره فى حال حال وافق مصالحها .. ولحرفه عن مساره فى حال خالف ذلك .. فلتعر مخلفات هذه العقول قليلا من التفكير قبل أن تفاجأ الجميع فى مفترقات وتوقيتات حساسة .

فما أعرفه أن عقلاء البشر قد أتفقوا على أن مغادرة المربع الأول مكسب فى حد ذاتها .. فلا تصدقوا أن العودة اليه مكسب مهما كان حجم الأثار الجانبية لعملية الإنتقال .. ولن أزيد .

حوادث ذات صلة بالموضوع :

على الصعيد الثقافي .. تابعت بأسف بالغ ما تعرض له الكاتب والروائي الكبير الأستاذ أحمد الفيتوري .. ولا أريد أن أتهم الدكتورة " نوارة مسّلم " بأنها جسّدت عبر ممارستها عقلية " المربع الأول " .. ولكني أصر على أن موقفها يشكل تراجعاً كبيراً لجهة المربع الأول .. وهنا لا يمكن أن أتهم النظام ( صاحب السوابق) .. فالممارسة حدثت ـ كما يشير الفيتوري ـ فى مكان يفترض أنه أكاديمي بالقرب من سبخة الصابري ! .. وقراءة ما بين سطور تلكم الممارسة يدل على أن الكثير من الليبيين لا يرغبون فى أن تقلص صلاحياتهم ـ غير المقننة ـ .. ولا يجدون حرجاً فى التمسك بتلابيب الإستبداد .. فى الوقت الذى يتمنون ـ سراً وعلانيةً ـ أن تقلص صلاحيات غيرهم ممن هم فى مناصب أكثر حساسية وأكبر إمتيازات ! .. وهنا تحديداً مكمن الخوف من عقليات المربع الأول .. والتى سيعمل إنتشارها بين مكونات المجتمع على عرقلة عملية النهوض به .. فينبغي على السياسي والمثقف والباحث الأكاديمي على حد سواء عدم إغفال هذه الظاهرة أثناء حساباتهم .. فليس بالضرورة أن يكون الإصطدام بالأنظمة هو الرقم الصعب .. بل ربما نتفاجأ بأن الإصطدام بهذه العقلية المتغلغلة فى مفاصل المجتمع هو الأكثر صعوبة .. لأن نجاح الدولة لايعني القبض على مقاليد الحكم .. بقدر ما يعني وجود حالة من الوعي المرتفع بتقاليدها المدنية التوافقية .

أما على الصعيد السياسي .. فقد تابعت ـ بمرارة هذه المرة ـ خبر إختفاء الدكتور إدريس أبوفايد .. الذى رجع الى ليبيا على خلفية نداءات الدولة .. وإنطلاقاً من قناعاته بممارسة النضال السلمي السياسي .. وحتى لا أكرر سيئة الليبيين فى المبالغة بالإحتفاء بالميت أو بالمختفي .. فى الوقت الذى لا يكترثون لوجوده بينهم .. أقول أنني لا أتفق مع بعض خيارات أو مفردات الدكتور ادريس .. ولكنني عند نقطة إنتهاك حقوقه كمواطن ليبي أقف معه وأسانده بقوة لا تقبل المساومة.. ولا أجد أي مصوغ يبرر ما حصل له .. وكما حُلت قضية الإخوان المسلمين .. وقضية الكاتب عبدالرازق المنصوري .. وما قيل أخيراًعن قرب حل قضية قادة الجماعة المقاتلة .. أتمنى أن تحل قضية الدكتور أدريس بوفايد فى أقرب وقت ممكن .

وكحد أدنى .. وكمطلب ملح لا يحتمل التأجيل .. نطالب بضرورة طمأنة أهله وذويه عنه .. وعدم حرمانه من حقوقه المدنية .. فقصة الإخفاء القسري .. والعيش تحت هواجس القبضة الأمنية لم تعد من سمات ولاروح العصر .. ووجود جهات تسعى للعودة بالحالة الى المربع الأول وارد بنسب متفاوتة .. ولكن المؤكد أن تلك العودة لا تخدم سوى إمتيازات ورغبات أصحاب عقول المربع الأول .. التى كما قلت لا يهمها إن كانت ممارستها تخدم الوطن وتدعم المشروع الوطني أو هي ضده .

سادتي الكرام .. كما نقر بأن للصعود ضريبة حسنة نستطيع تحسس أثارها على المدى القريب والبعيد .. فإن للإنتكاسة ضريبة سيئة يمكن مشاهدة أثارها على المدى القريب قبل البعيد .

والسلام

عيسى عبدالقيوم

________________________

(*) أنظر مقالة الاستاذ احمد الفيتوري حول الموضوع التى بثها موقع "جيل" تحت هذا الرابط :
http://www.jeel-libya.com/articles/view.asp?field=content&id=1580


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home