Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الخميس 21 مايو 2009

"مغـادرون دون وداع"

الجهمي يرحل ويخلف التجربة


أفادت وكالة " فرانس برس " ان الناشط الحقوقي الليبي السيد " فتحي الجهمي " قد توفي عند الساعة التاسعة من صباح اليوم الخميس 21 مايو 2009 . في المركز العربي الطبي (مستشفى خاص) في العاصمة الاردنية عمان .. متاثرا بالتهابات في الدم.. وكان الجهمي قد غادر العاصمة الليبية طرابلس منذ ايام رفقة عائلته .. بعد أن تدهورت حالته الصحية داخل مكان عزله .. ودخوله فى حالة غيبوبة .

وهكذا تسدل الستارة الأولى ( فقط ) على قصة شغلت الشارع الليبي .. والرأي العام الدولي لسنين طويلة .. حكاية تروي قصة مواطن عربي حاول تجربة حظه فى نقد السلطة عبر ما أتاحته من هوامش يفترض أنها قانونية ـ فبمعزل عن أن نتفق أو نختلف مع أفكار الجهمي ـ فإن جوهر القضية يشير الى أنه قد مارس حقاً أصيلاً عبر نافذة إقترحتها الدولة .. وبشكل مباشر وشفاف وقانوني ومستجيب لمعايير المجتمع الدولي .. لذا ستبقى تجربته مثالاً مؤلماً على تدهور حالة الحريات العامة فى وطنه.. فمن معاناة السجن وقسوته .. الى معاناة الإهمال الصحي .. الى معاناة العزل عن العالم .. الى معاناة فقدان العدالة .. الى معاناة اللامبالاة وغياب الوعي بنصرة قضايا حقوق الانسان والمدافعين عنها .

ستبقى تجربة الجهمي مثالاً على إنكفاء المطبخ السياسي الليبي على نفسه .. وفقدانه الثقة فى ذاته .. وعجزه عن الايفاء بحقوق المواطنة .. بل وتجاوزه الى الإستهتاره بحياة المواطنين .. فلا يمكن تصور أن يكون غلق ملفات أصحاب الرأي الأخر فقط بموتهم ( بأشكال متعددة ) .. فما دون الموت هناك ألف طريقة وطريقة تسوّى بها الحقوق .. وتصحح بها الأخطاء والخطايا .. ولكن كل هذه الطرق ( المختلفة ) تحتاج الى بشر أسوياء يمارسون السياسة فى ذات الوقت الذي يحترمون فيه شعوبهم .. يدافعون عن مصالحهم إنطلاقاً من كونهم بشر يصيبون ويخطئون .. ولا ينزلقون الى منازل " الإله " الذى له حق منح الحياة وسلبها .. بشر يتعاطون مع شعوبهم على أساس أنهم موظفون لإدارة الدولة ..وليسوا أوصياء على حفنة من " السفهاء أو القصّر " .

قد يكون السيد فتحي الجهمي قد مات وإرتاح من وعثاء فوضى لا ندري متى ستنتهي .. ولكن ـ فى تقدير ي ـ ستظل تجربته ماثلة للعيان لحقبة طويلة .. تساق كدليل على هدر كرامة الناس .. والإستخفاف بوطنيتهم ومواطنتهم .. فقد كان يليق بمن يعيش هذا العصر المفتوح والمنفتح أن يجيد فكرة إستيعاب الخلاف .. وأن يتعلم فن إدارة الحياة .. فالذين ينظرون للحياة من ثقب " أبيض وأسود " سيظلون أحد أبرز أسباب فسادها وقسوتها وإنحرافها عن طبيعتها .

على أي حال .. لا إعتبار لكل ما سيقال بعد الموت .. أللهم إلا إذا كان بحجم مصيبة الموت كأن يطال الأمور التى أدت اليه .. والأخرى التى تمنع وقوعه بشكل لا يليق بكرامة الإنسان .. أما التبرير بعبارات مكرورة فلا أخاله يجدي فى مثل هكذا تجربة دفع صاحبها حياته ـ وقبلها حريته وأمنه ـ ثمناً .. ورحل دون أن يرى الضوء الذي قيل أنه فى نهاية النفق ! .

ولا أدري كما يحتاج البعض من مأسي ومأتم قبل أن يقرر بأن محرك القافلة يسير بواسطة دماء وأحزان لم تعد تطاق .. فالتصفيق للقافلة كونها تتحرك فقط دون إعتبار لوقودها شيء بشع .. وينم عن تخلف وإنتهازية .. وقبلهما عن فشل فى صناعة الذات المحترمة .. وصياغة الأهداف النبيلة .. وتنمية العقول الواعية .. فالأوطان ـ عند من عرفوا قيمتها ـ لا يولج اليها من بوابة منطق الكسب .. بل من بوابة المنطق القيمي .. فما لم نستشعر نبض الشارع ونتناغم معه فنحن بعيدون عن مفهوم الوطن قريبون من مفهوم الوثن .. يقول النبي الكريم (ص) : " نحن نسير بسير أضعفنا " ! .

عموما .. لا نملك فى هذه العجالة إلا التقدم بأحر التعازي الى " أل الجهمي " الذي غادرهم دون وداع .. والدعاء له بالرحمة والمغفرة .. فالمقام قد لا يحتمل أكثر من هذا .. غير أن الملف ـ فى تصوري ـ سيبقى على الطاولة طويلا .. فمشوار المعاناة الإنسانية التى صاحبت تجربة الجهمي سيجبر كافة أنصار حقوق الإنسان .. والمدافعين عن الحريات العامة .. وكل من أمن بالقيم التى توافقت عليها البشرية .. على المطالبة بفتح هذا الملف للتعرف على وجه من أبشع وجوه الإنتهاكات .. وبالمطالبة بما يعزز " الحرية " فى بلد بات متأخراً عنها بشكل مخيف.. وباتت فواتيرها باهضة الثمن .

لقد قال الرجل كلمته ورحل .. وقبله قال رجال كلمتهم ورحلوا .. وسيبقى بعدهم رجال يكررون ذات الكلمة حتى تكتب شهادة ميلادها .. أو يرحلوا هم ايضا .. ليظل التاريخ يسجل حالة التقهقر المريع التى تعيشها " حرية التعبير " فى وطن إسمه ليبيا .

ولله الأمر من قبل ومن بعد .

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home