Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 21 February, 2007

الخوف من البدايات!

عـيسى عـبدالقيوم

مر قبل أيام على أحداث بنغازي عام بالتمام والكمال .. عام كان من المفترض أن يكون كافياً للجميع لفهم طبيعة تلك الأحداث ومبرراتها من جهة .. وللبحث فى أثارها وذيولها من جهة أخرى .. دون أن نغفل الحديث عن حقوق الأسر التى فجعت فى أبناءها .. ففى العام ما يكفي من الزمن لإنجاز كل تلك المهام .. بل والوقوف على نتائجها .. وتطبيب الكثير من جراحها .. ولكن .

على مستوى الوطن .. لم تستوعب ـ فيما يبدو لي ـ الدولة وأجهزتها بعد .. أن ما حدث فى بنغازي جسّد فكرة الكتابة بالنار بعدما سُدت مجالات الكتابة بما دون ذلك .. فأحداث بنغازي كان وقودها الفقر والحرمان والكبت بالدرجة الأولى .. ثم تأتي باقي الدوافع فى درجات أخرى .. فالوطن الذى يطالع الناس أخبار ميزانيته عبر الفضائيات وشاشات الكمبيوتر .. الوطن الذى يصنف على أنه من الدول ذات الموارد الكبيرة والتعداد البشري المحدود .. الوطن الذى شبع أهله من الوعود غير المنجزة .. ذلك الوطن أمسى يعيش حالة من الفقر فى ظل غياب التوزيع العادل للثروة بصورة فجة وغير مسبوقة .. أدت فى تقديري الى ولوج نفق الكتابة بالنار .. وهي كتابة مبررة ومنطقية ـ ومتوقعة ـ لمن يرى الأرقام الفلكية بعينيه .. ثم لا تصل ثمارها الى بيته .. ألم يقل سيدنا ابوذر عندما شاهد ما يعيشه أمراء عصره من بذخ ( .. عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على السلطان شاهراً سيفه !!!..).

اليوم يردد الناس ما كانوا يرددونه منذ عام.. ذات السؤال المشروع والمنطقي: أين حصتنا من الثروة؟!!.. وللأسف فقد أضافوا اليه أخر بقولهم: أين نتائج التحقيق فى ضحايا أحداث الجمعة الحزينة؟!!.. فإذا كانت الدولة قد إعتبرتهم شهداء .. وأعتبرت الحادثة مؤسفة .. ودفعت دياتهم .. ونقلت أخبارهم عبر الإذاعة الرسمية .. وأقالت رئيس الوزراء ووزير العدل .. فلماذا لا نرى نتائج ما قيل أنها لجنة تقصي حقائق .. وتحقيق ؟!!.

أما على مستوى المهجر .. فيبدو لي أن وصف الأحداث قد أخذ منحى بعيد .. لم أجد من يتفق فيه معهم من الداخل .. سمعنا ما قيل من مبالغات لم تكن فى حسبان الفتية التى تلقوا رصاص الغدر بصدورهم .. وسمعنا من رتب على تلك الأحداث فرقعات " جهوية " مخجلة .. قلة قليلة ـ تكتم وعيها ـ هي من تمتمت بعبارات متوازنة .. عبارات تبعد شبح الإنتهازية والقفز فوق الحقائق .. فنحن نتحدث عن أحداث مؤلمة .. وعن جريمة أطلق فيها الرصاص على الأبرياء فى الشوارع .. وعن قمع حقيقي .. وعن هبوط إخلاقي مريع لبعض من إنتصبوا لشرح الأحداث فى منابر فضائية .. ولكن أن نصنع واقعاً إفتراضياً ثم ننغمس فيه .. فهذا ما يحتاج الى وقفة عقلانية .. من أجل إنتاج بدايات حقيقة لمرحلة أزعم أنها مفصلية فى تاريخ ليبيا .. فالناس قد قرفت من صنع الخرافة ثم السجود لها .

سادتي الكرام : يستطيع أبسط شاعر أن ينسج لكم واقعاً " إفتراضياً " يكدسه بالإنتصارات .. ويكسوه بالمفاخر .. ويحشوة بالعظمة .. ولكنه يبقى فى النهاية خيال شاعر .. ولا يفلح الشاعر حيث أتى !! .. أعلم أن الكثير من الناس لا ترغب فى سماع هذا الكلام .. فى هذا المقام .. ولكلٍ ليلاه .. وربما أزعج بعض الأصدقاء بكلامي هذا .. ولكن يكفيني أنني أقوله من أجل ذات الهدف الوطني الذى قد يدفعهم للغضب مني .. ( وربما للجوء الى الوجوه المستعارة) .

وقبل أن أغوص أكثر فى وحل مخالفة " الواقع الإفتراضي المريح " الذى يفضل البعض الركون اليه من أجل تحقيق نصر ما .. أهمس فى أذن أقرب الآذان الصاغية اليّ .. أنا معارض للدكتاتورية .. وللقمع .. وللإقصاء .. وللفساد الذى تشهده بلادي ..وسأبقى كذلك .. ولكنني أرفض المقاسات الجاهزة التى تحاك فى واشنطن .. وأرفض أن أتحول الى ضمير مستأجر لشخص يعيش حالة هي أقرب للهذيان منه الى الكلام .. وأرفض أن أقولب بتاريخ رجعي .. تماماً كما أرفض أن أقولب فى إطار منتهي الصلاحية .. وأدعوا كل من يستشعر إنسانيته بأن يدلني عليه لكي أقف خلفه لنشرع فى خلق صف لا يعبد إلا الله .. ولا يهتف إلا للوطن .. ولا يعترف إلا بالحقائق المحسوسة.. وقبل كل ذلك له القدرة والرجولة على مواجهة الواقع وتحمل مسئولية ذلك.

على أي حال .. نصل الى قصة الخوف من البدايات .. فبمرور عام على الأحداث .. ظهر تحدي جديد .. أناس يرغبون فى العمل السياسي السلمي من داخل الوطن .. ونظام يزعم أنه يريد أن يتحول من مرحلة الثورة الى مرحلة الدولة .. والكل يبحث عن البداية كما يبدو المشهد !! .. الباحثون عن بداية إرهاصات النضال السلمي داخل الوطن دفعهم الخوف من تهمة الإنتكاسة أو القبول بمشروع الدولة .. لمجاملة القوى الرافضة لمفاجأة تغير قواعد اللعبة .. دفعهم ذلك الخوف للمطالبة بالسماح لهم بإستخدام أليات إصلاحية لإطلاق شرارة عمل ذو أجندة جذرية !!.. ( وهنا أنا أفسر الحدث ولا أبرر الإخفاق ) .. وفى المقابل نجد أجهزة النظام ـ الثورية والأمنية ـ التى سوّقت خلال العام فكرة التحول .. وقبول الأخر .. إمتطت تخوفاتها الأمنية .. وأصبحت تنظر لكل بداية بعين الخوف من تحولها الى نهاية لحقبة كاملة .. وهكذا دخلت مرحلة الذكرى الأولى لأحداث بنغازي فى معضلة البحث عن بداية الحلقة .. فمن جاء يطلبها من الخارج .. جاء ومعه ضغوط جعلت صفة عدم الإنسجام بين وسائله وغاياته أحد مظاهر غموضه ومن ثم إستنفار من يعتبرهم خصومه .. ومن بشّر بها فى الداخل .. أطلقها ثم سيّجها بأسلاك شكوكه وكشر إنيابه فى وجه كل من إقترب منها .. والعجيب أن الكل يصرخ : أريد البداية .. فقط مجرد البداية .

أيها الليبيون .. أغضبوا مني أو أرفقوا بي وبإنفسكم .. ولكنني أقول لكم ما هكذا تولد البدايات .. فالعمل السياسي حزمة متكاملة .. من دعا اليه فى الداخل فعليه أن يؤمن به .. وأن يُفسح فيه مجالاً للآحرين .. أن يكون شجاعاً حتى النهاية .. ومن أراد أن يقتحمه من الخارج فعليه أن يقبل بقواعد اللعبة وقوانينها ومحدودية مساحاتها .. وأن يكون كذلك شجاعاً حتى النهاية .. أما قصة الإمساك بطرف القضية ثم الشروع فى الصراخ.. فأظن أنها سيئة باتت مكررة .. وخصلة لن تؤتي ثماراً .. وربما كانت الرسالة التى وجهتها الرابطة الليبية لحقوق الإنسان أقرب الى العقلانية والمنطق .. لو وجدت من لديه الرغبة فى البحث عن البداية .

لم يبقى لي إلا أن أستسمحكم عذراً إن أثرت فيكم بوادر الغضب .. أو لمست ما يزعم بعض الساسة والكثير من الشيوخ أنه مقدس لا يمسه إلا المقربون .. ولكن عزائي أنني صديق لكم .. وبيننا ما تسمونه " عيش وملح " .. مما أوجب عليّ أن ألمح ـ على الأقل ـ الى ما يمكن أن أفهمه على أنه كذب الأذكياء فى زمن تنازل فيه البشر عن ذكائهم لصالح أجهزة مبرمجة .. وأيضا لن أكون جحوداً فى حق السيد : د. ادريس بوفايد .. فأطالب كإنسان .. ثم كمواطن ليبي .. بالإفراج عنه وعن كل من أعتقل معه .. فإعتقاله بهذه الصورة .. وعلى خلفية ما طالب به ليس مبرراً .. ويخالف كافة الأعراف والقوانين الدولية .. وهذا لن يمنعني أن أكرر ما قلته بمناسبة المطالبة بالإفراج عنه فى فترة إعتقاله الأولى " بالرغم من أنني لم أكن أتفق مع خطابه قبل أن يقرر العودة " .. ولكن بما أنه قد عاد وقرر البحث عن البداية هناك .. فأطلب من النظام الإفراج عنه .. وأطلب من المهجر عتق رقبته لله .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home