Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Tuesday, 20 December, 2005

المؤتمرات الشعـبية عـلى قوائم العـلاج فى الخارج

عـيسى عـبدالقيوم

مؤتمرات شعبية فى القارة الأوربية!.. خطوة نحو ماذا.. أو رسالة الى من؟!.. سؤال تبادر الى ذهني وأنا أتابع عبر شاشة الفضائية الليبية وقائع جلسات تلك المؤتمرات.. والتى تشير الإحصائيات (الرسمية هذه المرة) الى زهد الشعب الليبي فى حضورها.. ربما لأنه يراها شيئا غير ذي بال لعجزها عن تلبية إحتياجاته وإشباع طموحاته.. أم ربما لانها فرضت عليه ولم يُمنح حق إختيارها.. فلم يشعر حيالها بأي إلتزام ولو أخلاقي.. غير أن العقيد القذافي يُصّر على فرضية عدم فهم الشعب الليبي للعملية.. فنراه يطالب بإعادة الشرح للمرة 36 لذات الدرس.. ونرى موافقة الشعب الليبي على الجلوس والإستماع والتصفيق.. ومن ثم.... المقاطعة!.

ولعل ما سأذكره من تفسير للحدث قد يكون تأثر على نحو ما بمرارة ما خلفته قسوة التجربة على عدة أجيال من بينها جيلي .. فنحن الجيل الذى قدمته اللجان الثورية كعينات مخبرية.. من تجربة مدى ملائمة البدل العسكرية لأجسادنا.. الى تجربة مدى تأثير حبال الشيمة على رقابنا.. مرورا بتجربة مدى قدرتنا على التعايش مع الأدغال التشادية.. وصولا لتجربة مدى صمودنا فى حلبة "هوليكوست" 7 أبريل.

على أي حال.. ورغم وصف كل ذلك بأنه كان من أخطاء الماضي.. ورغم محاولتي بصورة شخصية التداوي مما خلفته تلك التجارب.. إلا أن الأثار "النفسية" لذلك الماضي لايمكن الزعم بإمكانية تلاشيها بصورة نهائية لمجرد إطلاق برنامج تلفزيوني إسمه "للأهمية".. أو السماح بعرض مسرحية "خرّف يا شعيب".. بل ستبقى بصورة أو بأخرى.. لهذا لا أستطيع أن أقدم نفسي كمحايد بمستوى حياد "المستر ماكنتوش".. وأنا عند هذه النقطة أقرب الى الشاهد منه الى المدعي العام.. فأنا ولدت كإنسان طبيعي.. ثم تحولت لأكثر من عقدين من الزمن لعينة مخبرية.. ونظرا لكوني مازلت علي قيد الحياة.. فهذا يدل ـ بالمشاهدة ـ على أن التجربة لم تقسم ظهري.. ويعني ـ بالمحصلة ـ أنها زادتني قوة معرفية بما أتحدث عنه.. إستنادا للمثل القائل "الضربة التى لا تقسم ظهرك تقويه"!!.

وعودا على ذي بدء أقول.. إن أول صورة قفزت الى ذهني عند مشاهدة جلسات المؤتمرات الشعبية فى أوربا (أو الساحة الأوربية كما يحلو لظرفاء اللجان الثورية تسميتها) هي إننا أمام محاولة تسويق سيئة الإخراج لتجربة فى حالة إنهيار دراماتيكي.. وأكرر إن وصفي لها "بسيئة الإخراج" منطلق من كوني أحد الناجين من مختبراتها.. فأي عاقل عاش ـ ويعيش ـ سنواتها العجاف لابد وأن يشعر بالقلق حيال تكرار فكرة الهروب الى الأمام التى يتسلح بها النظام الليبي فى مواجهة أثار ما تنتجه التجربة التى بشّر بها.. قلق منبعه الخوف من تسلل اليأس الى قلوب المخلصين وبالتالي الإستسلام لمرحلة التطبيق.. بعد الإستسلام لمرحلة النظرية.. كواقع لا مناص من التعايش معه.

أما سبب التفاؤل بوضوح الرؤية حيال تفسير ظاهرة إنعقاد المؤتمرات فى أوربا على أنها تجربة تسويق سيئة ومكشوفة.. أن من يقيم فى أوربا (بصورة دائمة أو مؤقتة) من المفترض أنه يعايش بشكل يكاد يكون يومي تجربة ديمقراطية حقيقية.. مما يعني توفر ما يمكن وصفه بعناصر المقارنة.. "فبأضدادها تتمايز الأشياء". وبما أن النظام يقدم نفسه على أنه يعيش مرحلة ما بعد الجمهورية.. وأن الديمقراطية المباشرة شىء نقيض للديمقراطة النيابية!.. ويخاطب شخصاً يفترض أنه متواجد فى أوربا.. ولديه القدرة على رؤية وتمييز ولمس ناتج الديمقراطية النيابية ـ التى توصف بالبالية ـ على الإنسان والمكان فى أوربا.. والمقارنة مع ناتج الديمقراطية الشعبية ـ التى توصف بالحل النهائي ـ على المكان والإنسان فى ليبيا.. بعد مرور ما يقرب من الثلاث عقود على تطبيقها!.

والمقارنة منطقية.. ومشفوعة.. وتصلح كمقدمة للوصول الى نتيجة أو حكم.. لكون المطلوب فى نهاية المطاف عقلاً ومنطقاً ـ ووفق كافة المعايير الأرضية والسماوية ـ ليس النجاح فى رّص شعب بشيبه وشبابه داخل قاعات لممارسة هواية الثرثرة.. بل المطلوب من تلك النظريات إثبات قدرتها على خدمة الشعوب.. والرفع من مستوى رفاهيتها.. والتوزيع العادل لثرواتها.. والتقليل من الإنتهاكات التى تمس حقوقها السياسية والإنسانية.. وإثبات السيطرة على مفاتيح المستقبل المنظور.. إذن فحتى يثبت العكس.. سيُجبرنا منطق الأشياء (الذى يبحث فى إتجاهات تطورها) على الإنحياز الى رأي من يرى أن النظرية العاليمة الثالثة لم تنجز المطلوب منها وظيفيا.. وبالتالي فهي بهذا الشكل.. وبهذه الصورة.. وبهذا الأداء.. غير جديرة بالبقاء فى دفة الحكم وقيادة المجتمع الليبي.

من هنا جاء الرجاء بأن يكون مردود تجربة إنعقاد المؤتمرات فى أوربا إيجابياً على الليبيين الذين يخوضونها.. طبعا بعد أن يتخلصوا من منطق الكسب الذى بات يلوث جزءً من إختيارات الشخصية الليبية.. وأول إيجابيات ظاهرة تسويق بضاعة مجزاة فى سوق مزدهرة.. (أو محاولة بيع الماء فى حارة السقايين) هو الوصول الى حقيقة الإستمرار فى إستخدام الحضور (الليبيين) ككومبارس لمسرحية مملة تستهدف بطريقة بدائية لفت إنتباه الغرب الى وجود شكل من أشكال الحكم الديمقراطي.. وبالتالي يُظن بأنها ستعمل على التخفيف من ضغوط المطالبة الغربية للشريك الجديد بضرورة إلتزام وإحترام قواعد وتقاليد عقد الشراكة الأورواميركي.. الذى يعتبر وجود الهيكلة الديمقراطية (المُعّرفة لديهم) شرطا من شروط الصحة. فالمرجو أن يستوعب المواطن الليبي فى الغرب (أو داخل الوطن) أنه لا يزال غير مستهدف بأي قيمة من قيم الحريات العامة.. وأن ما يُدعى إليه لا يعدو كونه مرحلة من مراحل تجربة مخبرية تهدف الى تحسين نتائج تجارب سابقة.. أو لمعالجة أعراضها الجانبية.. وأنه ـ أي المُسوق للفكرة ـ حلقة فى مسلسل الهروب الى الأمام.. ومشاركته ربما ستسهم على نحوما فى تعميق الجرح.. وتعقيد الأزمة.. وأرجو أن لا أبالغ إذا قلت أنه ربما يشارك ـ عن غير قصد ـ فى مصادرة حق الأجيال القادمة فى تقرير شكل حياتهم.

فالتجربة (النظرية) التى لم تستطع أن تصنع وطناً يُطعم من جوع ويُؤمّن من خوف.. ولم تنجح فى بعث ولو مقدمات الدولة الحديثة بصورة واضحة.. برغم مما أنفق وينفق عليها من ثروات طائلة.. وبرغم من الفرصة التى أعطيت لها منفردة دون أي منافسة.. وبرغم من الزمن الطويل الذى قضته وهي تقتات على حقوقنا.. أتصور بعد كل هذا إن لم يحق لنا أن نصفها بالفاشلة.. فلا أقل من أن نقول أنها تعاني من أزمات حقيقية تحتاج الى مراجعات أعمق من خدعة تغيير تاريخ الصلاحية.. وأبعد من فكرة منحها تأشيرة العلاج فى الخارج.. فالوضعية التى وصلت اليها التجربة عصية حتى عن العلاج فى الخارج لمن يتصور أن منحها هكذا فرصة ربما سيعيد إليها شبابها.

وفى ظل غياب الضغوط الكبيرة ـ خاصة داخل الوطن ـ وإنخفاض حدتها على الصعيد الدولي.. يبدو لي أن سياسة الهروب الى الأمام.. وتأجيل مناقشة الأزمة.. لا زالت تمثل الخيار الأقرب الى ذهنية صانع القرار الليبي.. وأن معالجة ملفات الماضي لازالت تمر عبر بوابة تهميش حقوق الوطن والمواطن.. والقفز على إستحقاقات المرحلة.. ولعل ما نتابعه من فصول حلحلة قضية أطفال الإيدز يشير الى تقدم هذا الخيار بصورة سافرة لم تعد فى حاجة الى شرح.. وربما تضاف إليها أيضا الطريقة التى تعامل بها النظام مع إذاعة مسموعة (صوت الأمل) لم يبدأ بثها الحقيقي بعد.. بوسائل إسكات وصلت الى حدود خرق الإتفاقيات والأعراف الدولية المتعلقة بحرية التعبير.. مما يُشكل إضافة الى مسلسل التراجعات التى تتوالى فصوله.(*)

لا أدري كم سيكون رقم هذه العبارة من التكرار.. ولكن لابأس من تكرارها وإن بألفاظ مختلفة.. نعم كل الدول ـ صغيرها وكبيرها ـ تتعرض لأزمات ومشاكل.. وأصبح وصف دولة ما بأنها تتعرض لأزمة لا يعتبر سُبة.. ولا يطعن فى مصداقيتها أو إستقرارها.. ولكن الفرق بيننا وبين الدولة القائمة على أسس وقواعد مدنية صحيحة.. أنها تشرع ـ عبر حشد أبناءها ـ فى البحث عن صيغ توافقية بمجرد ما أن تتأزم الأمور لديها.. صيغ خالية من التهميش والإقصاء.. ومنطلقة من فلسفة الشراكة فى الوطن.. ومعتمدة على بنوك المعلومات وتوصيات مراكز البحوث.. وبخطة عمل تبدأ من نقطة التواصل من أجل مناقشة أبعاد الأزمة وملامحها.. قبل التفكير فى الإجتماع لطرح حلول لها . فى مقابل تجريم كل من يهمس بوجود أزمة فى بلداننا المتخلفة.. فضلا عن أن يصرح بالرغبة فى المساهمة فى حلها.

والطريف أن الوضعية المتأزمة للحالة الليبية وإن كانت تعصف بالشق الأول للرحى ( النظام ) فإنها غير بعيدة عن الشق الأخر (المعارضة).. وكل منهما لا زال يفضل ترحيل فكرة "الحل الأخير" على أمل أن تمطر السماء حلولا.. أو تفرز المتغيرات الدولية أوضاعا تعفيه من تقديم تنازلات تكتيكية يعلم الجميع ضرورتها للحلول السلمية كضرورة الماء للحياة.. ولعل الأطرف من ذلك أن يكتشف الناس بعد حين أن العائق وراء إغفال بعض الحلول.. أو التهرب من بعض الأحلاف.. او حتى القفز الى المجهول.. لم يكن له علاقة (عند شقي الرحى) بالمبادئ السياسية.. ولا بالمحظورات الدينية.. وأنه لم يزد عن كونه حاجزا نفسيا لطالما جسّد أحد إشكاليات الشخصية الليبية.. التى تضفي عليه تارة البعد الديمقراطي.. وتارة البعد الديني.. لإرضاء غرورها مرة ونرجسيتها مرة أخرى.. برغم من ممارستها لأشباهه فى منعطفات أخرى.. أو تصفقها لمثيله عندما لا يكون حملاً للجينات الليبية .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


(*) وتعتبر قضية المطالبة بالافراج عن كافة سجناء الرأي كالحقوقي المهندس فتحي الجهمي..والكاتب الاستاذ عبدالرازق المنصوري.. وقادة جماعة الاخوان السملين.. وغيرهم من السجناء.. قضية ملحة وتحتاج الى وقفة من الجميع.. فحرية الإنسان شيء تسقط دونه كل الاعتبارات الثانوية.. نطالب بالحرية للجميع...


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home