Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 20 February, 2008

ترجّـل الشيوعي الأخير

عـيسى عـبدالقيوم

فيدل أليهاندرو كاسترو ..ولد في 13 أغسطس / أيار عام 1927 في مزرعة قصب السكر التي يملكها والداه بالقرب من مدينة بيران في القطاع الشرقي من جزيرة كوبا. وكان والده مهاجرا إسبانيا، بدأ حياته كعامل ثم صار مالكا لـ 23000 فدان من الأراضي الزراعية.

أمضى كاسترو طفولته في تلك المزرعة، وعند بلوغه السادسة أقنع والديه بإرساله إلى المدرسة. وهكذا ارتحل إلى سانتياجو حيث بدأ دراسته في المدارس اليسوعية.

انتسب أولا إلى مدرسة دولوريس الابتدائية عام (1933) ، ثم معهد لا سال، وعند بلوغه الخامسة عشرة (1942) دخل معهد بيلان في هافانا متابعا دروسه الثانوية.. كان كاسترو تلميذا بارعا، ورياضيا متفوقا، وقد حصل على جائزة أفضل رياضي عام 1944.. وفي عام1945 التحق بجامعة هافانا حيث درس القانون وتخرج منها عام 1950. ثم عمل كمحامي في مكتب محاماة صغير وكان لديه طموح في الوصول إلى البرلمان الكوبي إلا أن الانقلاب الذي قاده فولجينسيو باتيستا عمل على إلغاء الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها ،مما دفع كاسترو لتشكيل قوّة قتالية وهاجم إحدى الثكنات العسكرية وأسفر هذا الهجوم عن سقوط 80 من أتباعه وإلقاء القبض على كاسترو وحكمت المحكمة عليه بالسجن 15 عاماً وأطلق سراحه في مايو 1955، ونفي بعدها إلى المكسيك ، حيث كان أخوه راؤول ورفاقه يجمعون شملهم للثورة ، والتحق الثورى تشي غيفارا بالثوار ليتعرف على فيديل كاسترو ويصبح جزء من تلك المجموعة الثورية .

حركة 26 يوليو : وعلى متن قارب شراعي ، أبحر كاسترو ورفاقه من المكسيك إلى كوبا وسُميت زمرته بحركة 26 يوليو ، و تحرك كاسترو عسكرياً مع ما يقارب من ثمانين رجلا في 2 ديسمبر 1956 واستطاع 40 من مجموع الـ 80 رجل الانسحاب إلى الجبال، بعد أن تعرضوا لهجوم غير متوقع من جيش باتيستا عند مروهم على الشاطئ ودخولهم كوبا ، وعمل على ترتيب صفوفه وشن حرب عصابات من الجبال على الحكومة الكوبية. .وبتأييد شعبي، وانضمام رجال القوات المسلحة الكوبية إلى صفوفه، استطاع كاسترو أن يشكل ضغطاً على حكومة هافانا مما اضطر رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى الهرب من العاصمة في 1 يناير 1959 على إثر إضراب عام وشامل جاء تلبية لخطاب فيديل كاسترو كاسترو ثم دخلت قواته إلى العاصمة هافانا بقيادة تشي جيفارا حيث كان عدد المقاتلين الذين دخلوا تحت إمرة جيفارا ثلاثمائة ..) ( النبذة نقلاً عن موقع محيط ).

وهكذا بعد مارثون إمتد لقرابة النصف قرن .. أطل الشيوعي الأخير فى رسالة نشرت يوم أمس الثلاثاء ليقول لشعبه : ( ..إلى مواطني الأعزاء.. الذين شرفوني بإنتخابي مؤخراً عضواً في البرلمان .. حيث تتخذ إجراءات مهمة لمصير ثورتنا .. أقول لهم إنني لا أطمح.. ولن أقبل - أكرر - لا أطمح ولن أقبل منصب رئيس مجلس الدولة ولا قائد القوات المسلحة ..) .. رغم تأكيده على أن نيته كانت الإستمرار حتى الرمق الأخير بقوله (.. كنت أرغب في إتمام واجبي حتى الرمق الأخير..) .. معللاً تنحيه عن السلطة بفتح المجال أمام جيل الشباب .. حيث أشار فى أحد مقاطع الرسالة لذلك بقوله ( .. واجبي الأول هو عدم التعلق بمهامي.. ولا وضع العراقيل أمام من هم أكثر شبابا .. بل تقديم خبرتي وأفكاري التي تأتي قيمتها المتواضعة من الحقبة المميزة التي أنعم علي أن أعيشها ..) .

.... رغم طول المدة التى قضاها هذا العجوز فى مواجهة أميركا من جهة .. وفى كتم أنفاس شعبه من جهة أخرى .. ورغم حسرته البادية على مغادرته السلطة بفعل أحكام الزمن الصارمة .. ورغم تأخره كثيراً فى إفساح المجال لجيل الشباب إلا أن ورود كلمة " تنحي " ربما ستجعل الشعب الكوبي يطمع فى أن ينظر الى المستقبل بعيون أخرى منذ صباح الغد . إن قصة التنحي عن السلطة .. مهما كانت طبيعة هذه السلطة سلوكاً نادراً فى الأمم المتخلفة .. ومرده لعوامل الوعي الثقافي أقرب من رده الى غيرها .. على إعتبار أن الجميع مستميت فى منصبه .. فلا تنحي أو إستقالات تذكر من مناصب كبرى .. ولا تنحي أو إستقالات من قيادة الأحزاب والجماعات .. ولا تنحي وإستقالات فى الحالات التى تستلزم ذلك كإصطحاب الفشل لسنين طويلة .. أو الإخفاق فى إنجاز المشاريع المعلنه .. أو للتلبس بأخطاء وممارسات كارثية .. أو حتى لإستنفاذ الوقت الطبيعي المنصوص عليه لشغر تلك المناصب .. الكل مستميت فى منصبه .. والكل لديه من المبررات والمسوغات ما تجعل ضميره فى راحة أو إجازة مفتوحة .. من سيدنا الوالي وشيخ الطريقة .. وحتى موظف الجبايات فى مبنى البلدية .. وصولاً الى شيخ العشيرة أدام الله ظله .

هي ثقافة .. نستطيع أن نلمحها فى سيرة الخلفاء .. كما يمكن أن نشاهدها فى مسيرة الزعماء .. فما الفرق بين من تربى على فكرة أنها " قميص " يُلبِسه الله المرء فلا يُنزع عنه أو منه .. وبين من تربى على فكرة الشرعية الثورية غير القابلة للتلاشي .. فكلاهما فى نظري ـ وبعيداً عن الحكم على النوايا ـ ينزع من فكرة البحث عن مصوغات للإستمرار فيما يظن أنه الطريق الأصلح للشعب .. وبالتالي فهو فقط فى حاجة الى شيء من الوقت من أجل إنجاز مهامه .. وهكذا يستقر تبرير التواجد وينتصب له ألف شاطر وعرّاف .. فيما تختفي بقدرة قادر عبارة " شيء من الوقت " لتتحول الى " وقت " يبدأ بالصعود الى سدة الحكم .. لينتهي متى شاء له القدر أن ينتهي بالنزول الى حلكة القبر .. وما بين هذا وذاك تستمر هذه الأمة فى المراوحة بين منطق التبرير .. ومنطق الخشية من الفتنة .. فلا هي أوجدت تقاليد أصلية للممارسة .. ولا هي كفت سيوف البغي والمُلك عن أعناقها .. لتخرج من خانة عد الأيام.. الى خانة عد السنين .. حتى وصلنا الى خانة عد القرون .. ولله فى خلقنا شئون .

ولكي نستمتع بما نراه عند الأمم التى يتنحى فيها القادة وهم فى ريعان الشباب .. وفى أوج العطاء ( توني بلير مثلاً .. ونيلسون منديلا نموذجاً ) .. ففي تقديري نحتاج الى وقفة مع ثقافتنا الدينية والمعرفية .. والى جيل يمارس حسنة التنحي وهو فى طور التكوين .. فلا يجد عضاضة من أن يتنحى من رئاسة الفصل الدراسي .. ثم من رئاسة الإتحاد أو النقابة .. ثم من رئاسة الحزب أو المؤسسة .. لنصل الى ثقافة التنحى عن هرم السلطة .. أما أن يأتي من يطالب خصمه بالتنحي وهو يعاني من فقر وشح واضحين فى ثقافة التنحي .. فهذه لعبة الشطار من أجل إمتطاء الرغبة المتعاظمة فى التغيير ولكن لمصلحة ذات الثقافة .. وأرجو أن لا أتهم بالإحباط إذا قلت بأننا عملياً أمام عُملة ذات وجهين .. غير أنه لا خلاف بين نقوشهما .. وهذه العراق أمامكم خير شاهد ودليل .. فكل الذين حاربوا صدام تحت الشعارات الكبيرة والجذابة ـ وطنية / إسلامية / ديموقراطية ـ لم يستطيعوا مقاومة إغراء السلطة .. ففصّلوا العراق على مقاساتهم ـ عمائم وكرفتات ـ .. والسبب أنهم ينتمون الى ذات الثقافة التى أنتجت صدام .. فلم يفرزوا بالتالي غير ممارسات شبيهة بتلك التى لعنوها ذات يوم .. فنحن فى هذا المثال امام عملة تساوت وجوهها .. ومن لديه غير هذا الوصف فليسعفني به .. من هنا تأتي الخشية من صراعات أجيال جمعتها ذات الثقافة .. وفرقها تقاسم الأدوار !! .

على أي حال .. تنحى أخيراً الثوري اليساري فى قاموس النضال .. والدكتاتور الشمولي فى قاموس السياسة .. تنحى قبل أن يموت .. وهذه فى حد ذاتها بارقة أمل فى دول وعوالم لا تعرف غير النهايات الدامية .. وكما يقال فى أمثلتنا الشعبية " البصيص فى بلاد العمي طرفة " .. وايضا يقال " أياكي أعني وأسمعي يا جاره " .

والسلام .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home