Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


عـيسى عـبدالقيوم

الثلاثاء 20 يناير 2008

لتكن ذات المعايير يرحمكم الله

(( إذا إنقسمت غزة بين مقاوم ومستسلم فأنا مع المقاومة .. أما إذا إنقسمت بين مسلوبي
الإرادة ومتدربي السياسة فسأذهب الى مستشفى الشِفاء لمساعدة الأطفال ))


عـيسى عـبدالقيوم

خاض التيار القومي (بمسمياته) حروباً طويلة ضد الحركة الصهيونية العالمية .. أو تمظهرها فى شكل دولة إسرائيل .. وحروباً أقصر على جبهات أخرى .. وكانت الأحكام والتقييمات ضد ما أفرزه الصراع منطلق من عمليات تعيير وتقييم ما أنجز على الأرض .. فجاءت على سبيل المثال أغلبية تقييمات التيار الإسلامي لما قام به الرئيس الراحل " جمال عبدالناصر " على أنه فشل ذريع ومنزوع البركة .. بالنظر لنتائج ممارساته وقرارته .. وهذا ما حدث مع الراحل الأخر " ياسر عرفات " فقد قيل فيه ـ أثناء صراع منظمة التحرير مع إسرائيل ـ ما لم يقله مالك فى الخمر .. وقيمّت تحركاته وتكتيكاته بميزان الذهب المرهف .. وصعد التيار الإسلامي على أكتاف ما قيل أنه فشل عرفاتي مع مرتبة الكفر .. وعلى هامش ذات السياق .. وبذات معايير وحسابات ما على الأرض قيمّت كذلك أفعال السيد " أسامة بن لادن " .. وناله من اللوم والتقريع والتوبيخ ما ناله .

فإنتقد التيار الإسلامي عبدالناصر ( قديماً ) ..وعرفات (حديثا ) ولم يجدا من يجاملهما فضلاً عن أن يرحمهما .. وقيّمت أعمالهما بمعايير وموازين صارمة .. وأنا هنا لا أدافع عن " ناصر " .. ولا عن " عرفات " .. ولا أريد إعادة كتابة التاريخ .. وكي يطمئن من فى قلبه لبس .. سأذهب أبعد من ذلك وأقر بأنني لن أطالب بتغيير المعايير التى ألهبت ظهرهما .. وجيشت الأمة ضدهما .. بل ربما سأعتبرها موضوعية فى الكثير من نواحي توصيفها .. وصائبة فى الكثير من مستويات تقييمها للأفعال .

فقط .. وعبر بوابة { إعدلوا } الإسلامية جداً .. سأطالب بتطبيق ذات المعايير على ما حدث فى غزة .. وأن لا نرهب من إحتمال مجيء نتائج متواضعة .. فقد حكم التاريخ على من سبق التيار الإٍسلامي فى ميادين الصراع بمعايير وحسابات المعركة على الأرض .. فلا مناص من قبول ذات المعايير مع التيار الإسلامي .. وفى هذه سنجد القرأن الكريم ذاته قد قيّم قبل مئات السنين معركة " أحد " بما حدث على الأرض وليس ببقاء الإسلام .. أو نجاة النبي صلى الله عليه وسلم من مكائد أعداءه . سادتي : لست بصدد تحليل المعركة وإصدار أحكام .. ولكنني طالعت بعض المقالات ( عربياً ) فوجدتها قد أبعدت النجعة فى الوصف .. وخلت تقريبا من الموضوعية فى تقدير الأمور .. وقفزت على معايير التقييم بعبارات عاطفية .. فخلصت الى نتائج أقل ما يقال فيها أنها خضعت لعملية تضخيم قصري .. لقد أشبعنا التيار " القومجي " شعارات .. وتبريرات .. وقلب لنا الصورة عبر تاريخ طويل وشاق .. فأرهقنا وأرهق المنطقة بأسرها .. فأرجو أن لا نجد أنفسنا اليوم أمام ذات التخريجات .. مع إضافة بعض الأيات والأحاديث النبوية هنا أو هناك .

لا أريد أن أصدر أحكاما .. ولا أريد فى هذه العجالة أن أقيم ما صارت اليه الأمور فما زال الوقت مبكرا.. ولكنني ـ بما أن مارثون الحديث عن ما بعد غزة قد إنطلق ـ أطلب وبقوة أن تحترم قواعد التقييم والنقد .. وأن لا نرى مشهدا " ثيوقراطيا " يبرر ما حدث بعيدا عن ساحة المعركة .. أو أخر " ديماغوجيا " يبتسر العلاقة بين الأشياء بعزلها عن طبيعتها .. وأن لا تدمج فكرة النضال بأشخاص أو تجمعات بشكل عضوي يصير من خلاله نقدها أو معارضتها يعني بالضرورة النكوص عن فكرة مقاومة المحتل إينما كان .. ولنتذكر بأننا بصدد الحديث عن الجهد الحربي وهو على الجملة جهد بشري .. وخاضع لقواعد الحراك البشري الى أبعد الحدود .. حتى عندما يخوضه الأنبياء .. وهنا تروي كتب السيرة أن من أبرز أسباب النصر فى معركة " بدر " مثلاً .. نزول النبي صلى الله عليه وسلم عند رأي مسلم عادي وتركِه لرأيه .. بل ونفيه لأن يكون تدبيره مرتبط بالوحي .. وكذلك نجد من أبرز أسباب هزيمة " أحد " .. نزول النبي صلى الله عليه وسلم على رأي شبان " المدينة المنورة " .. وتركِه لرأيه .. وسجّل لنا " القرآن الكريم " كلا الحادثتين .. فأوكل النصر فى الأولى الى الفعل البشري لجموع المسلمين فقال { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } ( الأنفال ) .. وأوعز الهزيمة فى الثانية الى الفعل البشري ايضا .. فقال { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة } ( ال عمران) .

عليه فلتكن منطلقاتنا فى الحديث عن النصر أو الإخفاق منصبة على الفعل البشري .. ووفق معايير التقييم المتعارف عليها .. والتى تستهدف تفكيك المشهد على الأرض والخروج بنتائج ذات علاقة مباشرة به .. ولا أريد أن أذكـّر البعض بأن للعدد ( البشر ) مكانته المقدسة فى الإسلام حتى أن القرآن لم يسم تراجع الـ (100) عن مواجهة أكثر من الـ (200) بالفرار .. بل وصف بـ ( الإنحياز ) .. وطالب به وحث عليه .. بل ربما جعل البعض عدم الإنقياد لهذا الأمر نوعاً من العصيان .. بقوله { الأن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } (الأنفال ) .. فى إشارة الى أن الصمود فى حد ذاته .. وعلى حساب أرقام الشهداء .. لم يكن يوماً مطلباً إسلامياً .. وأن المقصد من الحرب كان دائما تحقيق المصلحة .. وفيما عدا ذلك سنجد الكثير من المعاهدات التى جسدت الوجه الأخر للنضال ( النضال السياسي ) .. والتى ربما اجحفت بعضها المسلمين وأبخستهم حقهم .. كما تبدو فى ظاهرها .. منها ما قـُبل بعد التداول " كصلح الحديبية " .. ومنها ما رفض كمشروع ميداني عقده النبي صلى الله عليه وسلم " يوم الأحزاب " يقايض فصائل من العدو على إنهاء حالة المواجهة مقابل ثمن (= حصة من ثمار المدينة ) .. والناظر فى كل ماسبق مجتمع ( = ماورد فى القرآن + السيرة ) يخلص الى أن فكرة الحرب والسلم ( فى الإسلام ) كانت موكولة للجهد البشري حتى فى حضور النبي صلى الله عليه وسلم .. وهذا ما نرجو أن يستمر فى الفكر الإسلامي .. وأن تقييمها كذلك لا يختلف كثيرا عن تقييم حروب الأخرين .. وهذا ما سجله القرآن الخالد .. ولم يعتبر تسجيله ( كنقد) .. والحديث عنه ( كحدث سلبي ) من أسباب الخذلان .. أو الفت فى عضد الروح المعنوية .

على أي حال .. وبالإضافة الى ماسبق .. ربما أكثر ما دفعني للكتابة ما طالعته صباح هذا اليوم على لسان السيد إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية ( نقله تلفزيون الأقصى ) حين وصف ما حدث فى غزة بأنه " نصر إلهي " !! .. ( وهو ذات شعار حزب الله فى حربه الأخيرة ) .. فهنا تحديدا تضيع الإشارات ونفتقد القدرة على تحديد الإتجاه .. فبصراحة وبدون مؤاربة .. أنا كمسلم أولاً .. وكمنحاز للقضية الفلسطينية العادلة ثانياً .. لا أقبل هذا الوصف لانه سيلقي بظلال قاتمة على فلسفة السببية فى الإسلام .. وسيحيل المنطق والوعي والعقلانية لخانة العدم .. وسيُفرغ مبدأ " تحمل المسئولية " من مضمونه .. أرفضه إنسجاما مع النسق القرأني .. وكي لا تتحمل السماء أخطاء وخطايا أهل الأرض .. وأردد مع رب العالمين { قل هو من عند أنفسكم } .. فما أراه على الأرض ينبغي أن لا ينسب الى السماء .. إن كنا نؤمن بالله واليوم الأخر .. ونستحضر الفوارق بين السنن الكونية .. والسنن الإلهية والسنن الشرعية .. وإذا كنا حقاً نرغب فى بناء " دولة مدنية " للناس فيها حق محاسبة قادتهم .. وكي نمحو ظلال نموذج دولة " ظل الله فى الأرض " .

نعم ثمة إنتصار لشعب غزة تحديدا .. لقد إنتصر بصور أطفاله الممزقة .. إنتصر بمشاهد الرعب فى عيون الأمهات .. إنتصر عبر صراخه من الألم .. إنتصر عبر بيوته ومدارسه ومستشفياته المدمرة .. لقد إنتصر بعزيمته وإيمانه فى معركة البقاء والتشبث بالأرض .. إنتصر وظل متشبثاً بالشبر الأخير من بقايا وطنه .. بل لعلي أزعم بأنه نجح أيضا فى تغيير نظرة العالم لإسرائيل كدولة مستضعفة ومستهدفة ولشخصية اليهودي الضحية المغلوب على أمره .. لقد كانت قوة شعب غزة فى ضعفه .. ومثــّل فلسفة إنتصار الحياة على الموت .

أما معركة المقاومة الميدانية ( = شقيها العسكري والسياسي) .. وبالنظر لما كانت عليه الأوضاع قبل بدء المعركة وإعلان إنهاء الهدنة .. وما نحن عليه اليوم .. من عودة الإحتلال والبحث عن صيغ للتهدئة .. وما تحت أيدينا من أرقام ومعلومات فيحتاج الى معايير أخرى .. معايير فعّـلت ذات زمن قريب ضد من قادوا معارك مشابهة دون حرج أو تلكك .. فأرجو أن نراها بين ثنايا ما يكتب من أجل مصداقية أكثر .. وعقلانية أوثق .. ولتكن النتائج بعد ذلك محل خلاف فلا ضير.

سادتي الكرام : أعلم أن الخطب جلل ..وأن الجرح فى الكف .. ولكنني ايضا أعلم أن العاطفة وحدها لا تكفي .. وأن الحديث الجاد المبتعد عن منطق التبرير .. المقترب من منطق التفسير هو وحده ما يجب أن يسود فى هذه المرحلة .. فالمعركة مع الدولة الصهيونية ستطول .. ونقد ما يحدث بصورة أكثر موضوعية أتصور أنه أحد أجنحة النصر .. والرهبة منه ستؤدي حتما لتورمات لا تلبث أن تنفجر فى وجوهنا .. كما إنفجرت تورمات التيار القومي .. وأنتجت الكارثة .... أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. أما شعب غزة فقد إستغفر له ملايين الشرفاء من رواد الصوامع والبيّع والصلوات .. ومن لا قبلة لهم غير ضمائرهم .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home