Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 20 January, 2007

 

في عـريـن الألـم

فصل من فصول قضية الإيدز
( 1 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم

لم أكن أتصور وأنا أتجه ـ رفقة أحد الأصدقاء ـ نحو إيطاليا بأنني أتجه نحو عرين الألم .. وأن الرحلة ستجبرني على الإعتراف ـ رغم ما كتبته عن قضية الإيدز ـ بأنني كنت أرسم صورة مبسطة للألم الذى تختزنه قضية بحجم قضية الإيدز .. فما شاهدته يفوق حد التصور .. فهناك قصة الضحايا .. وهناك قصص أخرى مسكوت عنها .. منها قصة أسر الضحايا .. وقصة تقصير مؤسسات الدولة.. وهناك أخطر القضايا وهي عدم إكتراث المجتمع وتخليّه عن واجبه الإنساني والأخلاقي .. أريد أن أتحدث عن كل ذلك فأرجو أن تسعفني العبارات .. فالموضوع أكبر وأخطر من أن ألملم أطرافه فى تقرير من ورقة أو ورقتين .. فالألم الجاثم على صدور أولياء الأمور عظيم الى درجة لو أنه سكب على قارة لأحالها الى سواد قاتم .. فكيف وهو يفترس بيوتاً صغيرة وفقيرة وسط لامبالاة من أطراف يفترض أن وظيفتها رعاية الشعب دون تمييز بين أفراده .

لا أدري من أين أبدأ فكل ما شاهدته يصلح ليكون بداية جيدة.. حسناً سأبدأ من الفكرة ذاتها.. فهذه المرة الثانية التى أقترب فيها من الضحايا وأسرهم.. كانت الأولى فى فرنسا.. وجاءت فى ظرف إستثنائي.. ثم كانت هذه الرحلة يوم الإربعاء 17 يناير2007م.. والدافع شعور بالخجل من تقصيرنا تجاه هؤلاء الأطفال.. فهذه أغرب قضية "رأي عام" أشهدها فى حياتي.. فهل سمعتم عن قضية "رأي عام" لا تهم الرأي العام؟!! نعم هذه هي الحقيقة.. ومن ليبيا يأتي الجديد.. يا سادة يا كرام.. يا سكان أوربا تحديداً.. هؤلاء الأطفال ـ و من كبر منهم ـ ضيوف عليكم.. وتتعرض قضيتهم لضغوط شديدة جداً.. فأين أنتم منها ومنهم؟!.. يا سادة هؤلاء الضحايا يحتاجون الى وجودكم الى جوار أسرّتهم.. فلتذهب السياسة الى الجحيم إذا كانت مواقفها لا تزيد على مظاهرة خجولة.. أو كتابات من وراء الحجب.. أو صراخ عبر فضائيات همها الأول إبتزاز الأنظمة عن طريق معارضات "مخصية".. فلا يمكن لأي صحفي أو مراقب أن يصدق أن قضية الإيدز قضية "رأي عام" وهو يشاهد ضحاياها ينتشرون فى ثلاثة دول أوربية.. دون أن تلتفت إليهم وسائل الإعلام الليبية.. خاصة منها تلك التى تستوطن أوربا.. إنهم يفتقدونكم كبشر.. يفتقدونكم كليبيين.. وأخيراً يفتقدونكم كإعلاميين من صميم عملهم المهني والأخلاقي متابعة قضاياهم وإيصال أصواتهم .. فلا تمنحونهم ظهوركم وهم أحياء .. ثم تنوحون عليهم بعد الممات.. ففى قضية الإيدز عدة مستويات .. منها ما يجب أن نتفق عليه جميعاً .. الدولة والمهجر وأولياء الأمور .. وعلينا أن لا نسمح بتسييس ـ هذا القدر على الأقل ـ وجعله محلاً للتنافس أو المزايدة .. وعندما نصل الى المستويات التى نختلف حولها سيكون لكل حادث حديث .. وعندها ستفتح ملفات كثيرة .. وفى هذا السياق سنرفع القبعة كثيراً لجهود جمعية أولياء أمور الضحايا .. ولرئيسها السيد أدريس لاغا .. والسيد رمضان الفيتوري .. ولكل الأباء الذين يركضون من أجل أن لا تضيع حقوق أبناءهم .. وتحية كبيرة للأمهات رمز المقاومة لهذه القضية.

من هنا كانت البداية.. فما أعتبره واجبي قادني الى كرسي الطائرة.. وقدماي قادتني الى سرير "عبدالمجيد صالح التهامي".. صافحته وجلست الى جواره على سريره بمستشفى "إسبنزلاني ـ روما".. فى تلك اللحظة كنت كمن يحاول أن يسترق النظر لرؤية ذاك الوحش القابع فى عروقه.. كشف عن جسده.. وشرع يشرح لنا ـ كما لو أنه أستاذ فى علم التشريح ـ عن شرايينه التى لم تعد قادرة على تقبل أنابيب أجهزة غسيل الكلى.. فأغلقت شرايين فى الكتف .. وأخرى فى الرجل .. وفتحت ثالثة فى البطن .. كنت أحاول أن أبدو متماسكاً .. فلا يمكن لبشر أن يحتمل كل تلك المشارط التى تطارد أثار " الوحش " الهائج داخل الجسد النحيف .. كان يتحدث دون أن يفقد إبتسامته .. وأنا أستمع دون أن أغفل عن معركة الإرادة الدائرة بين الحياة والفيروس القاتل التى تخاض فى تلك اللحظات تحت الجلد الأسمر الذى يخاله الغافل ساكناً لا يتحرك .

عبدالمجيد يبلغ من العمر "23 " عاماً .. من مدنية " القبة " شرق ليبيا .. وهنا تعمدت أن أذكر الرقم لتصحيح بعض الأخطاء .. فالأطفال لم يعودوا أطفالاً.. فهم الأن شباباً .. ومن الخطأ وصف بعضهم ـ إعلامياً ـ بالأطفال .. وصاروا يعرفون قضيتهم جيداً .. ويعرفون كل كبيرة وصغيرة عن مساراتها وإتجاهاتها .. يعرفون حقوقهم الممنوحة والمسروقة على السواء .. حكى لي عن كل شيء .. عن بدايات المرض .. وعن يتمه وفقدانه للأب .. وعن عمه الذى وصفه بأنه بمثابة والده وزيادة .. وعن حرمانه من إتمام دراسته نتيجة لبعد المدرسة عن مكان العلاج .. ولإسباب أخرى يتحمل وزرها المجتمع " المتخلف " ومؤسساته .. سألته عن الكيفية التى يقضي بها وقته ؟!.. فقال : فى متابعة المواقع الألكترونية .. خاصة الثقافية منها .. وعندما سألته : الثقافية فقط ؟! .. أضاف : لا .. بل والطبية أيضا .. فالمرض دفعني للتعرف على الكثير من المواقع الطبية .. وعن أمنياته يتحدث عبدالمجيد قائلا : عندما أفقت من العملية يوم أمس .. تمنيت أن أزور مكة المكرمة .. وأيضا لدى عبدالمجيد رغبة فى زيارة بريطانيا .. ويرغب فى العودة لدراسته فى أقرب وقت .. أمنيات لا تكلف أقل رجال الأعمال حظاً مكاسب يوم فى حياته .. ولكن عبدالمجيد يراها بعيدة المنال .. ردّدت أمامه عبارة " ما على الله صعيب " .. وأنا أستحضر فى نفسي بعض الشخصيات المحبة للخير .. وأمل أن تكون رسالة عبدالمجيد قد وصلت إليها .. إنتهت الزيارة .. وأصر " عبدالمجيد " على مرافقتي وصديقي الى خارج المستشفى .. وعندما ودعته سألته : هل أنت راضٍ عن الحكم بالإعدام على البلغاريات ؟!.. أجاب بسكينة أحسده عليها : أعرف أنهم قد يتلاعبون بالحكم .. ولكن الحكم النهائي والعادل بين يدي الله .. وعندما إلتفت عبدالمجيد عائداً الى سريره .. لمحت صديقي وهو يحاول أن يخفي دموعه عنه .

الى مستشفى "الماير" بمدينة "فرانسيا".. أين يتردد "محمد عاطف المجبري".. البالغ من العمر"8" سنوات.. شاهدته يقفز.. ويضحك.. ويملأ الدنيا حيوية.. ويغمر المحيط فرحاً.. فهو لم يدرك بعد ماذا يعني أن تكون مصاباً بفيروس "الإيدز".. تحدث والده.. فيما جلست الأم تراقب إبنها بقلق واضح .. تحدث عن كيفية حقن إبنه الذى كان عمره يومئذ "52" يوماً فقط .. وعن رحلة العلاج المريرة .. وتحدث طويلاً عن المشاكل الإجتماعية التى تضاف الى فاتورة المرض .. كان الوالد يتحدث .. وأنا أرقب " محمد " وهو يلهو فى " بهو " المستشفى .. لم أستطع أن أقاوم الرغبة فى المقارنة بينه وبين إبني الصغير.. أو بين إبن أي أب فى الدنيا .. كان يفترض أن يكون الأن على مقاعد الدرس .. أو فى نادٍ .. أو حديقة يلهو مع أترابه .. أي جريمة هذه !! .. أي أخلاق التى يتغنى بها السيد بوش .. وأي قيم التى ينطوي عليها دستور الإتحاد الأوربي العظيم !! .. هكذا بكل بساطة المطلوب إطلاق صراح البلغاريات دون شرط أو قيد !! .. لو إقترحوا فكرة إقامة " محكمة دولية " فلربما قلنا أنهم لا يثقون فى القضاء الليبي .. ولكن أن تحسم القضية بقرار سياسي فهنا أحد علامات الإستفهام الكبيرة حول الدوافع وراء تكالب أوربا وأمريكا على فكرة حسم القضية سياسياً .. وهذا ما يحتم علينا التشبت بالقضية لإفهام الغرب بأنها قضية رأي عام .. وأنه لا الدولة الليبية ولا معمر القذافي .. يستطيع أن ينهي هذه القضية عبر القرار السياسي فقط .. عموما قبـّلت محمد كأب يستشعر معنى رؤية إبنه يلهو مع الموت البطيء .. وغادرت الى الشارع وأنا أحمل المزيد من علامات الإستفهام .

الى مستشفى "البنبينو جيسو" بروما.. ومحاولة زيارة طفل هناك.. ولكن للاسف لم تتم لعدم حصولي على الإسم كاملاً.. مما تعذر معه الوصول الى القسم الذى يرقد فيه الطفل.. وهناك إلتقيت "ضحى السيد عماد الدين" البالغة من العمر ثمان سنوات .. وهذه الطفلة تنفرد عن الجميع بكونها يتيمة قادمة من دار الرعاية .. هادئة .. تبتسم لكل من ينظر إليها .. فى أعماق عينيها حزن يحتاج الى ألف ديوان لشرح مفرداته .. تمتمت فى أذنها ببعض العبارات فى محاولة لإستدراجها فى الكلام .. ولكن يبدو أن صخب المكان جعلها تكتفي بإبتسامة صغيرة .. أعترف بأن قصتها هزتني بقوة .. وأن الدنيا قد قست عليها كثيراً .. ولو لم يحقن البلغار والطبيب الفلسطيني غير هذه الطفلة لكان حكم الإعدام قليل فى حقهم .. وأنا أدعو السيدة " دارين لحجوج" لزيارة الضحايا لتعرف حجم الجرم الذى إرتكبه شقيقها .. ولتطلع على أوراقهم الطبية بعناية ففيها ما يكفي لجعلها تتحدث بشئ من المنطق بدلاً من الهراء الذى تنشره عبر الإعلام .. وربما من الأجدر بها أن تأتي الى حيث يرقد الضحايا وتطلب منهم العفو والغفران لشقيقها .. فهم أناس طيبون يا سيدة دارين .. وربما أسهم وجودك بينهم فى ترقيق قلوبهم ونيل عفوهم .

وفى ذات اليوم صافحت "جليلة محمد الدرسي" (19) سنة.. و"سعاد مصطفى العقوري" (17) سنة.. ولم أتمكن من زيارة "رشيدة السنوسي الوسيع" (21) سنة.. و"خلود عبدالرازق البهلول" (12) سنة لإقامتهم فى مكان بعيد خارج روما.

هكذا يبدو المشهد العام لقضية الأيدز .. أطفال .. وشباب .. وشابات يقاومون المرض بإرادة كالحديد .. يتمسكون بحقهم فى الحياة .. وينظرون الى المستقبل من ثقب الأمل .. الأمل فى قدرة الله على الشفاء .. الأمل فى سعي البشرية لإيجاد حل للغموض الذي يغلف المرض .. الأمل فى غدٍ أفضل .. وينظرون الى عدالة تنصفهم .. والى مجتمع يمد إليهم يد الحب والحنان قبل يد الواجبات .. ولو توقف المشهد عند هذا الحد لكان فيه ما يكفي من الألم والعذاب .. ولكن ليس هذا كل شيء .. فهناك ما يمكن أن نتحدث عنه فى القضية .. فماذا عن الهمس الذى يدور حول عزل العائلات إجتماعياً دون تدخل مؤسسات الدولة ؟!.. وماذا عن الكولسة ؟!! .. وماذا عن سرقة مستحقات الضحايا ؟!.. ماذا عن معاناة أولياء الأمور التى باتت تضاهي معاناة الضحايا أنفسهم؟!.. وماذا عن السفارة الليبية فى روما.. التى سألت بعض المرضى ممن تكاد مدتهم تصل الى التسع أشهر: هل زاركم السفير الليبي.. أو القنصل؟!.. فكان الجواب: لا.. وصمتوا لأنهم يعرفون أن الحديث عن الوحوش الكاسرة قد يهيجها.. مما قد يفقدهم فرصة علاجهم بجرة قلم.. إذن للحديث بقية.. فللفساد والفاسدين وكر فى روما.

والسلام

عيسى عبدالقيوم
yumuhu65@yahoo.com


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home