Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الإثنين 19 اكتوبر 2009

من يحكم (أم) كيف يحكم؟!

ورقة على أعتاب إنعطاف الحالة الليبية

عـيسى عـبدالقيوم

كتبت منذ أكثر من ثلاث سنوات عن ملامح العلاقة بين الثقافة والسياسة .. وكان من بين ما أوردته كخطوط تمايز بين المثقف والسياسي .. أو كبوابة لإستشراف المستقبل قبل أن تداهمنا خطوبه ونتحول الى خانة " ردة الفعل " .. ضرورة تسليط الضوء ـ بشكل إستباقي ـ على إستحقاقات مساري معادلة الحكم : " من يحكم ؟! " و" كيف يحكم ؟! ".. مع التنويه ( أثناء تفكيك " الفكرة " ) الى ضرورة ملاحظة أن المنطق السياسي يهتم ـ أثناء تصفح مدونة شئون الحكم ـ بمسار " من يحكم ؟!".. أما المنطق الثقافي فينجذب أكثر نحو مسار " كيف يحكم ؟!" .. طرحت الفكرة يومئذ ( واليوم ) من أجل التعرف على الطبيعة الوظيفية لكل منهما كي لا نخلط الأوراق ككل مرة .. وكي لا تتحول الحوارات الوطنية الى حصة " محفوظات " ! .

على أي حال ... يمكن القول بأن السياسي من طبيعته وطبيعة المسار الوظيفي لمهنته ـ أو شغله الشاغل ـ أن لا يرضى بالخصم مهما كانت طبيعة هذا الخصم .. وهذا ليس بدعا من القول أو قدحاً فى المنقول .. فكل معارضات العالم تعمل ليلاً نهاراً على إزاحة الخصوم من أجل أن تحل محلهم .. لتتحول هي بعد ذلك الى مقاعد الحكم ويتراجع الخصوم الى مقاعد المعارضة .. لنعاود مشاهدة نفس فصول الحدث مع تغير فى الأدوار .. طبعاً دون أن نتوقع حصول مشاهد من ملحمة داحس والغبراء .. ولعل هذا أحد أهم الفروق بين صور أنظمة الحكم المقترحة .

وفى المقابل نجد المثقف يهتم بالدرجة الأولى بإستحقاق " كيف يحكم ؟! " .. كي يطمئن الى الأسس التى ستدار عليها العملية السياسية من جهة .. ومن جهة أخرى كي يسهم فى ضبط مصلحة الوطن على معيار ثابت بعيد عن الشخصنة .. معيار يأوي الى الركن الشديد ( = القيم والمبادئ المؤسسة للدولة ).. كون الدولة أثناء حركة التجاذب السياسي ثابتة ـ او يفترض أنها كذلك ـ .. أما الأجندات السياسية فمتغيرة بتغير الأشخاص .. أو الأيديولوجيات المتناوبة على سدة الحكم .. ولعله من المهم التذكير بأننا نتحدث ـ هنا تحديداً ـ عن الأليات .. وليس عن المضامين .

وإذا كانت مسارات بوزن " من يحكم " و " كيف يحكم " قد تقع على قدم المساواة من حيث الأهمية .. فهي بكل تأكيد ستتفاوت عند الحديث عن سلم الأولويات .. ويتأثر هذا التفاوت ـ صعوداً وهبوطا ـ بعدة عوامل ربما أهمها تأثير عنصري " الوعي والتجربة " .. وبما أن الحالة الليبية تقع ضمن حزام تأثير الثقافة الدينية والقبلية .. وهما عاملان أفرزا ثقافة " الخلاص الفردي" و " الفرد المُخلـّص " .. وهي ـ على كل حال ـ ثقافة طاردة لكل ما يحتاجه العمل على تعميق فلسفة " من يحكم ".. خاصة فى منطقة نتفق على أن مناخ التصحر السياسي يطبق عليها.. مما أضاف المزيد من المعوقات على هذا المسار .. فبالمشاهدة ثبت أن ثقافة الموروث القبلي والديني ( التقليدي) درجت على إفراز ما يربك بسط ثقافة " من يحكم " بشكلها النموذجي أو المقبول حتى .. كونهما يقدمان بشكل واضح وجلي " الولاء " على " الكفاءة " .. ويجنحان نحو تحشيد الناس بعيدا عن ثقافة " الحياد الإيجابي " أحد أهم مقومات إدارة تنافسية " من يحكم " .. مما يجعل مسار " من يحكم " متعثراً ليس بسبب السلطة فقط بل بسبب الشارع ونخبه هذه المرة .. وبتأثير مباشر من عنصري الموروث القبلي والديني .. وهما ما لا يمكن تجاوزه بسهولة فى الحالة الليبية .

وعليه فربما سيكون تقديم مسار " كيف يحكم " على مسار " من يحكم " له ما يشفعه .. دون الإنزلاق نحو سياسة تبرير ما لا يبرر .. أو تسويغ الدكتاتورية .. أو إهمال إستحقاقات المسار الثاني .

فعندما نكون على مسافة ضيقة من " العجز " فى ضبط حركة " من يحكم " .. سواء بسبب إشكاليات فتاوى دينية مدمرة .. أو بسبب عقلية القبيلة الخانقة .. أو لندرة التجربة وشح المثال .. وما تؤدي اليه هذه الخطايا مجتمعة من عزوف لدى الشارع عن مؤازرة أي اجندة تبحث فى تطوير مسار " من يحكم " وتفقِده البعد الشعبي الذي يحتاجه كي يتقدم على سلم الأولويات .

أقول عندما يكون ذلك كذلك يبدو لي أنه سيكون من المنطقي / والواقعي تقديم مسار " كيف يحكم " .. من أجل التقليل من الأثار الجانبية لتفلـّت أو إنعدام أليات ومعايير وثقافة " من يحكم " .. شريطة جعل هذا التقديم بمثابة الداعم لترسيخ ثقافة الدولة المدنية .. وربطها بمصلحة المواطن المباشرة .. فحضور الدولة ومؤسساتها وأسس بعثها قد يُجبر قصور أو تقصير الفرد ويكبح جماحه على نحو ما .. أما حضور الفرد وغياب الدولة فمن شأنه فتح باب الخطايا على كل التكهنات .. وبصورة أوضح إتفقوا على إمكانية بعث الدولة المدنية الحديثة بقواعدها المعروفة (= كيف يحكم ).. وإختلفوا ما طاب لكم حول من يدير شؤونها (= من يحكم ).. فحضور الدولة يُجبر كسرها .. أما حضور الفرد فسيظل مرتبطاً بقدراته الذاتية .. وسيظل غيابه يجسد غياب مقومات حياة الدولة .. هذا ما تحكيه تجارب العالم .. وهكذا هي الطبيعة البشرية فى ظل غياب فلسفة " الشراكة فى الوطن " .

وعليه .. وبالنظر لما تعانيه الحالة الليبية من ندرة فى تقاليد ممارسة العمل السياسي .. وحالة الإرباك الناتجة عن تجربة العقود الماضية .. فإنني أقدّر بأن تقديم مسار " كيف يحكم ".. سيكون الأكثر واقعية والأكبر ثماراً .. فالجدل حول الأشخاص لن يتوقف ـ وهذه طبيعة العمل السياسي ـ حتى فى ظل وجود ثقافة وأليات ومعايير " من يحكم " بشكلها المقبول فى أكبر الدول التى تديرها العقلية الديمقراطية .. فما بالك بدول منطقة تديرها عقلية " العشيرة " .. فالعمل على الضغظ على مسار " من يحكم " وإقتراحه كبداية فى ظل إفتقاره لمقومات البدايات .. سيجعلنا كمن ينظر الى طفل عالق فى " باب دوّار " .. وأكرر بأن تقديم هذا المسار أو ذاك على سلم الأولويات لا يعني بحال إهمال أو شطب أي إستحقاق للمسار الأخر .. فهو ترتيب تتطلبه المصلحة الوطنية وتفرضه ظروف موضوعية غاية فى التعقيد .. وربما فى تقديم مسار " كيف يحكم " على المدى القصير .. ضمان لترتيب مسار " من يحكم " على المدى الطويل .. وفى ترتيبهما معاً ضمان لولادة دولة المواطنة والرفاهية والأمان والإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي .. ودائما على خلفية التدرج التصاعدي المنطلق من نقطة " اجندة الأحد الأدنى " .

ومن أجل تفكيك عنوان مسار بحجم " كيف يحكم " .. وتحويله الى أجندة عمل تستهدف مصلحة الوطن العُليا ومستقبله ( الإستراتيجي ) سيكون من المشروع لنا ان طمح الى مد ثقافي مدني .. له القدرة على وضع ورقة الشارع على طاولة أي حوار جاد .. نحتاج الى قليل من المصارحة .. وكثير من التنازلات المؤلمة .. وبعضا من التسامح حيال المستقبل .. دون الحاجة للنزول تحت سقف المقبول فى دنيا السياسة .. والمقبول هنا ـ دون أي فذلقة أو تلعثم ـ هو أسس وقواعد بناء دولة القانون والدستور والمواطنة الكاملة .. والوسيلة هي تفعيل مبدأ " الإشتباك الإيجابي " ثقافيا وسياسيا .. بشكل سلمي / شعبي له القدرة على إنتاج موقف مستقل حال تطلب الأمر ذلك .. وصاحب إرادة شجاعة فى قول كلمة " نعم " تماما كما يطلق كلمة " لا " عندما يحين وقتها .. وفى ذات الوقت قادر على إدارة ( + التعاطي مع ) مشهد ثقافي سياسي إجتماعي حيوي وفق الأليات التى يدير بها العالم شئونه ويحل بها أزماته .. مدٌّ لا ينزع الى منطق الثأر .. ولا يتنازل عن مفهوم المواطنة .. يتعايش مع الأخر مهما كانت زاوية الإختلاف .. ولا يتوانى عن التصريح بإختلافه معه حال حصوله .. مطلبي حيال حقوقه وطني حيال واجباته .. يقبل القسمة على إثنين .. ولا يقر بالوحدانية إلا لله ! .. على هذا النحو دائما ما يطيب لي أن أفسر مصطلح "الإصلاح" ..ولا أخفي قلقي حيال بعض التفسيرات التى أمل أن لا تكون عبئاً على المصطلح فهما وممارسة.

علي أي حال .. فى ليبيا .. وبمناسبة الحديث ـ همسا ـ عن هيكلية جديدة .. وعن الحاجة لمناصب ودماء جديدة .. والحديث ـ تمتمة ـ حول دستور وحزمة قوانين .. والى ما ذلك .. أجدني أبدي الرغبة بأن يتفهم المثقفون دورهم جيدا فى هذه المرحلة .. وأن ينتصبوا لأداء مهمة المشاركة فى الحديث عن المستقبل .. كون صناعته بمعزل عنهم .. أو وسط صمتهم ستفقدهم خصوصية الإعتراض أو النقد عقب إكتمال المشهد وبلوغه النصاب ..ولن تقبل منهم " الحكمة " بتاريخ رجعي .. فدورهم اليوم من شأنه أن يجعل الصورة حال إكتمالها أقل نواقصا .. وأكثر قبولا فى أوساط الشعب .. وكذلك ستمنحهم الرضا تجاه أنفسهم وأوطانهم .. وقد قيل قديماً : " فما لا يدرك كله لا يترك جله " .. والحقوق لا توهب على طبق من ذهب حتى بلاد "العم سام " المهووسة بكل ما هو ديمقراطي ! .

ولن أتوانى فى تكرار عبارة : أن أليات النقد والإحتجاج .. والأخذ والرد .. فى أحد مستوياتها عبارة عن إنضاج للقرار .. وتحمّل للمسئولية الوطنية والأخلاقية تجاه الوطن .. والسياسي الذي يضيق صدره أو يأنف من سماع النقد أو قبول الإعتراضات على بعض ما يقترح أو يعمل .. هو فى الحقيقة مشروع دكتاتور واعد .. وتركه دون مشاححة أو مناصحة هو نوع من تشجيعه على إرتكاب المزيد من الخطايا .. وتحفيزه على إسقاط مبدأ " المواطنة " من حساباته .. وسياسياً هو أثم .. أثم .. أثم .. إثمه وإثم من يدفعه الى تلك المهواة سواء بسواء .

وعليه فإننا نأمل أن لا يتم النزول عن مستوى الإسهام فى مسار " كيف يحكم " الى مستويات لم تعد مستساغة .. كالعزوف عن مناقشة مستقبل يصاغ هذه الأيام .. وأن أي مجاملة .. أو تلكؤ .. تحت اي مبرر .. ولو كان التعجيل بحصول التحول .. قد تأتي ثماره عكسية .. فعمر الدول لا يُعد بالأيام بل بالعقود .. وخطأ اليوم قد يحتاج الى عقد أو عقدين من أجل إثبات عدم صحته .. ناهيك عن معالجته .. فما سيقال اليوم سيبنى عليه مستقبل العقود القادمة .. وعندما نتكلم عن المستقبل فإننا نؤكد أيضا أنه سيطال الحاضر والغائب .. بل ومن لم يولدوا اصلاً .. وهم جزء من امانة المثقف / المواطن الواعي لمعنى المسئولية .

أما " كيف يحكم ؟! " التى ندعو لتقديمها على سلم الحوار والنقاش الدائر هذه الأيام .. فلن تحتاج منا عناء طويل لشرح مدلولها .. فقد شاركت أمم الأرض عبر المنطق التراكمي .. وعبر دفع ضريبة باهضة فى الوصول الى خطوطها العريضة .. وتركت التفاصيل للخصوصية المحلية .. إنها ما يُعرف اليوم بمقومات الدولة المدنية .. وتحديدا فى مستوى الأليات (= الإختيار والعزل والمراقبة ) .. وفى مستوى التقنين ( = الفصل بين السلطات وإستقلالية القضاء ودسترة الروابط بين مكونات الدولة ) .. وفى مستوى علاقة الحاكم بالمحكوم ( = حقوق الإنسان والحريات العامة والإعلام الحر) .. وفى المستوى المعيشي (= التوزيع العادل للثروة والتكافل الإجتماعي وتفعيل مبدأ تكافؤ الفرص ) ... الخ .

سادتي الكرام : لا أتصور بأننا مخيرون بين أن نشارك فى صياغة المستقبل أو ننزوي .. فلقد طال الإنزواء ووصل الأمر الى حدود الحيرة فى تفسير عزوف المواطن عن المشاركة .. فلا مفر من أن نغادر مقاعد المراقبين .. وان نخوض جميعا فى الداخل والخارج .. دون الحاجة الى تصنيف مسبق .. وتحت مظلة " المواطنة " .. غمار الجدل الدائر حول المستقبل .. فالأمم الحية قد تفتر عزائمها أوقات الإسترخاء .. لكنها تستفز بقوة عندما يتعلق الأمر بالقضايا المفصلية المؤثرة على مستقبلها .. فهل سنصل الى صورة الدولة التى نرغب فى أن نستظل بها .. لنمنح أنفسنا بعد ذلك فسحة الإختلاف حول من يدير دفة شئونها ؟! .. أم أن القصة سلة واحدة .. إما أن تقبل بكل فواجعها أو أن تترك .. ولا مجال فيها إلا لمنح البركات أو بعث التبريكات ؟!.

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home