Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 19 July, 2006

الخيرية.. بين منطق الأشياء وطبائعـها

عـيسى عـبدالقيوم

ماذا لو نظر الجمل ـ يوماً ـ لعـوج رقبته؟!!.

للوهلة الأولى قد يستبشر المتفائلون بأن قضايانا ستجد مخرجاً .. فيما لو إستطاع "خو كحيلة" أن ينظر الى عوج رقبته .. ولكن ماذا لو فاجأنا بقوله : وما الضير .. أنا خير منه هذا الذى لا يكاد يَبيّن !!.. وهو جواب يجدد خصلة الهروب من مواجهة "منطق الأشياء" ..عبر إمتطاء " طبائعها "(*).

لمن الخيرية ؟! .. سؤال لا يمكن أن نرضى بأن تكون الإجابة عليه مجرد الأحاديث المرسلة عن "طبائع الأشياء" .. ونصّر على عرضه عبر "منطقها" .. هذا إذا أردنا الحديث عن مستقبل تقل فيه الاخفاقات .. وقبل ذلك إذا أردنا وضع النقاط على حروف مسيرة اليوم .. والسؤال فى حد ذاته يحتاج الى الوقوف أمام مرآة مستوية .. والى شيء من نفض غبار الغفلة المـُتورَط فيها عن سبق إصرار وترصد .. والى كثير من التروي فى إختيار الألية التى لها إمكانية تعريفنا بأنفسنا .. ومساعدتنا على حل أزماتنا .. وتجاوز عثراتنا .. وربما حتى على تخليصنا من بعض الأحمال التى نتوهم بأنها ضرورية لمشوارنا .. وهي فى الحقيقة عبء عليه.

فإذا كانت زاوية "طبائع الأشياء" تبحث فى السمات الثابتة للأشياء.. وزاوية "منطق الأشياء" تبحث فى إتجاهات التطور فيها .. فنحن بدون شك فى حاجة ماسة للتوقف عن النظر للأمور من خلال زاوية " طبائع الأشياء " التى لها خاصية جعل الباحث أو السياسي يدور فى فلك الوصف .. وهو فلك قد يجلب لكل من يعلق فى مداره قدراً من الراحة النفسية .. وشيئاً من الرضا المزيف .. فيشغله ـ بالتالي ـ عن الغوص فى جذور المشكلة .. أو فى تفريعات مخارجها .

وفى المقابل قد يكون الإلتفات للنظر للأمور من زاوية "منطق الأشياء" التى لها إمكانية نقلنا الى المواجهة المؤجلة .. ولها خاصية إستشراف المستقبل والنظر فى مآلات الأمور وإمتداداتها .. أقول قد يكون الإلتفات الى هذه الزاوية جزءً من تركيبة الحل .. الذى مهما تأخر فلن يأتي إلا على نسق الحلول التى يشهدها العالم من حولنا .. فمهما تهربت الأنظمة من إستحقاقات المراحل المتعاقبة .. إلا أنها تعلم ـ على نحو ما ـ أنها تمارس عمليات هروب الى الأمام .. وأن تراكم تلك الاستحقاقات سيشكل فى حد ذاته أحد دوافع الرضوخ لمنطق سياسي معين فى نهاية المطاف .. وكذلك المعارضات .. فمهما بدأت عنيفة .. وثائرة .. إلا أنها غالباً ما تنتهي الى منطق سياسي تقبله من أجل جعل مطالبها واقعاً يمكن التعاطي معه .. من قِبل مؤيديها .. ومحبيها .. أو حتى مِن قِبل مَن يرغبون فى مساعدتها عندما تنجح فى التحول الى جزء من التركيبة الإقليمية أو الدولية.

وإذا ما سألتني : ما هي المواجهة المؤجلة؟! .. سأجيبك بكل صراحة : إن أحد عناوينها يا صديقي يكمن فى إستحقاقات الإجابة على السؤال التالي : هل الخلل الوحيد الذى تعاني منه الحالة الليبية يكمن فى وجود سلطة دكتاتورية؟!.. أم أن رموز تلك السلطة هم نتاج المجتمع والمحيط والبيئة الليبية ؟! .. تلك البيئة التى من المؤكد أنها صبغت ـ بشكل ما ـ كل من عاش ـ ويعيش ـ فيها بذات الصبغة .. ولو لم يكن فى السلطة !.. وبالتالي فلعل تطابق خيارات من فى السلطة ومن خارجها فى كيفية فهم الحالة .. لم يأتي من قبيل الصدفة بقدر ما هو خاضع لفلسفة الأنماط المشتركة .. ولذلك أنتِج لنا ما يشبه حالة اللاحل .. واللاأزمة .. أفلا يدل "منطق الأشياء" على شيء من هذا القبيل؟!.

وقبل أن تجتاحك نوبة من نوبات "طبائع الأشياء" .. وتتهمني بأنني أصّلي فى محراب مساجد الضرار .. أرجو أن تتمهل قليلا .. ولنعطي " منطق الأشياء " شيئاً من الوقت عّله يجمع الناس على طريق أكثر وضوحاً .. وأمتن رباطاً .. فما أنا إلا مُخمِّن .. يعتقد أن ممارسة السياسة بدون نقد .. وبعيداً عن فكرة الشراكة فى الوطن .. ينتج أوضاعاً وثنية معقدة .. لا تقل خطورة عما كانت عليه أيام اللات والعزى.

فدعونا نتأمل بهدوء.. وبعيداً عن التشنجات الضارة بالصحة البدنية وبالموقف السياسي.. ومن منطلق عقلاني قائم على مبدأ النقد البنـّاء المستمسك بالموضوعية والواقعية .. والداعي الى قراءة أوراق المرحلة بعناية .. طبعاً دونما إغفال لكل الجهود المبذولة ـ من / وعلى كافة الأصعدة ـ من أجل ترميم ما يمكن ترميمه .. أقول دعونا نعرض خطوط سيرنا السياسية .. والثقافية .. والإجتماعية .. بل والدينية .. على "منطق الأشياء" ونتركه دونما توجيه مسبق ليقودنا الى النتائج الحقيقية .. فربما نكتشف أن الخلل لا يكمن ـ فقط ـ فى وجود سلطة دكتاتورية .. أو فى غياب دستور ينظم الحياة السياسية .. وذلك عندما تنكشف أمامنا العقلية والثقافة التى تقود المرحلة .. ونلحظ أنها قد باتت بذاتها جزءً من المشكلة .. وبالتالي قد تنتج لنا أوضاعاً لا تقل سوءا عن تلك التى ننتقدها .. فى حال إستمرارها فى ذات السياق .. الذى يراهن البعض على أن مجرد تغير بعض الوجوه فيه سينقلنا من حالة الإحباط الى حالة الأمل .. ومن درك المعاناة الى فردوس الرخاء.

وأيضا ـ فى تقديري ـ سيفرض "منطق الأشياء" على المشهد ضرورة الوصول الى نقطة البحث عن "منطق سياسي" يحوصل فكرة : من نحن ؟! .. وماذا نريد ؟! .. وهل نحن أمام قبيلة تريد أن تنتقم من قبيلة أخرى ؟!! .. أو أمام إقليم يريد أن ينزو على إقليم أخر ؟!! .. أو أمام طائفة تريد أن تكتسح طائفة أخرى ؟!! .. أم نحن أمام تجمعات مدنية يحكمها منطق سياسي متماسك .. وبالتالي فهى لا تخشى من فكرة الوصول الى الخواتيم السياسية التى تنتهي اليها كافة صراعات الدنيا ؟! .. فمن العبث أن نصفق لمسيرة تسير دونما منطق يحكمها .. ولا يمكن إعتبار مجرد السير للسير دليل حياة .. فالأعمال كما يقال بخواتيمها .. وإن كنت أتفق على أن لكل خاتمة مقدمات تدل عليها .. ولكل مقدمة مسوغات .. ولكل مسوغ زوايا قراءة صائبة وأخرى خاطئة .. ويقينا فوجود منطق سياسي له القدرة على وضع العربة على السكة عند إنطلاقها .. سيكفل ـ على الأقل ـ سيرها فى الإتجاه الصحيح للنهايات .. ويُترك توقيت وصولها لجهود من بأيديهم أمر قيادها .. وربما لذكاءهم أيضا!.

على أي حال .. هي دعوة لتجريب مدى إمكانية صمود أفكارنا عند عرضها على "منطق الأشياء" .. الذى سيرسم لنا إمتدادتها ومآلاتها .. وبالتالي قد يفصح لنا عن شيء من نتائجها بصورة إستباقية مبكرة .. ولعل هكذا إختبار يمنحنا فرصة النظر الى مرآة حقيقية .. بدلا من لعبة الإستعانة بالمرايا المقعرة أو المُحدبة .. التى قد تطربنا نتائجها .. وتمنحنا شيئاً من السرور أو الغرور.. ولكن تأكدوا أيها الأصدقاء أنه لم ـ ولن ـ يكن فى يوم من الأيام من خصائص تلك النوعية من المرايا القدرة على عكس الصورة بابعادها الحقيقية.

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________

(*) نجد فى القصص القرآني أن الشيطان عندما أراد أن يثبت خيريته على أدم عليه السلام.. استخدم زاوية "طبائع الاشياء" فقال {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} فتحدث عن السمات الثابتة للاشياء.. ولما أراد القرآن أن يشير الى كيفية تحديد خيرية أدم.. إستخدم "منطق الاشياء".. وما سيؤال اليه امرها فقال {إني جاعل فى الأرض خليفة}.. والخلافة فى الارض تعني إستعمارها.. وليس مجرد التبول فى أحراشها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home