Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 18 October, 2007

عندما يحاكيك المكان

عـيسى عـبدالقيوم

كانت السيارة تجوب بنا شوارع إمارة " دبي " بعد مغادرة مطارها الدولي .. ورغم مشقة السفر والشوق الى صديقي " محمد " الذى لم أره منذ مدة طويلة .. وجدتني أتذكر السؤال العبيط الذى أنفقنا فيه سنين طويلة .. والذى للأسف لايزال يكرر بصيغ متعددة .. وهو : ماذا يريد الليبيون ؟!.. فكم تراءت لي سطحية وسذاجة السؤال أمام العبقرية التى نهضت بهذه الإمارات الصحراوية .. وكم أبان لي عن قِصر قامته أمام هذه الأبراج السامقة .. ولزيادة جرعة القلق حيال ما نحن فيه تذكرت فكرة قهرنا للصحراء وإجبارها على الإخضرار .. ووجدتني أبتسم لأننا لم نقهر الصحراء بل فقدنا حتى إخضرار أرصفة المدن .. وهالني كيف أجبر هؤلاء البدو حدائقهم على الإخضرار.. وكيف تفننوا فى خلق متنفسات ومساحات خلابة فى هذه البيداء القاحلة.

تنهدت وأنا أعود أدراجي الى حيث أنا مختفياً خلف سؤال صديقي عن الحال والأحوال .. والى أين وصل تعداد الأسرة الكريمة .. وعن أخر مشادة ليبية تابع فصولها على النت .. ودواليك الى أن قطعنا المسافة بين " دبي " و " الشارقة " التى ما أن تهل عليك بأبراجها و مبانيها المشيدة على الطراز العربي الإسلامي .. حتى تجد نفسك تعود دون رغبة منك الى دوامة " ماذا يريد الليبيون ؟!.

وحقيقة أجد شهيتي قد إنفتحت لمشاكسة أي مسئول فى الدولة الليبية .. وأود أن أطرح سؤالاً غير بريء .. سيدي مسئول الباب العالي ـ قدس الله سره ـ هل يعقل أن تطرح فكرة تنمية بنية البلاد .. وجيوب العباد على عامة الناس من أجل سماع رأيهم فيها ؟! .. أم أنها الوظيفة الأساسية لكل من تبوأ سدة الحكم وإنتصب لقيادة الدول ؟! .

فما أعرفه عن سياقات هكذا أسئلة .. إن كنت دقيقاً .. بأنها تشير الى إمكانية أن تسأل الشعب عن القضايا ذات البعد السياسي أو الإيديولوجي .. وربما تستفتيه عن القوانين والتشريعات ـ مثلاً ـ .. أما أن يكرر سؤال بعباطة سؤال : ماذا يريد الليبيون ؟! . لمدة ثلاثة عقود " مقنطات ".. فهذا لعمري الفشل بعينه .. خاصة ونحن نشاهد غيرنا يسابق الزمن فى معركة تنمية الموارد البشرية والمادية .. فيما لا زلنا نخوض معركة الصياغة اللامتناهية ونقيم الدنيا ولا نقعدها فقط لمعرفة هل ما ينقصنا يقع تحت مسمى الإصلاح أم التطوير ؟!.. وهل ما نقترحه هو دستور أم مرجعية ؟! .. وهل نحن تبع المقبرة الجماعية المسماة الوطن العربي .. أم تبع البلوعة المعتمة المسماة أفريقيا ؟!.. وهل .. وهل .. وهل .. ورغم كوميدية المشهد إلا أن العجيب أن اللعبة جدية .. بمعنى أنك قد تفقد حريتك أو رأسك إذا حِدت عن قواعدها أو حاولت الإجتهاد مع نصوصها .. فما بين تعريفك لما يجري بأنه إصلاح أو تطوير يتربع شبح الإقصاء وربما التجريم .. ولا أدري كم من الزمن سننفق فى لعبة الصياغة هذه كي نصل الى بيت القصيد .. ونتحدث عن الأجندات الخدمية بدلاً من دوامة الأجندات الإيديولوجية التى ننغمس فيها سلطة ومعارضة .. إسلاميين وليبراليبن .. وأخرين شجعتهم " خلوة النجع " للدخول من أجل توسيع " خاطرهم " لا لتوسيع هامش الحوار كما يبدو المشهد للوهلة الأولى !!.

الشي بالشي يُذكر :

عموماً تأتي هدرزتي هذه على خلفية زيارة قمت بها منذ ايام للإمارات العربية المتحدة .. وكالعادة وقفت لأتحسر على بلدي .. فيبدو أن هذه الدويلة ستبقى تذكرنا بفشل الأنظمة " التقدمية " .. وستظل تمنحنا التقديرات الأولية لحجم ما نرفل فيه من الفساد .. وكمية المنتهب من الدخل القومي بالقياس الى المنجز على الأرض .. فهنا أيضا عائلات تحكم وأبناء وأحفاد يتمتعون بإمتيازات وإستقطاعات خاصة.. ومع هذا بقى لديهم ما ينفقونه على الوطن والمواطن .. بل والوصول بهما الى مستوى جيد .. ويبدو أن هذه الدولية ستظل تعلمنا الفرق بين العمل والعويل .. وأن نفطاً لم ينجح فى بعث دولة ذات بنية تحتية عصرية هو وبال على أهله .. ولو ترك ليتغوطوا عليه لكان خيراً لهم .

التخطيط :

من خلال التنقل بين إمارات الشارقة .. دبي .. أبوظبي .. لاحظت بأن الطريق الرابط بين المدن مكون من ست حارات .. أي ضعف أكبر طريق فى بريطانيا [ المكون من ثلاثة حارات فقط ].. فعلمت بأن من يخطط هنا لا ينظر تحت أخمس قدمه .. ولكنه ينظر الى عمق المستقبل .. فتعداد السكان لا يزيد على الأربعمائة ألف .. وعندما لمحت أعمدة منتصبة على جانب الشارع الرئيسي فى دبي .. تساءلت فقيل لي بأنه مشروع " ميترو الأنفاق " .. فأيقنت بأنهم يرغبون بالفعل فى العيش برفاهية ونظام للمائة العام القادمة .. لكون بناء هكذا مشروع قبل أن تتسع المدن أيسر من تركه بحجة عدم وجود كثافة سكانية التى سيحول وجودها بينها وبين إنشاء المشروع .. فشعار العمل للمستقبل يبدأ اليوم حقيقة تمارس هنا .. لا ترهات يلوكها تنابلة السلطان .. ولجان تخطيط شعارها الفوضى منذ الولادة .. وإذا أضفت اليه عدد المساجد .. والحدائق .. والمدارس .. والأسواق .. والتجمعات السكنية .. والمباني الحكومية الضخمة سنعلم بأننا أمام أناس يضعون مستقبل الأجيال أمامهم فى ذات الوقت الذى يستمتعون بنصيبهم من الثروة .. فهنا يوجد أعلى برج فى العالم .. وأعلى سارية فى العالم .. وأغلى فندق فى العالم .. وأجمل قرية صناعية فى العالم .. هنا بدأ توطين العلم .. وجلب الإستثمارات العالمية بما يفوق دخل النفط .. وهنا ينفق على تنمية الإنسان .. وترصد أكبر الجوائز لشتى الفنون .. هنا يوجد شيء من المنطق الذى يجعل فكرة الإنقلابات مستحيلة .. وفكرة السطو أشد وطأة من فكرة التجول عارياً .

القديم باقٍ على قِدمه :

ووسط هذه الثورة العارمة للتشييد والبناء على أحدث الطرز .. ستجد نفسك وأنت تتجول فى قلب مدينة " الشارقة " تقف أمام مدينة قديمة تركت لتذكر الأجيال بما كان عليه رعيلهم الأول .. ولم ينسفوا قديمهم حتى من أجل جديد يبهر العقول .. فضلاً عمن هدم قديمه وتركه أطلالاً دون أن يكون لديه مخططاً لما بعد الهدم .. فالناس أصبحت تغوص فى أعماق الأرض من أجل البحث عن جذورها .. ورسم ملامح تاريخها .. ونحن نهدم ونهمل ما فوق الأرض كما لو أننا من نسل يأجوج ومأجوج .. ولله فى خلقنا شئون .

فى زيارة الشاعر :

ربما لم تجتمع ألقاب فى رجل واحد كما إجتمعت فى الراحل الاستاذ عبدالحميد البكوش .. فهو السياسي .. الدبلوماسي .. المثقف .. الكاتب .. الشاعر .. الخ .. وعندما وطأت قدمي دولة الإمارات تذكرت بأن لنا بها ـ كأغلب بقاع العالم ـ قبوراً ليبية تحكي قصة الأزمات التى مررنا بها .. فهنا يرقد الأستاذ بشير المغيربي .. والشاب عبدالله الغزال .. والطفل طارق بعيو .. وأحد رؤساء وزراء ليبيا فى العهد الملكي .. وعندما جاء الأخير على ذاكرتي طفت معه أبياتاً من قصيدته عن " سنوات الغربة " والتى جاء فيها على ذكر أبناء بلده . وأنهم يحبونه .. وطلب أن يلقوا أكاليل الزهور على قبره .. فطلبت من الأصدقاء أن أزور قبر الأستاذ عبدالحميد لأحقق له ـ أنا الذى لم أره ولم أعش حقبته ولم ألتقه حياً ـ أمنيته كشاعر .. فرحلت وصديقي رفقة الأستاذ نوري الكيخيا مُيمّمين وجوهنا شطر إمارة أبوظبي .. وهناك تكرم الأستاذ السنوسي كويدير بمرافقتنا الى المقبرة .. كان الوقت لحظة الغروب .. والمقبرة كحال كل المقابر تحوطها سكينة الموت .. وينام أهلها فى هدوء ودعة .. وقفنا على قبره .. ألقينا عليه التحية .. قرأنا على روحه الفاتحة .. تأملت كم هي الدنيا قصيرة .. ولا تستحق كل هذا العنف واللغط المثار حول كراسيها وأدوارها .. وضعت باقة الورد وغادرت وأنا أمل ـ ذات يوم ـ أن تنقل كل هذه الجثامين لتنام فى أحضان التراب الذى تغبرت به أقدام طفولتها .. فالموتي لا يزعجون أحداً .. ومن المخجل أن لا يجدوا أشباراً تأويهم فى وطن يشكو من ندرة السكان.

يقول الشاعر الأستاذ / عبدالحميد البكوش فى قصيدته " من سنوات الغربة " :

أنا أهواك يا بلدي
لأنك لست لي وحدي
فحضن الأم ما أحلاه مزدحما
كعش النحل بالولد
وحتى عندما أدفن
فلن أحزن
لأن أحبتي والأهل في بلدي
سيبكونني
ولن ينسوا بأني من روائحهم
أحب روائح الورد
فيلقوا فوق جثماني
أكاليلا من الورد
وعهد الله يا بلدي
أنا أهواك يا غالي
وعمق الحزن في عينيك موالي
وصبر ترابك العطشان أشعاري وأزجالي.

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home