Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 18 May, 2007

هـل أتـاك حديث الـتـنحي

عـيسى عـبدالقيوم

" اللحظة الوحيدة التى تستطيع فيها أن تنتصر على السلطة ، هي أن تتنحى عنها ".. توني بلير.

كما كان متوقعاً .. ومعلناً .. فى خطبة بثها تلفزيون الـ " بي بي سي ".. والكثير من الفضائيات .. وتناقلتها وسائل الإعلام الغربية والعربية .. أعلن رئيس وزراء بريطانيا تنحيه عن قيادة حزب العمال( وبالضرورة عن الوزارة ) لصالح السيد " جوردن براون " .. ظهر يوم الخميس الموافق 10 مايو2007 .. وعليه فسيحزم السيد بلير حقائبه ويغادر (10ـ داونينغ ستريت ) فى 27 يونيو القادم .. عائداً الى بيته السابق بعد رحلة إستمرت (10) سنوات .

وقبل أن أسمعكم ( معارضة وموالاة ) نواحي على كل ما له علاقة بالسياسة فى بلدي .. أسمحوا لي بأن أخبركم فى سطر واحد من هو هذا الذى تنحى عن السلطة .. إنه السيد توني بلير زعيم حزب العمال ( بطبعته الجديدة ) .. ورئيس وزراء بريطانيا .. وعندما أقول توني بلير رئيس وزراء بريطانيا .. فأرجو أن تتذكروا أن ذلك يساوي : مقعد دائم فى مجلس الأمن + حق الفيتو + مقعد مع السبعة الكبار + مقعد فى النادي النووي + أقوى إقتصاد فى أوربا + قيادة دول الكومنولث ..لأني أمل أن يؤدي هذا الشرح الى جعل صورة المتنحي واضحة من خلال وضوح المكان الذى ترك شاغراً .. بالقياس الى تمسك أناس فى دول لا وزن لها .. بمناصب ليس لها تأثير أقليمي فضلاً عن أن يكون لها تأثير دولي .. والأدهى ما يحدث فى معارضات المنطقة .

عموماً .. إفتتح بلير خطبته بإعلان إنتصاره على بريق السلطة .. ليس من خلال إعلان ثورة تصحيح تبرر لإخفاقاته.. ولا من خلال البحث عن " قطط " يلبسها ثوب الخطيئة.. ولا من خلال تعديلات مخجلة للدستور .. بل من خلال التنحي عنها .. والإستعداد للرحيل .. هنا سادتي الكرام يكمن أحد أهم دروس الفوارق الثقافية .. دعونا نعترف بأن مصطلح التنحي غير متداول فى ثقافتنا .. فحتى ما قيل عن المشير " سوار الذهب " .. والعقيد " ولد فال " .. وبالرغم من كون فعلهما يشكل نقطة مضيئة فى تاريخ المنطقة المظلم .. إلا أنه لم يصل الى العمق السياسي المتوخى من وراء مفهوم " التنحي " .. لكونهما قاما بإنقلاب عسكري .. فلا مشروعية هنا .. ثم قاما بإرجاع الأمر الى أهله .. أما هنا فنحن أمام علاقة مدنية بين الحاكم والمحكوم .. تقوم على فكرة القبول والرضى .. حاكم منتخب بصورة شرعية .. ثم يتنحى إستجابة لصوت الشارع الذى غالباً ما يُفسر على أنه إنحسار لمبدأ " القبول " .. فهل سنشهد ـ على الأقل ـ تغييراً فى قواعد اللعبة السياسية على خلفية وجود مؤتمرات شعبية خالية من الناس .. وأحزاباً سياسة لم تفلح فى جذب الجمهور إليها .. وهذه ـ فى تقديري ـ أهم مؤشرات عدم القبول .. وهل سيكون من المشروع لنا أن نطمع فى تغيير ثقافة الناس التى لازالت تخشى من الربط بين التنحي والأداء الوظيفي .. ويربطونه بقصص أخرى .. كالخيانة .. والعمالة ونحوه ؟!.

وبمناسبة الحديث عن التنحي فأنا من أنصار هذا المصطلح .. لأنه مصطلح مدني حضاري سلمي .. ولكن ما يقلقني قبل تنحي الأشخاص هو ثقافة التنحي ذاتها .. فأن يتنحى سياسي ما عن سلطاته فلابد ـ بالضرورة ـ أن يحدث ذلك لصالح أخر يؤمن بنفس العلاقة .. أما أن تستخدم هذه المطالبة من أجل إزالة دكتاتور ليتربع على عرشه دكتاتوراً أخراً .. فهذا ما لا يمُت للعلاقة بصلة .. وعليه فأن أعمل من أجل أن أرى ثقافة التنحي .. أو التداول السلمي على السلطة .. تقليداً راسخاً فى بلدي بعد عشرين عاماً .. أحب اليّ من أن أستخدمها كما لو أنها " لعبة كراسي " .. وملهاة خالية من أي قيمة سوى الرغبة فى إشباع غريزة التملك التى تجاوزت المقبول فى تراثنا السالف .. وأدبياتنا الحاضرة !! .

على أي حال .. توقف السيد بلير فى خطابه عند عدة محطات .. وأول محطاته تمثلت فى دعوة الأمة البريطانية لتقييم مسيرته من خلال إنجازاته .. وهنا درس أخر .. فقد تجاوز السيد بلير الحديث عن " إيديولوجية " الحزب .. أو أفضليته على غيره من الأحزاب .. أو تاريخه النضالي رفقة العمال .. بل وتجاوز قصة الإنتصارات التاريخية للحزب .. ودخل فى معايير " خدمية " صرفة .. يمكن من خلالها للناس أن تعرف ما له وما عليه .. فطالب بمقارنته بغيره فى قطاعات الصحة .. التعليم .. الخدمات .. وصولاً الى قدرته على جذب الإستثمارات لبلاده .. وهذا التحدي بالنسبة لي يعني أن الرجل ليس لديه نية الكذب على شعبه .. من هنا يستحق أن يكون زعيماً سياسياً لحزبه .. وقائداً لبلده .. فمتى يمكننا أن نحاسب زعمائنا السياسيين من خلال معايير يمكن حسابها على الورق ؟!.. ومتى يمكننا ان نحاسب قادتنا وفق منطق خدمي ملموس ؟!.. فأنا لا يعنيني مثلا أن تتوحد أفريقيا إذا كنت لا أمتلك بيتاً فى وطني.. ولا يعنيني إن كان فلان مخضرماً فى النضال إذا فشل فى تحويل أفكاره الى ممارسات ذات رصيد فى الواقع .. ولانني أعي أن ذلك يتطلب تغييراً فى المنظومة الثقافية .. التى تتطلب بدورها عنصر الزمن.. فلن أخاطب قمة الهرم ( سلطة أو حزباً ) .. وسأتجه الى قاعدته بالكلام .. وأول الكلام هو رجائي أن يتوقفوا عن صنع الطغاة .. وعن جعل ظهورهم مطية لهكذا سيناريوهات قاتلة .

أما المحطة الثالثة فتكمن فى ثقافة التسامح .. فالرجل لم يجد حرجاً وهو يغادر السلطة أن يستخدم عبارة " أخطأت ".. فقال:( ربما أكون مخطئاً .. أنا فعلت ما أعتقد أنه الصواب .. وأترك لكم الحكم ).

فهنا يتكئ السيد بلير فى إستخدامه لعبارة " أخطأت " على معرفته بأنه يحكم أمة متسامحة .. يزيد رصيد من يتعاطى معها بشفافية ولو أخطأ .. وكذلك فهو يعلم جيداً بأنه يتحدث لنخب واعية .. ولدولة مؤسساتية .. تنظر اليه كمكلف بإدارة الحكم .. لا كظل الله فى الأرض .. فهنا لا يمكن أن نقارن بينه وبين الذين يرفلون فى الفشل .. وتشير ملفاتهم الى أنهم لا يمتلكون غير العويل .. ورغم هذا لم نسمع لهم ـ أو منهم ـ عبارة " ربما أخطأت " .. فى ذات الوقت الذى يستهترون فيه بقيم وثقافة التسامح .. ويفسرونها بعبط يُحسدون عليه.. ولايدركون أنها الأساس الذى سيحتاجونه ذات يوم إذا ما فكروا " بجد " فى بناء دولة حديثة .

أما أخر المحطات فهي العبارة التى ختم بها السيد بلير خطابه التاريخي .. فتمثلت فى قوله: " كان شرفاً لي أن أحكم هذه الأمة العظيمة .. وأعتذر عن الأوقات التى أخفقت فيها فى تحقيق آمالها ".

وهنا مربط الفرس .. فهذه العبارة ـ سادتي الكرم ـ منطلقها فلسفة " الشراكة فى الوطن " .. فهو ينظر الى مواطنيه على أنهم القاعدة التى منها إرتفع وإليها يعود .. ومنها سيخرج من سيخلفه .. وهكذا .. وفق قواعد وأصول وتقاليد التداول السلمي على السلطة .. التى أزعم أننا لم نمتلكها منذ قرون بعيدة !.. فلا مكان لمنطق الإحسان وعقلية القطيع هنا .. ولا مجال لهرطقات ثيوقراطية .. فلا حديث غير حديث " السواسية كأسنان المشط " .. هنا يكمن منطق الدولة المدنية .. وهنا أحد خلاصات التجربة البشرية فى أدوات الحكم .. فمتى خرج الحاكم ليعلن أنه يتشرف بحكمه لشعبه .. ليس يوم تنصيبه بل يوم مغادرته .. ومتى يقف ليعتذر عن إخفاقاته.. ليس يوم تجديد مبايعته بل يوم وداعه .. يومها بكل تأكيد سنكون أمام أحد أهم الدروس السياسية .. وعلى الرغم من كوني وقفت ضد سياسات السيد بلير .. وخرجت عدة مرات رفقة معارضيه .. إلا أنه أجبرني على إحترامه عبر الدقائق التى أعلن فيها تنحيه .. لأنها دقائق لا تتكرر كثيراً فى التاريخ .

وعلى الرغم من أنني فى اليوم الثامن الذى لا سقف له.. ولا رقيب عليه .. إلا أنني سأتوقف هنا .. لأنني لو واصلت الحديث فسأتحدث عن ماهية الممارسة السياسية ؟!! .. وماذا يعني التحول للنضال السلمي ؟!! .. وما هي إستحقاقات مبدأ التسامح والفرق بينه وبين منطق الثأر ؟!.. وسأتحدث عن أنموذج الدولة فى التجربة الإسلامية التاريخية والمعاصرة وما يعتريه من تضارب؟!!.. وكلها كما ترى عناوين تحتاج الى وقفات مطولة .. قد أراها بعين الرضا مفيدة .. فيما قد يراها أخرون بعين الغضب مضرة .. ولكنني حتماً سأصل الى اليوم الذى أشارك غيري تقليب وجهات النظر فيها .. وأمل أن يكون الوقت حينها مناسباً للحوار العقلاني !! .

والسلام
عـيسى عـبدالقيوم
yumuhu@yahoo.com
________________________

ـ الأستاذ بوزيد الهلالي : بصفتي من المداومين على قراءة كل ما تكتب تقريباً .. أعطيت لنفسي الحق فى أن أقول فى جلسة سمر .. بأن مقالتك الأخيرة " أغنية قديمة " كان لها " طعم خاص " .. أو هكذا وجدتها .. عموما تحياتي لك .. وأحيي حرمكم المصون على دبلوماسية " من أجل البقاء " .. وفى إنتظار جديدك .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home