Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Tuesday, 17 June, 2008

دعـوها فهـكذا أرادتهـا السماء

عـيسى عـبدالقيوم

يقول المثل الشهير " حريتك تنتهي عندما يبدأ أنفي " .. هذا تحديداً ما تذكرته وأنا أراجع أحد معضلات حياتنا اليومية .. فبالرغم من تكالب كافة منغصات العيش التى باتت عصية عن الحصر .. تأبى سيئة إقتحام خصوصيات الأخرين والعبث بها .. إلا أن تضاف إليها .. وبنهم كبير يفوق ـ فى الحالة الليبية ـ المعدلات الطبيعية .

فتحتَ ذرائع شتى يطيب لبعض الفضوليين التنكيش فى حياة الأخرين من أجل إشباع رغبات غير محترمة وغير بريئة .. وما أن يتصور أحدهم أنه قد وقع على صيد ثمين .. حتى ينطلق ويطلق لمخيلته المريضة العنان فى حشر تحليلات وإفتراضات تتقزز من سماعها النفوس السوية .. التى بدورها باتت بندرة الشعرة البيضاء فى الثور الأسود .

فهل من حقي أن أعيش حياتي بالطريقة التى أحب طالما أنها لا تؤثر على حياة الأخرين .. وأنني أتحمل مسئوليتها ـ دنيا وآخرة ـ بصورة شخصية ؟!.

بالفعل هذا ما طرحته على نفسي .. وعندما تيقنت دون الحاجة الى " فتوى " بأن ذلك أحد حقوقي البشرية .. وخمنت أن تنازلي عنها ـ تحت مسوغات بالغة التسطيح ـ هو ما شجع البعض على إختطاف " حياتي " وإضافتها الى فئران تجارب المعامل .. يعبث بها كيفما شاء .. ومتى شاء .. يرفع من سقفها وفق نمو ذهنيته .. أو تطور سلوكه الإجتماعي .. أو حتى تغير وضعه الإقتصادي أو الوظيفي .. وينسب كل ذلك الى السماء .. دون الحاجة لتذكر وجودي الى جواره .

فلا أعلم حكماً شرعياً ولامنطقاً عقلانياً يلزمني بأخذ " تصريح " من أي مخلوق لممارسة طقوس حياتي .. خاصة أؤلئك الذين يتوهمون بأن الإسلام يتحكم فى حياة الفرد .. ويمنهجها من الألف الى الياء .. فهؤلاء يسيئون للإسلام من حيث لا يشعرون .. فهم يقدمونه على أنه دين يمسخ الفرد ويحوّله الى ألة ليس لها من الأمر شيء .. وأنه بمجرد الإلتزام به على الفرد أن يُسلم قياده " لشيخ " أو " منظمة " تزعم أن لها القدرة على توضيب حراكه .. وترتيب شئون حياته .. من أجل تجهيزه ليكون ضمن "المرضي عنهم".. وهي قصة لا تبتعد كثيراً عن قصة صكوك الغفران .. وإن ضمتها كتب تفتتح بالسخرية من "صكوك الغفران" وقساوسة يزعمون أنهم حائط الدفاع الأول عن المذنبين .. أفلا تلمحون معي بدايات تقارب فى المشهد وإن على إستحياء ؟!!.

ويقينا أنا لا أقصد هنا من يسألون عن الفرائض .. أو عن المحرمات القطعية .. ولاعن ما يلزم المرء كي يكون على دراية بدينه .. إنما اتحدث عن ذاك النوع الذى يحشر ذوقه .. وإختياراته الحياتية .. وخياراته الفقهيه فى مسمى الدين .. فيخلطها ويعيد إنتاجها على شكل فتوى .. يزعم بأن لها خاصية الإلزام الذى يجب أن لا يتمتع به غير النص المقدس .. ثم يقتحم بها خصوصية الناس .

قرأت ذات مرة لأحد الشيوخ الكرام سئل عن حكم تعليق الصور فأجاب بأنه لا يجد فى الشريعة ما يحرمها قطعاً غير أنه لا يحبذ ذلك .. وألحقت عبارة " لا يحبذ ذلك " بالفتوى .. وطبعت فى ذات النص .. وشيخ جليل أخر سئل عن صبغ المرأة لشعرها فأجاب بأنه لا شيء فيه .. غير أنه يرى أن اللون " الأشقر " لا يليق بالمرأة العربية !!!. وكذلك ألحقت العبارة بالفتوى .. الخ .

فمن رحم هذه الإيحاءات تبرز الرغبة فى السيطرة على حياة الفرد.. وكان الأجدر التوقف عند حدود ما تنص عليه أحكام الشريعة الصريحة إن وجدت.. ويترك أمر الإلتزام بها للسائل.. أما حشر الرغبات والأذواق والإختيارات فى مسمى الدين.. وترهيب الناس بأن من لم يلتزم بها يعد رافضا للدين.. أو على الأقل ليس على الصراط المستقيم.. فهو شيء كريه ولم يعد يطاق.. خاصة بعد أن زاد عن المعدلات الطبيعية.

أما عندما نقلب العُملة على وجهها الأخر.. وأقصد الوجه السياسي .. فيبرز لنا من يخلط ـ بصورة مقرفة ـ بين حياة الناس الشخصية أو الخاصة وبين تربيطاتهم السياسية.. فيعمد الى إستراق السمع على حياة الناس الخاصة ثم يقوم بتوضيف كل ما يحصل عليه فى معركة كسر العظم التى يتوهم أنه يخوضها ضد من يفترض أنهم خصوم "الرأي" لا أكثر.. بشطارة قد لا ينتبه اليها المتلقي بسهولة.. مما ينتج أجواءا من الكراهية بين شرائح المجتمع.. كراهية قائمة على أسس ومعطيات ومنطلقات مغلوطة.. بل وممجوجة.

ومن زاوية أبعد قرأت لأحدهم ذات مرة وهو يقرر بأن حجم علاقته بأصدقاءه يحددها مدى قربهم أو بعدهم مما يعتبره "الصواب".. وهنا تكمن المعضلة.. فالسياسة مجموعة من الإجتهادات المتغيرة.. ومن المُرعب بمكان أن يُرتب الإنسان حجم ونوع علاقته بالناس على "متغيرات".. فأنا قد أغير موقفي من قضية ما بزواية حادة.. فى حال ترجح لدي ما يبرر ذلك.. ولكن هذا لا يعني بتاتا أن أغير معها أخلاقي.. أو قيمي.. أو تعهداتي تجاه أصدقائي.. أو تجاه المجتمع.. فالربط بين حياة الناس الخاصة ومتطلبات الأجندات أو الوظائف السياسية.. أو إشتراط مواقف إيديولوجية معينة من أجل إستمرار العلاقات الإنسانية خطيئة تفسد طعم الحياة.. وتكدر صفو العيش.. وتساعد على تفشي ظاهرة النفاق الإجتماعي.

فلندع للناس مساحة حياتهم الخاصة ليستمتعون بها على النحو الذي يرونه مناسبا لهم.. ومنسجما مع قناعاتهم.. ولنترك قصة تنقيتها مما يفترض البعض أنها شوائب أو خطايا للدوائر الضيقة التى يرغبون هم فى إطلاعها على خصوصياتهم.. فما ترونه من تقلبات أو تتوهمونه من نقائص.. هو فى الحقيقة من طبيعة الحياة التى أرادها الله لنا فلا تفسدوها.. وتذكروا بأن الرسول الكريم (ص) قد قال : "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم" (رواه مسلم).

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
Yumuhu65@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home