Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

الثلاثاء 17 مارس 2008

التحطيب فى شارع عبدالمنعم رياض(*)

بعد الأحراش ... مغاوير البلدية يضربون وسط مدينة بنغازي

عـيسى عـبدالقيوم

إطلعت على ما كتبت صديقتنا الشاعرة " تهاني دربي " عن فصل من فصول مسلسل قطع الأشجار .. وهذه المرة كان الهدف الأشجار التى تزين جانبي شارع عبدالمنعم رياض .. بحجة إزعاج العصافير لبعض سكان المنطقة .. وأكاد أجزم بأن " تهاني " قد نظرت " للغارة " بإحساس الشاعر الذي له ـ دون سواه ـ القدرة على رصد وإلتقاط اللحظة وتجسيدها كلمة .. أما تحديد وجهة صرختها لجهة المثقفين والكتّاب والصحافيين .. وإستغرابها من عدم إكتراثهم بهذه الفعلة البشعة فأشاطرها أياه .. كونهم الأقرب للإحساس بفداحة ما وقع .. والأقدر على إيصال ما وراء الأكمة للجمهور(*).

لا أريد أن أتحدث عن قصة " طبقة الأوزون " .. وظاهرة " النينيو " أو ما يعرف بالإحتباس الحراري .. كي لا أنصح بعدم الإرتفاع فوق سقف الوعي البيئي المحدود .. لذا سأتحدث عن الجَمال بمفهومه المحسوس .. فالمنظر الذي خلـّفه " مغاوير البلدية " يشي بأن الإحساس بالجمال على وشك أن يغادرنا هو الأخر.. والمثير هنا أن العالم من حولنا يحتاج فيه من يرغب في إقتلاع شجرة الي قرار من الحكومة المحلية على الأقل .. ولأسباب لابد وأن تكون إستثنائية وضاغطة بكل المقاييس .. أما ما عدا ذلك فهناك ألف حل ليس من بينها القلع أو إجتثاث الأوصال .

قد أتفهم ظاهرة " التحطيب " فى الأحراش أو الغابات فى ظل نقص الوقود أو إرتفاع سعره .. أما أن تظهـِر الصور ما يشبه " التحطيب " فى وسط المدينة فذلك ما جعلني أحك ما أبقى لي الزمن من فروة رأسي .. والأعجب منه ـ بخطوتين ـ هو عدم إكتراث مدينتنا " رباية الذايح " التى لا تنام على سر .. لقد كان يليق بمدينة بنغازي ( عاصمة الثقافة ) أن تصبح ذلك اليوم على حملة مضادة تتصدر عناوين الصحف .. يقودها الشعراء والكتّاب الذين يمخرون عباب الشارع المذكور نحو الإذاعة لإسماعنا أزيز كلماتهم عن الجمال والأحاسيس المرهفة .. وتوبيخنا على عدم تعاطيه بالقدر الكافي .. أو نظراؤهم من المشتغلين بالشأن العام ممن يقصدون مقهى شارع الإذاعة لحجز مقاعدهم من أجل إطلاع جلسائهم على أخر ما تفتقت عنه قريحتهم .. كان حري بهم أن ينعوا أشجارهم الشاهد على تاريخ هم جزء منه .. وأن يشجبوا سياسة " القلع " التى تكاد تتحول لظاهرة مستساغة .. وأن يثبتوا أن محبة " بنغازي " تعني محبة مكوناتها .. وأن يُظهِروا بأن لديهم ما يكفي من عنصري الإحساس والمسئولية تجاه مدينتهم .. ولو وصل الأمر الى كتابة عريضة والتوقيع عليها .. فالعرائض ليست حكرا على تصفية الحسابات أو تمجيد الذوات .. فى زمن لم يعد فيه الوعي البيئي يقل حضورا عن الوعي السياسي .. إثباتا ـ كما قلت ـ للمحبة التى ستكون عبارة على نية حسنة ما لم تترجم الى فعل .

وفي ذات السياق تكتنز ذاكرتي بعض القصص حول قضايا رفعت ضد من قطعوا أشجاراً بحجج مماثلة .. بل أنني أذكر بأن إضافة مدرّج جديد لمطار مدينة مانشستر ( شمال إنجلترا ) مثلا تعطل طويلا بسبب إحتجاج الناس على قطع الأشجار لإتمام التوسعة .. بالرغم من أن المطار يقع فى تخوم المدينة .. بل أن بعضهم قام بربط نفسه بالسلاسل الى أغصان الشجر .. وعلى الجهة الأخرى من العالم أقامت الصحافة " المصرية " الدنيا ولم تقعدها عندما تم تشذيب الأشجار المحيطة بحديقة حيوانات "الجيزة " .. وبواسطة أقلام من المقام " المصري " الرفيع .. وتابعت يومها ـ أيضا ـ ندوات ومقابلات إنتصب لها أشهر مذيعي القاهرة من أمثال " مفيد فوزي " الذي إستطلع رأي الشارع عبر برنامجه " حديث المدينة " .. وحثه على الإنتباه لما يحدث لمدينته فى حين غفلة منه ! .

سادتي الكرام : من المحزن حقا أن يمر هكذا حدث على مدينة بحجم بنغازي دون صراخ على الأقل .. ودون تسجيل موقف يثبت بأن الوعي البيئي بخير .. وأن الإحساس بالجمال لم يغادرنا بعد .. وأننا مدنيون بالفعل ونتنفس ثقافة المدينة .. ونقدر لها ـ وللشجرة ـ قدرهما .. لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها " .. أسوق هذا الحديث الشريف كي لا يغوص البعض فى الجدل البيزنطي .. أو ينزلق البعض الأخر نحو " السفترة " .. فنحن هنا أمام مشهد القيامة وقد قامت .. فما الفائدة التى ترتجى من غرس شجرة .. فالأرض وما عليها ستختفي .. كما يقرر القرآن ؟!! .. لكن النبي الكريم قال ما قال كي لا نستهين بقلع الشجر .. وكي لا نجادل كثيرا حول فوائد وجودها .. وكي لا نؤدي وظيفة " ياجوج وماجوج " قبل أوانها .

وعلى هامش الحدث اسمحوا لي أن أتساءل .. أليس لدينا قانوناً يعاقب على قطع الأشجار؟! .. فهل يقصد المُشرّع الحكيم كل الأشجار فى كل ليبيا ؟!.. أم أشجار البرّية فى جلاوي تيكة والترّيه فقط ؟!.. وأيضا قد يكون من المناسب هنا أن أحيل علامات الإستفهام هذه لصديقنا الإذاعي النشط " أحمد خليفة " .. كون برنامجه " مساء الخير بنغازي " متهم بالتحريض على الفعلة الشنعاء .. وأتمنى عليه أن يفتح الحوار مجددا حول ما حدث من الناحية القانونية .. والبيئية .. والذوقية !!.

على أي حال .. لقد كتبت ما كتبت لأنني أزعم بأنني إبن لهذه المدينة.. رغم أن قانونها الشفوي الصارم يؤكد على أن " الغايب كاشيكه معلق " .. أما عصافيرها فقد كانت تحتمل مشاغباتنا ـ بل وساديتنا ـ تجاهها .. فلما لا نحتمل وجودها بيننا ؟!.

سادتي الكرام : لقد تحملت بنغازي وجود " مصنع الأسمنت " وما ينفثه من سموم فى الهواء .. وتحملت لسنين طويلة " مجزرة الصابري " وما تقذفه من مخلفات فى البحر .. وتحملت وجود " المدينة الرياضية "( وسط البلد تماما ً) وما تحدثه من ضوضاء وزحام .. ولازالت المدينة وضواحيها تتعايش مع المياه السوداء الطافحة فى عدة أزقة .. ومع مئات السيارات الغير صالحة للإستعمال لما ترسله من عوادم قاتلة .. فهل بعد هذا سيقول قائل ان عصافير شارع عبدالمنعم رياض مؤذيه؟!!.. ولو شاكس أحدهم وأصر على وصفها بذلك.. فسأقول له بلغة المحلية جداً "أقتلني يا سمن البقر "!!.

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________

(*) سبق لي نشر هذه المقالة بصحيفة " قورينا" التى كانت قد أوردت مقالة الشاعرة " تهاني دربي " .. كما جاء على موقع ذات الصحيفة مقالة حول ذات القضية للكاتبة د. سكينة بن عامر .. بعنوان " كيف تقطع الأشجار " .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home