Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عـبدالقيوم

السبت 16 أغسطس 2008

قصة قصيرة

موسم قطف القـدّيد

عـيسى عـبدالقيوم

كان يمخر عباب رصيف محطة القطارات الرئيسية بمدينة مانشستر ( فكتوريا إستيشن ) ذهاباً وإياباً .. يرتدي كما الناس .. وتحمل تضاريسه جينات " بني هلال " .. غير أنني خمّنت أنه ليبي ، أيضا ، من خلال طريقة تعاطيه مع الملبوس .. مضافا اليها مشيته .. وتحاشيه الإقتراب من " كلاب الزينه " التى تجوب المكان كما لو أنها ضباعٌ برية .. أما الأكثر دلالة فإطالته للنظر فى وجوه المارة بطريقة لا تبتعد عن تلك التى يمارسها ضباط الشرطة أثناء معاينة طابور مشتبه بهم في جريمة مخلة بالشرف .. أو كأولئك الباحثين عن " الخاتم " فى عيون الناس من أجل الفوز بالمطلب ( الكنز) .. كما تصف الأسطورة الشعبية حال زعاليك المغرب ومشعوذيه .

يُخرج جواله ـ أو نقاله ـ وينظر فيه فقط .. ثم يعيده الى جيبه .. بطريقة تكاد تكون متساوية من حيث الوقت والكيفية .. فهل للموضوع صلة بحكاية نفاذ الرصيد .. والإتكال على " التكست مسج " كبديل إقتصادي .. ربما !! .. وإذا لم يفعل ذلك فهو يشدّ على قالب ساعته بعصبية مبالغ فيها .

لا أدري هل خِلته قلِقاُ أم تلك طبيعته منذ الولادة .. أم هي نتيجة لشعوره بأنه الغريب الوحيد وسط أمواج البشر المنسكبة عبر بوابات المحطة .. فالعربي أمسى مسكوناً بالإغتراب حتى فى وطنه .. وبات تلبّسه بأعراض الإغتراب الإجتماعي لا يحتاج لعبور حدودٍ لازالت علامتها الفارقة " الأسلاك الشائكة " فى زمن التخطيط بالليزر .

وإذا كان الإسرائيلي محاطا بدول الطوق .. فالعربي مطوّق داخل جسده .

أخرج سيجارة وشرع فى إيقاد لهبها .. لم تطاوعه "القدّاحه" .. فأخذ يهزها مستجدياً غازها كي لا يخذله .. بعد أن خذله النفط ـ ابن عم الغاز ـ فى معمعة الخروج من قمقم " المازيريه " .

عله لم يتفطن لوجود لافتات تملأ المكان تحذر من التدخين داخل صالة المحطة .. أم تراه تفطن وإعتبرها لا تعني له الكثير على غرار مثيلاتها فى وطنه الأم ؟!.

لا أدري .. ولكنه ـ على أي حال ـ إستمر فى إستحلاب غاز " القدّاحه " وهي على موقفها لا تحيد .. وبين كرِّه وفرِّه .. وتحلقه بجسده حول القداحة فى محاولة لحماية لهبها الضعيف من أي نسمة عابرة .. لفت إنتباه صبية تتفجر أنوثة .. إقتربت منه .. ألقت التحية .. فقط أرادت أن تفهمه بأن التدخين بات ممنوعاُ فى كافة الأماكن المغلقة ببريطانيا .

تأكدت بأن رسالتها لم تصل .. فردُ صاحب البدلة التى يرتديها على طريقة " البيجامة " لم يتجاوز إماءة ممزوجة بضحكة متشظية .. ربما ظن حديث الصبية السلس ـ المسبوق بفوحِ عطرٍ وإبتسامة ـ ذا علاقة بالعشق والهوى .. فالفتاة جميلة .. وثغرها لؤلؤي المنشأ مطلي ( ميتالكو ).. قوامها ممشوق كحرف الألف أو أشد إستقامة .. أما قميصها فقد قصُر عن تغطية كامل بطنها .. معطيات ربما جعلته يفسر اللقاء على الطريقة اليعروبية .. التى لا تقبل الشك فى أن كل عربي مرغوب من بنات بني الأصفر فقط لمجرد أنه عربي !! .. ولا يحتاج الأمر ـ كي تتفجر قلوب عذارى الروم ويسيل لعابهن أنهارا ـ إلا لعبارة قصيرة يكشف فيها صاحب السعادة عن عروبته .. مع غمزة لطيفة من عينه الشريفة .. ليُـقضى أمر كان مفعولاً .

لعل صاحبي ممن يؤمن بالأسطورة .. هكذا خمّنت .. كونه لم يعر أصبع الفتاة الذي يشير الى اللافتة أي إهتماماً .. وظل يبحلق فيها كطفل تائه .. وبعيون يملؤها شبق راكمته سنين عجاف .. منتظرا لحظة أن تشبك " السنيورة " يدها فى يده وتعلن إستسلامها .. وتخر بين قدميه سافحة ما تختزنه من أكسير الغرام .. كاشفة له على ولع دفين ورغبة جامحة .. على خلفية تأكده من عروبته شكلا ومضموناً .

غير أن حدسه المبني على النظرية التاريخية تبدد .. وإهتز يقينه عندما كشّرت النمرة الفاتنة عن أنيابها وهي تتمتم بعبارات من وزن (F…...of ) مضاف اليها تبدل واضح فى لغة جسدها.

إنتبه شرطي كان يؤدي واجبه فى مساعدة المارة للتوتر الواقع بين رجل " الشرق الأوسط " وفتاة "النورث ويست " .

إقترب عارضا المساعدة .

إختصرت له الفتاة الحكاية التى خالها صاحبي شرارة عشق أفلاطوني يتوقعه القادم من " الشرق " فى كل لحظة .. بما فيها تلك التى يتخللها ختم جواز سفره من شقراء تبتسم وهي تستقبل .. وتبتسم وهي تودّع .. إبتسامة تصاحبها فى الغالب عبارة سعدت بلقاءك .. دون أن يدرك المسكين بأن ما يجري أمامه جزء من مراسم الوظيفة .. وأن شقراوات الغرب وسمراواته يمارسنها مع كل من هبّ ودبّ .. أناء الليل وأطراف النهار بالسوية .. طالما حبسهّن حابس الفيل ( الدوام الرسمي ) .

أما خارج الدوام فلكل مجتهد نصيب ! .

ولكن يبدو أن دخول شرطي أسود على الخط جعل صاحبي يشك فى " اللحظة " .. ويعيد حسابات نظرية العربي المطلوب " للسرير " حياً أو ميتاُ .. وعزز شكه فى " اللحظة " ما يعنيه وجود الشرطي فى مخيلة المواطن العربي .. بل ربما تحفظ ذاكرته مشاهداً لا تحصى تبدأ بوصول الشرطي .. وتنتهي بالركل على المؤخرة .. أو اللطم على الأوداج .. خاصة إذا كان المشتكي فتاة حسناء نزفت مدامعها فى غياب المنديل .. فالشرطي عندها لن يفكر فى القانون إلا بإعتباره " ليس قرآناً يتلى " .. فصاحب " الباريه " والثلاثة خطوط على الساعد ينتمي لذات البيئة وينهل من ذات " الزير " .. ويفسر المرأة على النحو الذي يفسره الجاني .. وفى أسوأ الأحوال سيقول رئيسه الأعلى حال تفاقم الأمر " ليس على الأعمى حرج " .. على طريقة إعتذار بشاربن بُرد .

أخذه الشرطي بلطف الى غرفة تعج بالافواه النافثة .. وتنخفض فيها الرؤية نتيجة لسحابات لفائف السجاير .. أدخله فيها .. وبرفق ايضا .. وقام نيابة عنه بإغلاق الباب خلفه .. ربما رأى الشرطي أن هذا أقصر الطرق الى الحل فى ظل إنعدام فرصة التواصل بوسائل شتى .. إستنفذتها الشقراء دون أن تستطيع إفهام الغريب سبب وقوفها عليه .. والغريب بدوره فهم من ذلك كل ما يخطر على بال فحول الشرق الأوسط وشمال افريقيا .. ما عدا فرضية أن يكون قد حاول إنتهاك حرية الأخرين .

أم تراه قد فهم ولكنه تذرّع من أجل حاجة يعقوب التى أفسدها وصول شرطي أسود فى يوم ظنه أشقر ؟!.

كل شيء وارد .. والدنيا باتت مليئة بالحكايات والأقاويل الأغرب من الخيال .. و" إللي ما عنده أنترنت كذاب " !! . أجهز صاحبي على لفافته فى ثوان .. وعاد يجدّ الخطى الى النقطة التى أغرقها بقلقه .. عاد يمخر عباب الرصيف رقم (4) .. ويسعى بين الساعة والموبايل .. فلا الموبايل أعلن وصول المسج .. ولا الساعة أعلنت قدوم الغائب .. غير أن جديد هذه الجولة إنتباهه لوجودي .. فبدأ يتفحصني بنظرات أعرفها جيداً .. ولي معها نصيب تكتنزه مذكّرتي .. وندوب على جدار ذاكرتي .

لم أطل حيرته .. ولم أشأ أن أضيف لوساوسه وسواس وجود عربيين فى مكان وزمان واحد .. فسألته بلسان ليبي مبين :

ـ الساعة كم يا أخ ؟! .

فإنفجرت أساريره كما لو أنه إكتشف معادلة " الثقوب السوداء " .

أجاب على إستفساري عن الوقت دون أن ينظر الى الساعة التى اشبعها تفحصاً فعرف أين تقيم عقاربها فى تلك اللحظة .

ودون أن يشعر بالحاجة لأي فاصل إستمر يحدثني عن خطأ " الإنجليز " فى حشر الناس فى غرفة صغيرة للتدخين .. ووصف ذلك بالعيب !! .

تركته يشرح نظرية العيب .. ومفهومه الخاص عن الخطأ والصواب .. وتقديراته لحدود المقبول وغير المقبول .. وموقفه من قداسة الحرية الشخصية الذى أنهى به هذا الفاصل الطويل مشددا ومتشددا بل ومتشنجاً أحياناً .. حول مكانتها المقدسة فى نفسه .. وعندما إستنفذ طاقته المعرفية فى الوصف ختم بقوله :

ـ إلا الحرية الشخصية .. بلاد لا تحترم الحرية الشخصية خسارة الواحد يجيها .. وإلا حتى يفكر يزورها بكل !! .

عند هذه النقطة بالتحديد طاب لي أن أريحه من الثرثرة قليلا .. فقاطعته قائلا :

ـ نعم أتفق معك الحرية الشخصية مقدسة ومصانة .. وإنتهاكها لا ينبغي ـ فى كل الأحوال ـ أن يمر مرور الكرام .. وفى إعتقادي أن قصة الحرية هذه هي السبب الرئيس فى مشاكل العالم .. وفى وجود الهجرة والنزوح والإغتراب عن الأوطان ! .

لا أدري ماذا عنى له كلامي .. أو كيف فسر وقوفي عند مفردة " الحرية " بالذات .. ولكنه أعاد الكلام الى نقطة البدايات التقليدية فى لقاءات الغرباء .. أو عابري السبيل .

أعاده بطريقة توحي كما لو أنه نسي أمرا لا تفتح بوابات الكلام ـ غالباً ـ إلا بالتأكد من إضاءة اللون الأخضر الفاقع له .

أعادني للبداية بسؤاله :

ـ من أي منطقة فى ليبيا أنت .. ولعيت مَن مِن العرب ؟!.

أجبته بعبارات مقتضبة خلت من الفواصل والشارحات.. وما إن إنتهيت من سؤال بطاقة التعارف حتى رماني بالثاني بسرعة خِلته معها يقرأ من ورقة مكتوبة سلفاً .. فأضاف :

ـ هل الأخ مبتعث على حساب المجتمع .. أم تدرس على حسابك الخاص ؟!! .

ـ لا هذه و لا تلك .. أنا يا سيدي مقيم فى هذه البلدة منذ عشرين عاما .. وأعمل فى صيانة البيوت .. وفى أوقات الفراغ ـ وهي الأطول صيفاً وشتاء ـ أمارس هواية الكتابة .. أجبته وأنا أراقب بطرف عيني لوحة الإعلانات عن الرحلات القادمة والمنصرفة .

ـ أهلا بيك .. المهم الأخ ليبي !! .. اسمي عبدالدائم .. تمتم وهو يمد يده مرحباً .

صافحته وأنا أردد :

ـ أهلا سي عبدالدايم .. حضرتك مبتعث على ما أعتقد ؟!.

تلفت الى أحد القطارات القادمة قبل أن يرد بصوت منخفض أقرب الى الهمس :

ـ أيوه .. أنا أحضّر الدكتوراة .. وفى المراحل الأخيرة .

وتماما .. لم يشعر بالحاجة الى أي مقدمات أو أي تمهيد عندما باشرني بالقول :

ـ ليش ما تروح لبلادك .. ياسرك غربة ـ وأضاف ضاحكا ـ شنو مش مستاحش القـدّيد ؟!.. والله أنا ليّ فى حدود الأربع اسنين قريب نهبل عليه ! .

وضعت يدي اليمنى فى جيبي بطريقة لا إراديه .. وتحسست باليسرى صلعتي .. وقلت :

ـ والله طالت الغربة .. وتغيرت الناس والأفكار .. وكل شيء وارد .. وما على الله صعيب .

ـ يا راجل .. فكك من الكلام الكبير .. والشعارات الفارغة .. أشقى بروحك .. شنو ما بنيتش حويش للصغار ؟!! .. قالها وهو يحاول إجبار قميصه على البقاء داخل البنطلون الخالي من أثر الحزام .

وهنا كذلك هممت بالرد غير أنه تجاوزني بسرعة كما لو أن إيجاباتي مكتوبة سلفاً على جبيني .. وأضاف شارحاً فلسفته للموضوع بقوله :

ـ شوف أنا أنوفر من المنحة أمتاعي كل عام في تفتوفة باهيه .. وقاعد نبني فى حوش .. الواحد يا سيدي كان ما دارش مخطط لفترة الإبتعاث هذه تضيع عليه فرصة العمر .. أنا مش ضروري نسكن هنا فى حوش واسع .. ومش ضروري نشري لحم كل يوم .. وإلا نقعد ماشي جاي على السينمات والمسارح والمؤتمرات .. أما عرس الفسح والدهورة فهذا خليك منه دوة فارغة .. والسياسة أنا وأياها مش أصحاب .. أنا يا سيدي مخطط مع إنتهاء الدكتوراة نكون مزبط أحوالي .. حتى السيارة .. وأشوي الأثاث اللي أستعملته هنا نبي نشحنه معايا .. يا سيدي واخذ حاويه أنا وجماعة أصحاب متشاركين فيها .. أهو قلت خير ما نسيبه خسارة .

أردت أن أسأله عن علاقته بمراكز البحث .. وهل فى نيته أن يشارك بأي أوراق حول تخصصه فى المجلات العالمية .. وهل إنتسب الى التجمعات والمؤسسات التى تعنى بشئون تخصصه .. وهل لديه مخطط لنقل تجربته مع مجتمع عاشره لقرابة الأربعة سنوات وليس أربعين يوماً .. وجامعة إنتظم فيها لنفس المدة .

وهل .. وهل .. وهل .. ولكن من خلال ما قاله فى الدقائق التي تلت تلك المقدمة تجاوز كل ما كان فى نيتي طرحه .. أو الإستفهام عنه .

تيقنت بأن سي عبدالدايم هذا مرشح ـ بعد عودته محملاً بشهادة الدكتوراة ـ لتغيير سيارته .. وبيته .. وربما زوجته أيضا .. ولكن من خلال ما أبان لي عن شخصيته لا أتصور أنه مرشح للمشاركة فى أي تغيير لمجتمعه .. وتيقنت ـ وفق الحسابات الليبية ـ أنه هو من سيربح المليون .. وربما سيغزو أسواق الحب والزواج بعروضه .

عرفت ـ لاحقاً ـ بأنه يمارس طقوساُ ليبية لم تعد مستهجنة بل قيل لي على العكس هي ما سيرفع رصيد أسهمه وستحيله الى ورقة رابحة .. ولو دخل معركة المفاضلة بين عاشقين فسيفوز بقلب القارورة الولهانه على حساب العاشق منتوف العوارض .. على إعتبار أن إكمال نصف الدِين بات لا يحتمل الكثير من الدَين .

فلا يهم كيف يفهم سي عبدالدايم الحياة ! .. أو ماذا تعني له كلمة العولمة ! .. ولا كيف يرصد مظاهر الحرية !.. اليس هو من لديه إمكانية توفير قائمة شروط النسيب الكاره .. مضاف اليها عبارة متخرج من بريطانيا !! .. فهذا يكفي .. وما زاد بات يسمى فلسفة فاضية .. ومضيعة للوقت .. يعتبر المتلبس به عديم الفائدة .. ولا ينظر إليه إلا كنموذج دَرَس .

إغتنمت فرصة توقفه عن الثرثرة .. ومددت يدي للمصافحة .. وأنا أقول :

ـ أهنئك مقدما على الدكتوراة.. وأتمنى أن تنجز ما بقى من بناء بيتك .. وأن يصل أثاثك وسيارتك وكل ما وقعَت عليه مطرقة الأوكشن لأرض الوطن بسلام .. وأن يرزقك الله ببنت الحلال .

قاطعني قائلا وعلى فمه إبتسامة عريضة حاول جاهدا أن يجعلها خجولة لكنه لم يفلح :

ـ والله .. الحقيقة أنا متزوج .. بس الشرع حلل أربعة !.

قالها بلهجة تنم عن وجود مشروع فى الظل .. ثم قهقه كما لو أنه يعلن عن إنتصاره أمامي .

أحسست بخسارة الجولة .. بإختناق وغصة كبيرة .. بخيبة أمل ومرارة .

لا .. هذا لا يكفي .

بل لعلي شعرت بشيء أعمق .. شعرت بالإحباط الذى يغزو روح المقاتل عقب هزيمة منكرة .. وأثناء إنتكاسي الى داخلي سمعت هاتفا ينعي أعماقي وهو يردد : غادر حيرتك أيها العقل وخذ معك بقية الأحلام فقد حان موسم قطف " القدّيد " ولا مكان لك .. فكل شيء هنا بالميزان حتى خفقان القلوب .. والميزان لمن يدفع مقدماً ولا عزاء لأصحاب الجيوب الخاوية .. بع ما بقى لك وغادر .. بع أوراقك وأنصب لقلمك مشنقة فى أول منعطف معتم .. فما عاد بك حاجة .. لا فى الحب ولا فى الحرب .. بع ولن تعدم تاجر " مكسّرات " يشتري لـُفافاتك فسوقه أيضا رائجة .. بع ولا تنسى أن تمنح قلبك فوق البيعة .. بع كل شيء وأشتري النسيان ! .

إنتبهت فوجدت أخر موجات قهقهته تلفظ أنفاسها .. وقد عاد من جديد يتفحص " نقاله " .

إعتدلت فى وقفتي .. وضغطت على شفتيّ حتى إنفرجتا وأبانتا عن أسناني .. أو ما بقى منها .. في عملية عسيرة لبعث إبتسامة تقيني شر الدخول فى المتاهة .. وتعطي الرجل حقه فى مقابل إجتهاده فى نصحي .. وقلت مودعاً :

ـ طيب .. يا سيدي مبروك عليك كل شيء مقدماً .. وأعترف لك بأنني كنت الى عهد قريب أزعم معرفة الفرق بين الشوق للحرية والشوق للقـدّيد .. ولكن " حكمتك " ستجعلني أعيد فهمي للعلاقة .. أعدك بذلك صادقاً .. ومن يدري قد تراني قريباً ضمن عمال صيانة البيوت فى قريتك نعمل على إصلاح ما يفسد الدهر وورثتكم .. مبروك مرة ثانية يا سي عبد الدايم .. وسعدت بلقاءك .

ما إن أبتعدت بضع خطوات فى إتجاه بوابة العبور حتى تناهى الى سمعي طنين جهازه " النقال " معلناً عن وصول رسالة .. ورنين " ساعة " المحطة مشيرا الى أننا نقف عند زاوية الخامسة تماماً .. موعد إنتهاء دوام الإدارات .. البنوك .. الأسواق .. والجامعات .. لقد سرقني الوقت حتى بدأت أرتال طلبة وطالبات جامعة " مانشستر " تتوافد .. فإبتلعتني الجموع فى أحشائها غير عابئة بي ولا سائلة عن هذا الذي يتلفـّت وهو يعلم أن بوابة الخروج أمامه .. وأن للقطارات زمن يحكم رحيلها هي الأخرى .. فترحل دون أن تأسف على راكب ظلّ الطريق .

http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home