Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Monday, 16 July, 2006

هـل لنا أن نتساءل : إلى أين؟!!

عـيسى عـبدالقيوم

إشترطت بعض القواعد الأصولية التصريح لأجل المعرفة .. فقيل " لا يُنسب لساكت قول " .. من هنا كان الخطاب ـ وليس الهيئة أو الإشارة أو النية ـ محل التحليل والبحث .. ومن هنا تتجه الأنظار دائماً الى ما يرشح عن الجهات أو الشخصيات ـ كتاباً كان أم خطاباً ـ من أجل رسم ملامحها .. وتحديد خط سيرها .. ومن ثم رسم منحنى تقريبي لها .. ولازالت الناس تلجأ الى الخطاب من أجل تحديد علاقتها بالأجندات ـ حكماً وإنتماءاً وتقييماً ـ سواء أكانت خاصة بالأنظمة أو المعارضات .. أو ما دون ذلك من منازل .

إذن كان وسيبقى الخطاب أحد أكبر المؤثرات فى تجمع الناس وتفرقهم .

سادتي الكرام : ما دفعني للكتابة فى هذا الموضوع هو الإنحدار المريع " للخطاب " .. الذى سبق وأشرت إليه فى سياق الحديث عن أسلوب التهييج العاطفي .. حتى وصلت الحالة الى ما يشبه المستنقع الآسن .. والنفق الذى لا ضوء فى نهايته .. بل بعض مستوياته جعلت المخلصين يضعون أيديهم على قلوبهم شفقة على الوطن من هكذا خطاب " مختلف " .. ومن شخصيات وجهات أقل ما يمكن أن توصف به أنها غير مسئولة .. بالمفهوم الأخلاقي/ المعرفي للمسئولية .

إلا أنني سأخالف بعض الأصدقاء .. فما تفعله بعض الشخصيات وبعض الجهات لم يكن فى الحقيقة إلا ـ كما سبق وأسميته ـ " رقصة المذبوح ".. فالبعض عندما يعجز عن مجاراة الأحداث .. والإمساك بتلابيب أوراق المرحلة للتعامل معها يلجأ الى اللعبة المكررة .. أي القفز الى المجهول .. وركوب موجة الشذوذ .. فتراه يهرف بأفكار غير منسجمة .. وبعبارات غاية فى التخلف والسطحية .. لايمكن بحال أن تنتج مجتمعة ـ أو مبعثرة ـ فكرة أو حتى شبه فكرة .. فلم تقلقني تلك الشخصيات الأقرب الى " مهرجي " السيرك القومي يوماً ما .. فقط ما جعلني أشارك الأصدقاء قلقهم هو محاولة " البعض " ـ فى الفترة الأخيرة ـ ركوب هذا المنطق " المتخلف " إما من أجل الكسب السياسي .. أو للبرهنة على التواجد .. أو للتخلص من عقدة الدوران فى الحلقة المفرغة .. وهو خطأ قاتل لو كانوا يعلمون .. فالنضال من أجل تغيير الواقع قد يستمر لسنين طويلة .. خاصة لمن إختار " النضال السلمي السياسي " منهجاً له .. ودونكم تجارب الناس من حولكم فأنظروا فيها .. ولا داعي للتنكب من بداية الطريق !.

نعم .. ربما تنجح بعض الشخصيات العابثة فى لفت الإنتباه إليها ودغدغة مشاعر محبطة .. وتهييج عواطف تعاني من أمراض مزمنة .. فتلك مماحكات غير ذات بال .. ولكن ما تخلفه عبارات وإشارات بعض الشخصيات الجادة .. وبعض الأطر السياسية ربما يرتقي الى مستوى الشعور بالقلق حيال مستقبل العمل السياسي جملة !! .

فما ترونه ـ أيها السادة ـ لا يعبر عن وجود حالة صحية .. أو جسد قوي .. ولا يشير الى قرب التبشير بميلاد مشروع سياسي وطني .. أو طفرة فى الوعي الليبي .. بل أمسى جزء منه يمثل " عبثاً " باهض الثمن يتمسك به عجزة ومفلسون .. والجزء الأخر يمثل فرقعات لم تجد بعض العقول الخاملة غيرها من أجل التوقيع فى سجل الحضور الإعلامي .

ولكن هذا لا يمنع من قرع الناقوس من جديد .. وربما عليّ القول أننا ـ بشكل عام ـ نحتاج كي لا تتحول ظاهرة الفرقعات الى سمة تجتاح الحالة الليبية ، الى البحث فى بعض مستويات الخطاب عندنا .. لنقدها وكشف مكامن الخلل فيها .. ليس من أجل اللوم والتقريع .. بل من أجل تنقية الوسط مما يمكن أن يؤدي الى مزيد من التدهور .. وبالتالي الى مزيد من الإحباط .

ومن هذه المستويات ( إن جازت القسمة ) :

الخطاب السياسي : وهو مستوى حساس ويحتفظ بحصة الأسد من مجموع مستويات الخطاب الكلي .. والأصل أن يتسم بالمرونة والواقعية .. وأن يكتسي بطابع برغماتي مكاسبي .. أما التجديد والتطوير فمن أبرز خصائصه .. ولكننا للأسف نشهد إختلاطه بمنطق عاطفي تهريجي .. وإكتساءه بمنطق شعاراتي مأزوم .. وتحوله الى خطاب ماضوي بدرجة إمتياز .. مما أجبر الكثير من الساسة على الإختفاء بعد أن تحولت الساحة ـ التى من المفترض أنها ملعبهم الأساسي ـ من فضاء فسيح الى سجن خانق !.. تحكمه قواعد شاذة ومتخلفة الى أبعد الحدود .. ويتسيّد فيه منطق الثأر والتأليب .. ويتربع على عرشه تسطيح لم تعرف الساحة الليبية له مثيلاً .

الخطاب الوطني : ولعل أبرز سماته المتعارف عليها ـ أو المطلوب توفرها فيه ـ أنه خطاب يستند الى منطق " قيمي " .. وينطلق من خلفية متسامحة .. ويستهدف حشد الجهد الوطني لقضايا جامعة .. غير أننا بدأنا نستشعر إنتكاسته نحو منطق جهوي أرعن .. ونزوعه لتجيير الكراهية لخدمة أجندات خاصة .. أثبتت التجارب أنها مغلقة وغير قابلة للحياة .. ومن ظن أنه يستطيع أن يركب معادلة الرعب هذه .. فقط حتى يبلغ هدفه ثم يتراجع عنها فهو واهم .. فما من وسط زرعت فيه الكراهية .. وقتلت روحه الوطنية الجامعة .. ثم عاد الى الحياة من جديد فى فترة وجيزة .. فهكذا ندوب عميقة قد تحتاج الى جيل أو جيلين لإزالة أثارها . من هنا أتمنى أن تستشعر بعض الشخصيات وبعض الجهات المسئولية حيال هكذا تدهور .. وأن تعيد حساباتها وفق معايير أكثر مدنية .. وأكثر إلتصاقاً بالوطن .

الخطاب الديني : ما يمكن أن تصل إليه حيال ملامحه العامة يقول بأن الأصل فيه أنه " نسبي " .. يفصل بين ما هو " نصي " وما هو " إجتهادي " .. ويمنح " العقل " الصريح تصريحاً فى التعاطي معه ؛ تفسيراً وتعليلاً وتنفيذاً .. وينطلق من قاعدة أخلاقية راسخة .. ولكن ما يرشح على الساحة يشير الى إنه بدأ ينحاز الى منطق الثنائيات البدائي .. وبات يخلط بين مقامات النص والإجتهاد .. وينزع الي المقايسة التاريخية .. بل وأزعم أن البعض يستخدمه فى " المسار السياسي " من أجل تحقيق أغلبية " موهومة " .. أما أخلاقيته فقد تراجعت بعض الشيء .. فتحول الى سوط قاس على الأخرين .. وسياسياً تحول الى طلاسم يراد بها قطع الطريق أكثر من إصلاحه .. فشعار بوزن شعار " الإسلام هو الحل " لا يمكن فهمه فى ظل غياب المشروع التنفيذي .. وسيبقى التلويح به أحد المعظلات فى طريق بعث الدولة المدنية .. فمن عدالة السماء أنها لا تنحاز ـ فى هذا المقام تحديداً ـ لبشر على حساب أخر .. وإلا لما قال أحد علماء الإسلام " إن الله ينصر الدولة العادلة الكافرة .. ولا ينصر الدولة الظالمة المسلمة " .

وهكذا يبدو أننا نشهد تدهوراً فى الحالة الليبية .. تدهور يحتاج الى نهضة وطنية من أجل تصحيح المسار قبل الحديث عن المستقبل .. وما بعد المستقبل .. لقد إنتفض الفرنسيون عندما إرتفعت أسهم " جان ماري لوبان " فى بورصة السياسة وتهامس عقلاؤهم بأنه من العار أن ترتفع أسهم إنسان يميني متطرف فى مجتمع مدني .. فسقط .. وكذا فعل النمساويون مع " يورغ هايدر " وأفكاره المحبطة .. وهذا تحديداً ما نحتاجه .. نهضة مدنية وطنية ليبية .. تسقط كل الشعارات والأفكار غير السوية .. سواء التى تدعو الى الجهوية .. أو العرقية .. أو التى تثير نعرات طائفية .. فلا مكان فى العقل المدني لمحاصصة .. أو تقسيم .. فينبغي أن نكون ضد أي إنشطار عربي أو بربري أو تباوي .. فمن أجل أن تكون ليبيا ؛ ليبيا ؛ دفع أهل هذه المنطقة ثمناً غالياً .. فمن المستهجن ـ والحال كذلك ـ ترك العملية السياسية تتلاعب بها أيدٍ لم يعد المرء متأكداً من قدرتها على قراءة الحاضر.. فضلاً عن عن صنع المستقبل .. فالدفاع عن الحقوق المدنية من واجب كل ليبي ؛ سواء أكان المنتهكة حقوقه عربياً أو أمازيغياً أو تباوياً .. أو حتى من الوافدين للعمل فى ليبيا .. والذود عن الحقوق السياسية واجب متعين على كل ليبي سواء أوقع الإنتهاك فى الشرق أم الغرب أم الجنوب .. أو فى عرض البحر .

سادتي الكرام : قد نقبل التعدد والتنوع والخصوصية ولكن فى مستوى الثقافة القابل لإستيعاب التعدد .. لا فى مستوى هوية الدولة .. وقد نقبل التقسيمات الجغرافية .. ولكن من أجل تسهيل العمل الإداري .. لا من أجل توطيد حدود جديدة .. فليبيا لن تنهض بهكذا قرف وشذوذ وسطحية وعقم .. والدكتاتورية لن تنتهي بهكذا أفكار ومغامرات صبيانية .. فقط ليبيا ستبقى .. وستتطور .. وستستمر عندما يتمسك عقلاؤها ونخبها ورجالاتها بليبيتهم .. وعندما يضعون على الطاولة " مشروع الأمل " القابل للحياة والمتقبل لها .. والذى يحفز كل الليبيين ـ فى الداخل والخارج ـ على الإقتراب .. ومن ثم الإسهام فى مسيرة العمل السياسي .. وعندما ينطلق أؤلئك العقلاء من فلسفة مدنية لا تعترف بغير المواطنة كمعيار لتحديد الحقوق والواجبات .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home