Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Tuesday, 16 January, 2007

هل فقدت الشخصية الليبية تسامحها؟!

عـيسى عـبدالقيوم

   " التسامح فى اللغة مصدر سامحه إذا أبدى له السماحة القوية (...) وأصل السماحة السهولة فى
   المخالطة والمعاشرة، وهي لين فى الطبع فى مظان تكثر فى أمثالهاالشدة." الطاهر بن عاشور(1)

مُذ قرأت للمرة الأولى عن مصطلح " الشخصية الليبية " .. الذى أطلقه الأستاذ عبدالحميد البكوش فى فترة وزارته .. أبان العهد الملكي .. وأنا أتمنى أن ينهض بعض الأساتذة المختصصين فى علم الإجتماع بطرح أبحاث حول الشخصية الليبية .. ما لها .. وما عليها !.. علـّنا نكتشف شيئاً من جذور مشاكلنا المزمنة .. ومن ثم قد نعثر على أقصر الطرق الى حلها .

ولكن لابأس أن يتحدث المرء ـ فى فترة الإنتظار ـ عمّا يختلج فى صدره حيال الموضوع .. فمن خلال الإستقراء والمشاهدة .. بت أميل الى أن الشخصية الليبية لم تكن ـ مثلاً ـ متسامحة بالقدر الكافي .. ومنذ زمن بعيد .. ومن المؤكد أن تطل ممارسات فترة العشرين سنةً التى تغطي ما بين منتصف السبعينات وحتى منتصف التسعينات كأحد مغذياتها .. فقد شكلت ـ فى تصوري ـ الحقبة التى حقن فيها المجتمع بجرعات كبيرة من فيروس "اللاتسامح ".. وتتحمل سياسات النظام الليبي النصيب الأوفر من المسئولية .. بما كرسته من أفكار وأطروحات تمخض عنها ممارسات عنيفة .. فالجيل الذى تربى على فلسفة عسكرة المجتمع.. وعلى خطاب العنف الثوري .. على مشاهد أحكام الإعدام المتلفزة .. وعلى قصص ما يحدث وراء أسوار المعتقلات .. هذا الجيل بات يشكل اليوم قاعدة المجتمع .. وتظهِر تصرفاته أنه ـ على الجملة ـ غير متسامح .. وعدواني بشكل كبير .

على أي حال أرجو الإنتباه الى أنني لا أتحدث عن فكرة " تبويس الشوارب " ( على رأي أهل الشام )..أو التسامح السياسي بين الأنظمة ومعارضيها .. فذاك مبحث أخر .. وهو عموماً مطلوب وقد يكون له صلة بما أكتبه .. ولكنه ليس المقصود اليوم .. إنما أردت مستوى أعمق من ذلك بكثير .. أردت قاع المجتمع الذى حيّرت صورته محرر جريدة " جون أفريك " السيد/سانودولي .. وجعلته يتساءل : (.. لماذا ينتابك شعور بأن لا أحد يبتسم فى طرابلس ؟!!..)(2) .

عوداً على ذي بدء أقول : إذا كانت ظاهرة اللاتسامح قد تفاقمت كردة فعلٍ على فعل عنيف مصدره ـ أنذاك ـ أذرعة السلطة الأمنية والثورية .. إلا أن إستعداد الشخصية الليبية ـ المسبق ـ لتقبل العنف كسلوك ومسلك .. أسهم على ما يبدو فى تجذره .. ومن ثم فى ممارساته .. فأصبح المواطن العادي غير متسامح تجاه مواطن عادي مثله .. وفى قضايا لا علاقة للسلطة أو السياسة بها .. وأصبحت طريقة التخاطب بين الليبيين تحمل طابع العنف اللفظي .. وطريقة حل الإحتكاكات اليومية العابرة تتم بصورة عدوانية للغاية .. فيكفي أن تنظر الى سائق سيارة يقف الى جوارك على أشارة ضوئية حتى ينفجر كبرميل البارود .. وتستطيع أن تلمس ظاهرة العنف اللفظي فى طريقة إستفسارات شرطي المرور .. فضلا عن رجل الأمن !! .. وأيضا طالت موجة العنف وعدم التسامح مجتمع الطفولة .. وأذكر الصدمة التى لحقتني وأنا أستمع الى إعترافات مراهق لم يتجاوز الخامسة عشر( التلفزيون الليبي ) عن الكيفية التى قتل بها والده .. وعن ظاهرة حمل الأحداث للسكاكين .. مروراً بمجتمع المرأة المغلق وما يحدث فيه من عنف وعدم تسامح فى حل المشاكل الإجتماعية .. وصولاً الى رصد بعض مظاهر السادية فى الكيفية التى يتعامل بها المدرسون مع الطلاب .. وقد يدخل ضمن مظاهر اللاتسامح أيضا فقدان القدرة على الإبتسامة .. ومظاهر الفوضى وغياب الذوق السليم .. والميل الى العزلة الذى بات يهدم التقاليد الأسرية الراسخة .... الخ .

وأخيراً وصلت مظاهر اللاتسامح الى المهجر .. وهنا يجب أن نتوقف قليلا .. فمّما يرجح أن الأمر قد أمسى ظاهرة وليس سلوكاً معزولاً.. وأصبح يشكل جزءاً من تركيبة الشخصية الليبية.. رصده ضمن ممارسات قاطني المهجر الذين يفترض أن غالبية مشاكلهم قد حلت .. فهم يتمتعون بفرص عمل ودخول جيدة .. ولديهم مساكن لائقة .. ومستويات تعليم وعلاج ممتازة ومجانية .. وتتوفر لهم أماكن ترفيه متنوعة .. ولا تمارس عليهم أي ضغوط أمنية .. ويعيشون وسط مجتمع مستقر ، مدني ، متحضر .. ويحضون بمقدرة عالية على إقتناء وسائل الإتصال التى تتيح لهم التعرف على ما يدور حولهم كالكمبيوتر والساتلايت وغيره .. ورغم ذلك نجدهم فى سلوكهم اليومي غير متسامحين .. ولازال يغلب عليهم طابع الغلظة والقسوة .. وتسبق رغبة الإنتقام عندهم رغبة التسامح .

وفى غير أوساط الجالية العادية نستطيع أن نرصد مظاهر اللاتسامح أيضا بين الفرقاء السياسيبن فى المهجر .. فلازالت بعض الممارسات الإقصائية والتى تحمل طابع التحريض والإنتقام تستخدم بطرق إلتفافية لا تحمل طابع المباشرة .. فلازالت مصطلحات ما يمكن وصفه بالعنف اللفظي تستخدم بصورة مباشرة .. أو بأسماء مستعارة .. ويمكن لأي مراقب أن يسجل أيضا ملاحظة غياب مفردات التسامح ضمن منظومة الخطاب السياسي .. بل لازال البعض يعتبر ورود بعض تلك المفردات منقصة .. ولا يفسره بغير الضعف .. وشخصياً أعتبر خلو خطابنا من مفردات التسامح مظهراً من مظاهر اللاتسامح .. وإن حدث ـ فى الحالة الليبية عموماً ـ وطفت على السطح بعض مظاهر قبول الأخر ( شكلياً ) فغالباً ما تنتهي تلك الطفرة عند صخرة الحدث السياسي .. فبمراجعة بسيطة لأرشيف الأحداث ستجد أن قيم المدنية والتسامح تنتهك وتعلو الأصوات المطالبة بتجاوزها بمجرد حصول تغيير طفيف فى قواعد اللعبة .. وهذا أمر يدل على أن الأصل تجّذر خطاب اللاتسامح .. وأن ما عدا ذلك هو الطارئ .. ولا أريد أن أصل الى إحتمال أن يكون خطاب التسامح قد استخدم ـ أو أمتطي ـ لكسب بعض المعارك التكتيكية فى فترات التعثر .. لا أكثر .

فإلاستخفاف أو تجاهل قيم التسامح من أخطر ما يمكن أن تصاب به الأمم.. فيكفي نظرة الى التاريخ لنعرف كيف حُسمت الكثير من القضايا عن طريق التسامح الذى زرع فى المجتمع مسبقاً .. وعندما حان زمن تفعيله لم يتأخر الناس فى قبوله .. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كان فى مشوار صراعه مع قريش ـ التى نازلها عسكرياً لعدة مرات ـ يغرس فى أصحابه أن التسامح أصل من أصول الشخصية السوية .. ولم يسمح لوسائل الصراع ـ ومنها القتال ـ أن تلغيه .. لذلك يوم فتح مكة لم يكن الإنتقام هو سيد الموقف .. بل على العكس كان التسامح هو الأساس الذى حسمت به الأمور .. وحتى لا يقول قائل أن ذلك حصل بعد إنتهاء الصراع .. أقول لو لم يكن التسامح خلقاً غرس فى نفوس الصحابة لما أمكن التسامح يوم الفتح .. فالحرب هي الحرب .. ونحن نتحدث عن مجتمع حديث العهد بالجاهلية .. ويستحوذ منطق الثأر على مساحات كبيرة من تفكيره! .

ولعل أحد أهم دروس التسامح التى حث عليها القرآن ـ قبل الفتح ـ كما فى قوله تعالى { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم }(3) جاءت يوم معركة أحد .. فعندما وجد النبي صلى الله عليه وسلم عمه " حمزة " قد قتل .. ومُثل بجسده .. ساءه ذلك وغضب .. وقال : والله لو أمكنني الله من قريش لأمثلن بسبعين منهم !! .. فجاء التشريع بعكس ذلك تماماً .. ونزل قوله تعالى { ليس لك من الأمر شيء } .. فعَدل النبي عن ذلك .. بل ونهى يومنذ عن المُثلة.. " فأحُد " هي الموقعة التى هزم فيها المسلمون .. ولا يخفى أن الهزيمة من دواعي تهييج حالة الإنتقام فى النفوس .. وبالرغم من ذلك جاء فيها أحد أهم دروس التسامح .

أما الدرس القريب .. فهو من العهد الملكي .. فبعد أن هزمت إيطاليا فى الحرب العالمية الثانية.. ومنحت الأمم المتحدة ليبيا إستقلالها.. ورجع الملك ادريس من مهجره .. وعاد كافة رجالات ليبيا ومجاهديها من المنافي .. ولم يعد سراً أن هناك الكثير من الليبيين قد تعاونوا مع الطليان .. ومع هذا لم نسمع أو نقرأ عن محاكم تفتيش أقيمت لمن تعاونوا مع الطليان .. وتسببوا فى تشريد وقتل المجاهدين .. بل من العجيب أن الشخص الذى وضع حبل المشنقة فى رقبة عمر المختار لم ينله أي أذى ومات ميتة طبيعية .. بل لعلك تعجب أن التسامح الذى أبداه الليبيون قد أعان الدولة على الدخول مباشرة فى معركة التنمية .. وأعفاها من معركة الإنتقام .. وما تخلفه من ثارات لا تنتهي .. ومنها الإستفادة من قدرات الدكتور العنيزي أحد رجالات الوفد الذى خاض معركة الاستقلال فى الامم المتحدة .. بالرغم من كونه كان عضواً فى الحزب الفاشي الإيطالي !! .. وكذلك مشاركة بعض التكنوقراط ( الذين كانت تدور حول سيرهم همسات تشير الى تعاونهم مع الطليان ) فى كادر الدولة مثل السيد المنتصر وغيره .. .. ولكن حكمة الملك .. تجاوزت الرغبة فى الإنتقام الى الرغبة فى البناء .. وهي حكمة يبدو أننا نحتاجها اليوم بشكل ملّح .

فالتسامح خصلة حميدة .. ولا يمكن أن تكون ثماره إلا الإعمار.. والإنتقام خصلة ذميمة ..ولا يمكن أن يكون ثماره غير الدمار .. والتسامح لا يعني بتاتاً التنازل عن الحقوق .. أو المهادنة فى مشوار المطالبة بها .. بل يعني التوازن فى تقدير الأمور .. ويشير الى خلو العقلية التى تقود الحِراك ( السياسي / الاجتماعي/ الديني / الثقافي ) من أي لوثة أو شذوذ قد تجر المجموعة الى الهاوية .. وقد مرت معنا نتائجه .

وأتصور أن المجتمع الليبي اليوم قد وصل ـ نتيجة لممارسات عَشريتي العنف ـ الى مستويات لا يمكن حلها إلا بالتسامح .. فتصفية حسابات ما يقرب من نصف قرن .. تحتاج على الأقل لربع قرن من التطاحن .. ولا أدل على ذلك من قضية المحاكمات التى شهدتها حقبة السبعينات لتصفية بعض الحسابات مع رجال المملكة .. وكيف أنها لا تزال تجر ذيولها الى اليوم .. فليبدأ مشوار التسامح بين الليبيين من اليوم .. وكل يوم يمر علينا نستطيع فيه أن نغفر وأن نتسامح مع بعضنا البعض ـ كمجتمع ـ سيعفينا من يوم من أيام الثأر.. وتصفية الحسابات بطريقة إنتقامية .. والتسامح سيعلمنا أن نعيش كبشر لا كوحوش هائجه .. وسيعلمنا أن تحقيق العدالة لا يتم عن طريق إطلاق الرصاص فى الشوارع .. وبقرار فردي .. لأن للعدالة ـ التى ننادي بها ـ منصات قضاء مستقل .. لو حرصنا على التمسك بها ـ كثابت من ثوابتنا ـ فسنحمي المجتمع من الإحتكام الى منطق الثأر المتخلف .

وشخصياً أجتهد كل يوم أن أتعلم عودة التسامح الى نفسي .. فالرغبة فى الإنتقام من الآخرين .. نفق مظلم لا نهاية له .. قد تبدأ كما لو أنها موجّهة للسلطة .. ولكنها متى تمكنت من صاحبها ستجعله قادراً على تبرير التنكيل بأصدقاءه .. وأول ضحايا الإنتقام هو المنتقم نفسه .. لأنه سيفقد القدرة على تذوق طعم الحياة من حوله .. وسيفقد القدرة على الإيجابية .. وسيتحول تدريجياً الى شخصية سلبية رافضة لكل شيء .. ولإشباع الرغبة فى الإنتقام ستعمل تلك الشخصية على خلق أعداء وخصوم لكل مرحلة .. وستدخل فى دائرة الإنتقام التى لا نهاية لها إلا بموت صاحبها .

وربما يكون جوابي المبدئي على سؤال : هل فقدت الشخصية الليبية تسامحها ؟! .. هو ( نعم ) .. وليكن لنا شرف المشاركة فى وضع لبنة عودة التسامح فى الوطن والمهجر.. إنطلاقاً من تقييمنا لواقعنا .. وإستشرافنا لمستقبلنا .. إذا أردنا أن نعيش ويعيش أبناؤنا حياة أكثر إستقراراً وسلاماً.

عـلوتم فتواضعـتم عـلى ثقةٍ ... لمّا تواضع أقوام عـلى غِـرّ(4) .

والسلام

عـيسى عبدالقيوم
________________________

1ـ من كتاب " أصول النظام الاجتماعي " للعلامة الطاهر بن عاشور.. صفحة 353 .
2ـ مقالة " جون أفريك " تجدها فى موقع أخبار ليبيا تحت هذا الرابط :
http://www.akhbar-libya.com/modules.php?name=News&file=article&sid=24468
3ـ سورة النور .. الأية :22.
4ـ البيت لإبي العلاء المعري


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home