Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 15 November, 2006

لهـذه الأسباب ولغيرهـا...

عـيسى عـبدالقيوم

أشرت ذات مرة ـ على إستحياء ـ للفرق بين الحكمة المكتسبة والحكمة الموهوبة .. ولم أسترسل فى الموضوع يومها حتى لا اُفهم غلط .. ويُفسر الكلام على أنه تقليل من شأن بعض ممن يتصدرون للأحداث التى يشهدها الوطن والمهجر .. ولكن الخلل الذي بدأ يطرأ على التركيبة الهرمية المناط بها شرف إدارة الأمور .. والتى يفترض أنها مُرتبة وفق معايير كونية .. قد زاد بشكل مستفز .. فى ظل تنامي منحى التبسيط والتسطيح لمفهوم العلاقة .. ففتحت فيها نوافذ جانبية تسلل منها رهط اُعفي جلّهم من خوض أي تصفيات إما لخلفيتهم الإجتماعية .. أو لمراكزهم المالية .. وبعضهم تكرمت الموجة الدينية بإرساله الى عليين .. طبعا دون إغفال لقوة دفع الوشائج البيولوجية والإيديولوجية .. فبات من المنطقي أن نتحدث عن هذه القصة قليلاً .. فالفشل ليس دائما ذا علاقة بمؤامرة ما تحاك ضد هذا الطرف أو ذاك .. ففي كثير من الأحيان يتسبب تدني مستويات الذكاء فى الفشل والإخفاق .. فالغرور أو الإستعلاء المزيف الذى يخلفه وصول شخص ما الى مركز ما بطريقة غير طبيعية .. كالوصول لسدة الحكم عن طريق الإنقلابات .. أو دخول عالم السياسة من باب الوراثة .. أو تصدّر المجالس ومراكز صنع القرار عن طريق التعيين .. غالباً ما تحجب عن المعني حقيقة الذات .. وتجعله يتصور بأنه الأكثر تأهيلا بين الحضور .. وبالتالي لا ينقصه إلا أن يقرر .. وتتمة قصة قرارات الأقل ذكاءً ـ حتى لا أقول الأكثر غباءً ـ معروفة ولها تاريخٌ يحفظه التاريخ .

وفى سياق الحديث عن المكتسب والموهوب .. نجد القرآن الكريم قد إهتم على نحو ما بهذا الموضوع .. وترك لنا عدة إشارات لوجود فارق حيوي فى مراتب الذكاء وما يترتب عليه من بلوغ درجة " الحكمة " كمؤشر على نسبته .

فأشار الى الحكمة المكتسبة عبر التعلم .. بقول : " يعلمهم الكتاب والحكمة " (1).
وأشار الى الحكمة الموهوبة من عند الله .. بقوله " أتيناه الحكمة وفصل الخطاب " (2).

فالمكتسب من الحكمة يتعلق على نحو ما بدرجات أو مستويات الذكاء .. فنجد الطلبة فى الجامعة الواحدة بل فى المدرج الواحد ولا ينبغ منهم سوى الندر اليسير.. ولو قيست مستويات الذكاء عند من نبغ لوجدت أعلى مما عند غيره .. ولا أدري لماذا يجول فى خاطري ان الحكمة المكتسبة غالباً ما تكون متخصصة .. بمعنى أن صاحبها ينجم فى باب أو فن واحد .. وبطريقة تلقينية تقليدية غير قابلة للابداع .. بل ربما يفهم صاحب الحكمة المكتسبة الإبداع فى سياق " كل محدثة بدعة .. وكل بدعة فى النار " .

أما الموهوبة منها فهي التى ترتسم مظاهرها على صاحبها فى وقت مبكر .. وربما تساعد الأمور المكتسبة على سقلها وتهذيبها لا أكثر .. وهي تعني بالضرورة النباهة وحضور البديهة .. وسرعة الإستيعاب .. والقدرة على التمييز .. وعدم الإكتراث بمخالفة السائد وإعمال العقل فيه .. وأتصور أن صاحب الحكمة الموهوبة له القدرة على إستيعاب عدة مجالات .. وغالباً ما يصاب بالضجر من طرق التلقين .. أما موضوع الإبداع والتطوير فهو جزء أصيل من تركيبة هذه العقلية (3).

وبالتأكيد فمن مصلحة الشعوب المتطلعه للنهوض .. أو جماعات البشرية الناضجة .. أن يتبوأ مقاعد القيادة وتصريف الأمور فيها الأشخاص الذين يمتلكون الحكمة الموهوبة .. ويتربعون على أعلى قائمة سلم الذكاء .. وهنا قد يتساءل عاقل ـ وهو مُحق ـ : وكيف السبيل لمعرفة أولئك ؟! .. وربما الإجابة الأولية هي بتبني الوسائل التى ترتكز على مبدأ المنافسة الشريفة .. وتنطلق من ألية الإنتخاب المباشر .. لِما لمشوار المنافسة من قدرة على فرز العقول وتحديد قدراتها للجمهور .. ولِما لألية الإنتخاب من قدرة على التقليل من نسب الخطأ فى الإختيار .

أما سبب نكش هذا الموضوع من جديد فقد يعود لتذكري لإشارتي السابقة عندما قرأت كلام الأستاذ عبدالله الكبير عن أسباب تنكّب الأمم .. ـ فى مقالته المعنونة بـ" مسارات " ـ وحدد أحد أسباب تلك النكبات بقوله [ .. عندما تطفو عقول آخر سلم الذكاء إلى المناصب القيادية ، بفعل الصدف البيولوجية أو العلاقات الإجتماعية البدائية ، وبانقلاب السلم ينقلب كل شيء ..](4).

وربما كان لبعض الأحداث السياسية التى شهدها الأسبوع المنصرم دور فى تأجيج الرغبة فى نكش الموضوع من جديد .. فعلى الصعيد السياسي .. جلبت قصة التعيين وليس الإنتخاب شيء من الأزمات الراهنة .. فبصراحة عندما تـُحجز مقاعد العمل السياسي على الخلفيات التى سبق ذكرها.. لا يمكننا التكهن بقدرات من سيشغرها فى ظل غياب مشوار التنافس الطبيعي .. وفى هوجة إلغاء أليات الإنتخاب المباشر .. فكم من أحمق أوصلته الصدف البيولوجية الى أعلى هرم السلطة .. وكم من أجوف أوصلته التبعية الأيديولوجية لمناصب حساسة .. وكم من هاوٍ أوصلته حكاية المقاعد المحجوزة سلفاً لمواقع صنع القرار .. وفى كل الأحوال أثبتت التجارب أن ضريبة وجود الشخص غير المناسب فى المكان غير المناسب كبيرة .. فكيف إذا كان الموضوع أبعد من قصة مناسب وغير مناسب .. ويتعداها الى إشكالية توفر مستويات الذكاء .. وما لها من أثر على مدلول مصطلح الحكمة الذى يرى البعض أنه يعني : " وضع الشيء المناسب .. فى المكان المناسب .. فى الزمن المناسب " ! .

لهذه الأسباب ولغيرها يرجع ـ فى تقديري ـ ما نراه من تخبط فى عملية إصلاح الدولة الليبية .. فالكثير ممن يرزخون فى مؤخرة قوائم الذكاء يتصدرون لفكرة تطوير أو إصلاح بعض قطاعات الدولة الهامة ..ويتساءلون لماذا لم تنجح مساعيهم ؟!! .. ويتطرقون لكل الإحتمالات .. إلا إحتمال أن يكونوا هم السبب الرئيسي فى الفشل ! .. لأن تضاريس وجوه بعضهم تشير الى أن العناية الإلهية لم توهبهم الحكمة .. ويرفضون فى ذات الوقت فكرة خوض مشوار المنافسة من أجل إكتساب بعض الحكمة .. فأصبح منظرهم وهو يحملون ملفات المهمات الصعبة فى الدولة " كمثل الحمار يحمل أسفارا " .

ويعاني خندق المعارضة أيضا من ذات المعضلة .. ودون الدخول فى تفاصيل قد تكون مكررة .. يلزمه لإستعادة حيويته ولتقليل من حدوث أزمات مفاجئة فيه التفكير فى توحيد المعايير .. فإذا كانت مصوغات المجاهرة بمعارضة الأنظمة قائمة بصورة رئيسيه على إتهامها بالإقصاء .. ورفضها لمبدأ الإنتخابات .. فمن غير المبرر أن تولد مشاريع المعارضة على أسس تستبعد المسوغات التى من أجلها وجدت .. فأتصور أن الوقت قد حان لممارسة شعارات بوزن " لا زعامة إلا لمنتخب ".. " ولا تكليف إلا عبر مشوار المنافسة الشريفة والشفافة " .

وأيضا لن أغادر قبل أن أهمس الى صديق فى التيار الإسلامي بالقول : صديقي العزيز قد يكون الإيمان جُنّة ( ساتر ) من النار .. ولكنه ليس جُنّة من دخول التصفيات النزيهة لأجل تولي مهام تصريف الأمور الدنيوية .. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا ابوذر " إنك ضعيف " عندما تعلق الأمر بتصريف الأمور .. بالرغم من أنه بشره بالجنة عندما تعلق الأمر بالإيمان ! .

سادتي الكرام .. يا من تبحثون عن خير ليبيا .. وعن مستقبلها .. وعن إنتشالها من وضعها المزري .. فتشوا عن أصحاب الحكمة الموهوبة بينكم .. ولكي تصلوا اليهم .. ولكي تمنحوهم فرصة المشاركة الحقيقية .. أطلقوا مشوار التنافسات الشريفة.. وفعّلوا أليات الإنتخاب الحر.. فقد إستـُنفذت كل الأخطاء الممكنة ولم يعد أمامكم إلا التصحيح أو التكرم بالتوقيع على شهادة إخلاء الذمة .

أقول ما تقرؤون .. وأستغفر الله لي ولكم .. وقوموا الى حياتكم .

عـيسى عـبدالقيوم

________________________

(1) الأية رقم 2 من سورة الجمعة
(2) 2 الأية 20 من سورة ص.
(3) يذهب الباحث " ستيرنبرغ " الى أن الإبداع أحد أهم مظاهر قياس الذكاء.
(4) مقالة الاستاذ عبدالله الكبير تجدها تحت هذا الرابط .. واستغل هذه المناسبة لكي اصافحه متمنياً له دوام التألق.
http://www.libya-watanona.com/adab/aalkabir/ak24106a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home