Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 15 September, 2007

لا تذهـب بعـيداً

عـيسى عـبدالقيوم

عزيزي .. لا تذهب بعيداً .. وتأمل الأشياء التى حولك .. الأشياء التى ربما تستخدمها وتشاهدها بشكل يومي .. حاول أن تغوص فى أعماقها الفلسفية .. ولا تخشى ممن يساوي بين الفلسفة وعبادة الأوثان .. فمن خلاله نجح السلطان فى لجم العقول لسنين طويلة .. وأركب على ظهورنا أحجاراً صماء لا تقل بلادة عن اللات والعزى .

على أي حال وبالرغم من تعريف شهر رمضان على أنه شهر الأكل والنوم .. وأضيف إليه أخيراً .. والستلايت .. إلا أنه لا مانع من الكلام عن بعض المعاني التى ترمز اليها بعض الأشياء التى تصادفنا فى حياتنا اليومية .

أسوار :

كلما مررت على جامعة من جامعات بلاد الله المنعتقة من وصاية العقل الحجري .. أجدها مبنى لا أسوار له .. وما يفصل بينها وبين الطريق العام فى الغالب شريطاً أخضراً لا يقل روعة عن بُسط فاس .. تحفـّه باقات الورود أو بعض الشجيرات الصغيرة .. أما فى أوطاننا المغفور لها فلكل شيء سور حصين تعلوه فى الغالب أسلاك شائكة .. فلا تستطيع أن تفرق بين مبنى الجامعة .. ومعسكر الجيش .. ولا حتى المقبرة .. وإذا كان العقل يمكن أن يقبل فكرة تسوير الثكنة العسكرية .. ويمكن أن يبتلع فكرة سور وأسلاك لحرم جامعي .. فما هو مبرر وجود سور وأسلاك حول المقابر يا عباد الله ؟!.. فهل هذا يعني وجود رغبة مبيّتة لمحاصرة الموتى عند قيام الساعة .. مثلاً .. خشية أن يتحولوا الى شهود إثبات على كوارث يراد لها أن لا توضع فى الميزان ؟!! .. ربما .. فكل شيء فى البلاد التى تسّور مقابرها كما تسّور جامعاتها جائز ومغتفر ومبرر .. ولنتذكر أن سور الصين العظيم .. لازال يرمز الى حاكم " جبان " رغم عظمته .

أقفال :

كنا .. ( وهو فعل من أفعال الماضي يطلق وبراد به الحسرة ) .. كنا نرى محلات ومخازن تغلق بوضع شارات صغيرة على مداخلها .. أو أقفال داخلية لا يرى منها إلا ثقب المفتاح .. فكان المشهد يشي بشيء من الثقة والإستقرار .. المصحوبة بمسحة من الجمال.. فأصبحنا مع منظر الأقفال العملاقة التى لا تتناسب وحجم المحروس .. فكمية الحديد والأقفال المستهلكة ـ مثلا ـ لحماية محل تابع للدولة يبيع التبغ .. تجعل عابر السبيل يظن أنه أمام مكان لتخزين رصيد الدولة من الذهب !!.. أما فى بلاد الله المنعتقة .. فحتى البنوك وأغلى المحلات التجارية لا تزال واجهاتها من الزجاج .. وأقفالها مستترة .. فالحماية قد تحولت من العضلات الى التكنولوجيا .. وفهموا أن الحماية الحقيقية تكمن فى الثقافة والوعي .. وقبلهما فى عدالة توزيع الثروة .. فالرجل الذى يضع قفل أكبر من حجم رأسه لحماية بضاعة تافهة .. أتصور أنه هو ذاته قفل يأكل الطعام ويمشي فى الأسواق .. ويحتاج الى تغيير واجهة تفكيره قبل واجهة محله .. والدولة التى تسهم فى هكذا ظواهر ـ أو تدفع بتصرفاتها إليها ـ تستحق أن يسحب منها حتى وصف " العالم الثالث " .. ولتبحث لها عن مكان فى مؤخرة الكون الفسيح .

أبواب :

لاخلاف بين أمم الأرض على ضرورة وصد أبواب " الحمامات " كإجراء إحترازي لحماية الذوق العام قبل حماية مؤخراتهم .. ولستر عملية قضاء الحاجة قبل ستر إعوجاج سيقانهم .. فلا أظن أحد يرغب فى مشاهدة العملية مهما كان متفسخ الأخلاق.. منتكس الضمير ..وهكذا لو سألت " عابر حمام " من الأمم المنعتقة سيجيبك بذات الجواب .. أما فى بلادنا التى نصّر على أنها رائدة فى كل شيء .. فلمحة صغيرة على الحمام من الداخل تخبرك بأن لوصد الأبواب فوائد أخرى .. ربما أهم من عملية حماية المجتمع من مخلفات غاز " النشادر" .. فالمطوب ستره ـ بوصد الأبواب ـ تجده على حوائط الحمامات .. التى تحولت الى عرائض إحتجاج ضد السلطة .. وضد تقاليد المجتمع.. فما لا يستطيع المواطن مواجهة الحكومة به.. أو مواجهة مجتمعه به.. يلجأ الى الحمام ويوصد الباب خلفه جيدا.. وبدلاً من أن يخلع بنطاله .. يخلع خوفه ويبدأ فى التعبير عن ذاته الحقيقية .. فتعساً لأمة لا تجد حريتها .. ولا ذاتها .. إلا فى مربع يسمى " الكنيف " !.

نوافذ :

إذا رسم لنا مهندس معماري خارطة جغرافية لبناء قرية مثلا .. دون أن يجعل للمباني نوافذ ومنافذ .. وسألت أحدهم عن رأيه فى الخارطة .. فبكل تأكيد سيقرر بعد مراجعة بسيطة لها بأن مهندسها فاشل .. هذا إذا لم ينعته بالمجنون .. وإذا طالبته بتعليل موقفه .. فسيقول من فوره : ببساطة لأن النوافذ ضرورية لدخول الشمس .. ولتجديد الهواء .. وللإطلالة على الشارع الكبير .. وأيضا فهي مخارج طوارئ !! . والغريب أن ذات الشخص لو عرضت عليه خارطة سياسية لمشروع مستقبلي .. فلا نجده يهتم لوجود نوافذ من عدمه .. بالرغم من أن خطأ الخارطة المعمارية قد يكلفه بضع جنيهات من أجل ترميمه .. فيما خطأ الخارطة السياسية قد يكلفه مستقبله .. رغم ذلك نجده يصر على أن من مسئولياته تصويب الخطأ المعماري .. والموت دونه .. فيما يرى أن الخطأ السياسي قضاء وقدر .. ومن تمام إيمانه أن يستقبله .. أو يغض الطرف عنه .. أليس غريباً أن نرث هكذا فهم .. ونورّثه ؟!.. أليس معيباً أن نعيش لعشرات السنين ونحن نراوغ الحقيقة ؟!.. أليس عجيباً أن ندفع أغلى سنين عمرنا من أجل إنجاز الخارطة المعمارية التى سننام تحتها ونتبول في حواشيها .. ونتلكأ عن دفع جزء من عمرنا المديد لإنجاز الخارطة السياسية التى تمثل حجم أدميتنا وفهمنا لفلسفة الكون العظيم ؟!!.. لو إستمريت فى الكتابة فقد أكفر بكل دفاتركم .. وأخسركم جميعاً .. شيوخاً وساسة ووعاظ .. لذا قررت أن يستمر الحوار .. فوضعت نقطة النهاية هنا .

دَرَج :

الدرج أو السلالم دائماً ما نصّر على أنها لنقلنا من أسفل الى أعلى .. بالرغم من أن كل الذين يصعدون الى أعلى يحتاجونها من أجل النزول الآمن .. فنجدهم يستخدمون ذات السلالم التى أوصلتهم الى أعلى .. ولا يقفزون من أعلى العمارة مثلا .. فلماذا الإصرار على شرح فكرة السلالم أو الدرج على أنها للصعود فقط ؟! .. ولماذا لا نقبلها على أنها أداة مناسبة للنزول أيضا ؟!.. ولماذا لا يكون هذا الفهم جزءً من ثقافة تؤكد على أن وسيلة الصعود يجب المحافظة عليها حتى بعد أن نصل الى قمة الهرم .. لأن هناك زمن للعودة يجب أن نؤمن به كذلك .. وعندما يحين سنجد ذات الوسيلة التى أوصلتنا الى أعلى جاهزة من أجل عودة سالمة .. فربما يشير الإصرار على وصف السلالم أو الدرج بأنها للصعود فقط .. الى أن صاحبه لا يرغب فى النزول .. وهي على أي حال رغبة أثبتت التجارب أنها مميتة .. وأن صاحبها لا يقرأ التاريخ .. ولا يعرف خصائص الجغرافيا .. فحتى الذين بنوا الاهرامات نزلوا أخيراً ودفنوا تحت أخر درجة فيها .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home