Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 15 February, 2006

من جديدنا القديم

عـيسى عـبدالقيوم

أزعم أننى أحاول اللحاق بالذين يحاولون تطليق خصال ليبية سيئة .. والتى منها سيطرة روح التشاؤم الممزوج بالكآبة .. وأن أستبدلها بشئ من التفاؤل والإبتسام .. كما أنني أجتهد وسعي فى أن أبتعد ـ ما إستطعت ـ عن سيئة أخرى وهي الظهور بمظهر الغاضب أو المتذمر من كل شيء .. عن طريق الإبتعاد عن كثرة الردود والتعليقات على كل ما لا يروق لي .. وأن استبدل ذلك بطرح وجهة نظري حيال ما أعتقد أنه الصواب .. ونظراً لفداحة أثر الموروثات الدينية والشعبية الخاطئة على التركيبة الليبية .. فكثيراً ما تظهر المَهمة كما لو أنها التطلع الى قمة " إفرست " ! .

هم علموني البكاء ما كنت أعرفه        ليتهــم علمـــــوني كيـف أبتســم

عموماً.. ورغم إستحضاري لكل تلك النوايا الحسنة التى عقدت العزم على التشبث بها .. وجدتني بعد مطالعة المقابلة التى أجرتها صحيفة " دى بريسه " النمساوية.. فى مطلع هذا الشهر( 10 فبراير 2006) مع السيد سيف الاسلام القذافي .. ونشرها مترجمة موقع مؤسسة القذافي للتنمية (*) .. وتناقلتها مواقع أخرى .. أتوقف عند أحد فقراتها ناقداً ( وأمري لله ) .. فأنا أعتقد أن كل الذين يطرحون وجهات نظرهم عبر وسائل الإعلام العامة .. ولا يبقونها ضمن خصوصياتهم .. يرغبون بشكل من الأشكال فى سماع ردود الأفعال حيالها .. ويأملون ـ بالطبع ـ أن تكون تلك الردود إيجابية .. وقد كنت أتمنى ـ بالفعل ـ أن نفتتح العام بشئ إيجابي ( على الأقل من باب الفال الحسن ) .. ولكن هكذا جرت الأمور .. وربما يكون الشيء الإيجابي المتولد عن النقد ـ رغم مرارته ـ هو المزيد من العرض لوجهات النظر المختلفة .. علها تنجح ـ على الأقل ـ فى توحيد الرؤى حول شكل وملامح وأبعاد الأزمة .. فى ظل إستمرار التباين الحاد حول طرق علاجها .. هذا بالإضافة الى ما يشكله النقد ـ المنضبط والموضوعي والملتزم ـ من إختبار لمدى الإيمان بقيم حرية التعبير.. وقبول الرأي الأخر.

اما العبارة التى استوقفتني فهي :
((نحن نحتاج الديمقراطية. نريد برلماناً حقيقياً. ووسائل إعلام حرة . وحرية الرأي والتعبير))

فى تقديري لو عُرضت هكذا بداية على أي سياسي مهما كان متعنتاً فى مواقفه.. فإنه سيقبلها ولو على مضض .. ( وإن كخطوة تكتيكية ).. وقد يعتبرها ـ على الأقل ـ بداية جيدة على الورق ! .. فلاشك أن تحديد ماذا نريد .. وماذا ينقصنا بشكل دقيق .. يمثل إنطلاقة مثالية لبداية عام سياسي جديد.. ولو أنني سمعت تلك الجُمل للمرة الأولى فلربما جعلتني أكثر تفاؤلاً من الأن.. ولكن بالنظر الى أن عبارات المطالبة بالحريات العامة مكررة.. فلم يعسر عليّ توقع أنّ الترقب الحذر سيكون هو سيد الموقف .. بل لعل أي مراقب سيجد العذر للبرود الذى باتت تستقبل به هكذا تصريحات من طرف الكثير من المهتمين بالشأن الليبي .. الذين ربما أمسوا لا يرون فيها جديداً .. ولا أريد أن أذهب أبعد من ذلك حتى لا أتهم بالنكوص عن الوعد بتطليق خصلة التشاؤم !.

ولكي تتحول البداية المتفائلة " على الورق " الى واقع .. فإنها تحتاج على الأقل ـ فى ظل تأزم الحالة الليبية وإرتباكها ـ الى بُعدين هامين كحد أدنى .. هما :

البعد الأول أن يتاح لكافة المهتمين بالشأن الليبي داخل الوطن أن يتكلموا بذات اللهجة .. وأن يستخدموا ذات المفردات .. فلا يعقل أن تنقل تلك المطالب عن موقع مؤسسة تابعة للسيد سيف الاسلام.. يبث من داخل ليبيا .. فى الوقت الذى يقبع فيه نفر من أبناء الوطن فى السجون لإستخدامهم ذات المفردات .. ومن غير المتوقع أن يكون الخطاب مقبولاً ومرحباً به فى الأوساط الليبية .. فى الوقت الذى سيضطر كل من ينادي بذات المطالب المعروضة أعلاه للوقوف أمام محكمة إستثنائية .. فالخطوة الأولى التى تحيل الكلام من حبر على ورق .. الى ورق على الطاولة .. وتفرض علينا الإنتقال من حالة التشاؤم الى حالة التفاؤل .. تكمن فى الإنفتاح المصحوب بتفكيك منظومة القوانين المخجلة التى تعاقب وتجرّم كل من يطالب بذات المطالب المذكورة.. كقانون الشرف.. وقانون حماية الثورة.. وقانون الشرعية الثورية .. وغيرها من القوانين التى تنتمي الى عهد الأبيض والأسود .. فالأمور التى تمس إحتياجات الشعب الليبي ـ فى مجال الحريات العامة ـ يجب أن يكون الحديث عنها متاحاً للجميع .. ويمكن رصده فى أكثر من مربع .. وعند أكثر من جهة .. هذا إذا أردنا أن نثبت ـ لأنفسنا قبل العالم ـ أن هناك جديد ضمن القديم الذى نعرضه .. أو نتعرض إليه .

والبعد الثاني هو سرعة الإنتقال للبحث فى أليات تطبيق هكذا وعود مكررة .. فكل فقرة من الفقرات المذكورة أنفاً تحتاج الى خارطة طريق لجعلها حقيقة ملموسة .. وبالنظر الى الإنغلاق الذى تعاني منه الحالة الليبية فى ظل الهاجس الأمني المسيطر عليها.. وفى ظل غياب أي مؤشرات تشير الى ولادة إرادة سياسية حقيقية لتحقيق ما وصفها السيد سيف الإسلام بأنها مطالب "الشعب الليبي" .. فإن الكلام سيظل كلاماً .. وربما يشير الى أننا سنستمر لوقت أطول فى لعبة الباب الدوار.. طالما غاب الحديث عن الأليات عن المشهد .. وحتى لا أكون مجحفاً .. أو مجافٍ لقواعد الموضوعية .. فإن المسؤلية فى أحد مستوياتها ربما تقع أيضا على النخبة الليبية فى الداخل .. فعليها واجب التقدم خطوة فى إتجاه إنتزاع حقها فى المشاركة فى صياغة أو صناعة القرار.. فكثيراً ما يكون الخوف حائطاً من الوهم .. يصنعه الناس ثم يهابونه .. فوجود ما وصف فى المقابلة " بحرية الرأي والتعبير .. وحرية الإعلام الحر" .. لا يتأتى إلا من خلال مطالبة قوية من النخبة ( وأسف لتكرار عبارة النخبة لأني أعتقد أن الشعب الليبي فى حالة لا تسمح له حتى بمعرفة أخر الأخبار فضلا عن المطالبة بتفعيلها ) .. فنحن نقترب من الإتفاق ـ تقريباً ـ على أن الأصل هو ما يجب أن يحدث فى داخل الوطن .. وما عدا ذلك يفترض أن يتحول الى رافد وسند .. وأخذ زمام المبادرة فى قصة التحّول تحتاج الى قرار جريء .. فالحقوق ـ كما تعلمنا ـ تنتزع ولا توهب .. والسياسي وإن كان رئيس دولة .. أو زعيم أمة هو فى نهاية المطاف بشر .. يتأثر سلباً وإيجاباً بما يتأثر به البشر.. وكذلك فكل سياسي فى العالم ـ طالت قامته أم قصُرت ـ لابد وأن تحتوي أدراج مكتبه الخاص على حزمة من التنازلات السياسية .. ولكنه لا يُقدم على تفحصها إلا عندما يتقدم أصحابها .. وينجحون فى إيصال صوتهم الى مقر إقامته .

إتفق عقلاء الدنيا ( وأرجو أن لا نكون بمعزلٍ عنهم ) على جملة من الأمور عادة ما تصحب تحول دولة ما من حالة الى حالة .. منها أن الأمر يحتاج الى زمن ونضال .. والى فهم إتجاهات رياح القوى الدافعة التى تقف وراء الأحداث .. والى تضحيات وموازنات .. وأحياناً الى تنازلات مؤلمة .. ولكن تبقى البداية دائما هي التأكد من مصداقية الحدث .. والتثبت من وجود إرادة حقيقية لتفعيله .. حتى لا يتكرر المشهد الدرامي .. الذى يبدأ بالتصفيق .. وينتهي بخيبة الأمل . وما نشاهده .. أو نقرؤه يمثل وفق المعايير الصحفية حدثاً من أحداث الصفحة الأولى .. ولكنه وفق المعايير السياسية يحتاج الى أمور أكثر من ترجمته الى العربية .. لأن ذات العالم الذى قبلنا منه نصيحة أن الخصخصة تشكل الحل الأمثل للمشكل الاقتصادي .. هو ذاته العالم الذى يذهب الى أن خصخصة القرار السياسي تمثل جزءً من المشكلة لا الحل .. افلا يجعلنا النظر من هذه الزاوية على صواب .. فى حال ما إذا قررنا أننا أمام ظاهرة " إزدواجية معايير ".. ليبية هذه المرة ؟!.

لقد باتت الناس تبحث عن الأمل وكأنه إبرة فى كومة من القش.. وليبيا كدولة تأخرت بما فيه الكفاية.. ومشاهد التخبط لم تعد خافية على أحد.. والمعاناة وصلت الى الذروة.. وأظن أن الآوان قد آن منذ مدة للخروج من عنق الزجاجة.. ويقيناً فإن فكرة الإكتفاء بالتصفيق للحدث .. أو بتزكية ما تفاجئنا به وسائل الإعلام ـ بين الحين والأخر ـ من أشياء تشبه المكرومات الملكية.. لم يعد كافياً.. فليبيا وطن الجميع.. ومن حق رجالاتها الحديث عن أزمتها.. والإصرار على الإسهام فى تقديم ما يرونه صواباً حيالها.. فهذا القدر ـ عندما تتم بلورته بصورة سلمية ـ سيمثل الأصل الذى لا مشاحة حول مشروعيته.. وعلى الذين يرفضون فكرة الشراكة فى الوطن أن يفهموا أن موقفهم هو الشاذ.. وعليهم أن يعيدوا النظر فيه.. ولربما ستساعدهم المتغيرات من حولهم على تحديد مواطن الشذوذ أو الخلل فى موقفهم.. كأن ينظروا ـ على سبيل المثال ـ الى الأزمات التى إجتاحت الدول المحيطة بليبيا.. ويتدبروا فى كيفية حلها.. وتحديداً فى موقع فلسفة "الشراكة فى الوطن" من تلكم الحلول التى أوصلت جيراننا الى بر الأمان؟!.

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(*) رابط المقابلة المشار اليها على موقع المؤسسة :
http://www.gaddaficharity.org/news11022006B.htm
- تتحدث مصادر إعلامية عن احتمال إطلاق سراح عدد من السجناء السياسيين.. لاشك أن الخطوة لو تحققت فستكون مؤشر إيجابي فيما يتعلق بلمف حقوق الإنسان. انظر الرابط على موقع اخبار ليبيا :
http://www.akhbar-libya.com/modules.php?name=News&file=article&sid=23461


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home