Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 14 December, 2007

وللقصة وجوه أخرى...

عـيسى عـبدالقيوم

كتبت الليبية "وفاء البوعيسي" ما كتبت.. تحت عنوان "للجوع وجوه اخرى ".. ولست بصدد تقييم ما كتبت.. لأن أغلب ما يصدر داخل الوطن يظل حبيس المكتبات المحلية.. فلا نية للتسويق والمنافسة خارج الحدود على ما يبدو .. والكلام الأخير موجه لوزارة الثقافة .. فلم يصل حيال الرواية إلا نتفاً لا تصلح للحكم لا سلباً ولا إيجاباً .. وإن حاول البعض أن يستحلب منها ما يجعله يصل الى ترسيخ فكرة المجتمع القلق الخاوي على عروشه .. أو النظرة التى ترسم الإسلام كما لو أنه نمر من ورق سيتهاوى مع أول خرق يصيب أتباعه .

وما لفت إنتباهي ـ من خلال عنوان الرواية وردود الفعل عليها ـ أنه بالفعل للجوع وجوه أخرى .. منها الجوع المعرفي المتنامي بقوة .. حتى أمسى كما لو أنه ذئب يتجول فى مدينة خائفة تترقب كل شيء .. فلا يكاد يلمح حرفاً حتى يخيل اليه أنه " فريسة " .. فلا فرق بين الجبنة الدينماركية والحروف الثقافية .. والغريب أن ذات " الذئب " يتظاهر بأنه لم يلمح قصة " الفرار الى جهنم " مثلاً .. أوليست نصاً كهذه النصوص التى توضع على مقصلة النقد المشيخي ؟؟ .

عموماً من الأمور التى صاحبت ردود الأفعال حيال الرواية ومقالات أخرى صنفت على نفس الدرجة .. التالي :

أولاً : رشحت ظاهرة تحريض السلطة لكتم أنفاس الناس .. فأن تكتب السيدة وفاء ما يطيب لها .. فهذا حقها .. وأن يرفض البعض ما تكتب وربما يقاضيها .. فهذا ايضا حق له .. الى هنا كان يجب أن يقفل القوس .. ولكن أن نسمع ونقرأ هذا الدش والدس فى تحريض السلطة للتدخل بصورة مباشرة من أجل الإنتصار لجهة على حساب جهة .. فهذا لعمري خلاف ما يزعمه البعض من تبني فكرة الدولة المدنية .. وقبل " وفاء " قرأت من يستعدي " مؤسسة القذافي " ضد بعض من كتبوا كلاماً يفهم منه أنهم ضد الطرح الإسلامي .. فالسلطة التى ستعتاد القمع لن تقف عند حدود ما يريده هذا أو ذاك .. بل ستتحول الى غول لا يبقي ولا يذر .. فمن مصلحتنا جميعاً أن ترفع القيود وأن تبتعد الدولة وسلطتها عن ساحة الفكر والصحافة والنشر .. مع بقاء وتثبيت كفالة حق الرد .. وحرية النشر .. وأبواب القضاء مشرّعة للجميع .

إن إستعداء السلطة أو ركوب موجة التطبيل لها من أجل التحرش بالأخرين شيء مقزز ومقرف جداً .. فهب جدلاً أن طائفة من الناس لا يطيب لها التقيد بما تراه الحركة الإسلامية خطوطاً حمراء .. فهل يكون الرد بتحريض السلطة على الناس من أجل تقييد حريتهم أو الزج بهم فى السجون ؟؟.. لعمري هذا يناقض بل وينسف فكرة الدولة المدنية .. وأين دور ووظيفة دعاة التيار الإسلامي ومفكريه ؟؟ .. وأين سنضع فكرة الفصل بين السلطات ؟؟.. وأين التبجح بدور القضاء المستقل ؟؟ .. إن الطريقة المثلى ليست كتلك المستوحاة من التاريخ والتى تشير الى إختفاء بعض علماء الدين فى جلباب السلطة ولعب دور المحرض على كتم أنفاس الناس عبر فتوى تحتوي على المداولة والمرافعة والحكم فى صك واحد .. إن الطريقة الأقرب للصواب ـ يا سادة ـ هي أن يشمر دعاة التيار الاسلامي عن سواعدهم ويخرجوا من حالة الشعار الرومانسي التى طال تشرنقهم فيها لخوض الواقع والتدافع مع مكوناته بعيداً عن مخالب السلطة .. فليكتب من شاء ما شاء .. قصة أو نثراً أو مقالة أو رواية .. ويجب أن نضمن له حق النشر إذا أقر للأخر بحق النقد.. وحق اللجوء الى القضاء وإحترام أحكامه.. لا غير.. أما سلطة المساجد المباشرة.. وسلطة الفتوى الفردية.. فأعتقد بأنها باتت فى ظل الفوضى التى نشهدها جزءاً من المشكل وليست جزءاً من الحل.

ثانياً : رشحَت ظاهرة التبرم من رفض طرح أو فهم التيار الإسلامي للنصوص .. وما أود قوله بصراحة عالية .. لو رفضت كل إجتهادات الحركات الإسلامية دون إستثناء .. فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال إنتقاص إيمان الرافض .. فللناس أن يتجاوزوا ما تقدمه تلك الحركات دون أن يؤثر ذلك على معطيات دخولهم الجنة أو النار .. وقصة خطف الصوت الإسلامي وتحويله الى سوط يلهب ظهور الأخرين خطيئة آن لها أن تستتر .. فلا مجال لإقناع الأخرين بصحة ما تذهب اليه بغير الحوار المنطلق من النقطة التى يتساوى عندها المتحاورون كما جاء فى الأية : " وإنا أوإياكم لعلى هدى أو فى ظلال مبين " .. ففى الحقيقة هناك نوع من التحايل فى الدمج بين رأي وموقف الحركات الإسلامية وبين أوامر ونواهي الإسلام .. فيسوّق الأمر على أنه مُراد الله .. فى الوقت الذى لا يشكل فى الحقيقة سوى مُراد " شيخ " ربما لا يقر له حتى أبناء التيار الإسلامي بأنه " شيخ " مكتمل النمو .. وكذلك رأي الناس ينبغي أن لا يفهم فى غير سياق الإستفتاء على مدى فهم وإدراك الحركة أو الشخصية لمراد الشارع من الأمر أو النهي .. فلا للكيل بمكيالين .. فى حالة القبول نقول " لا تجتمع أمتي على ضلال " .. وفى حالة الرفض ننقلب ونسمى الناس بالرعاع أو العوام الذين لا رأي لهم فى قضايا الدين .

ورغم أن البعض قد راق له أن ينغمس فى القضية بصورة مباشرة عطفاً على ما قيل له أنه باب إسلامي سمي ـ تجاوزاً ـ بباب " سد الذرائع " .. وهو باب أدى الى خنق وكبت المجتمع بطريقة تخالف ما عرف عن سيرة الصدر الأول .. فخذ على سبيل المثال .. قصة الفصل بين الرجال والنساء .. والتى طالت المساجد .. هل هي مطلب شرعي ؟؟ .. نجد القرآن يحدثنا عن أية تقول أحد أسباب نزولها أن بعض الصحابة كانوا يتأخرون فى صفوف الصلاة [ ولقد علمنا المستقدمين منكم ، ولقد علمنا المستأخرين ].. وعند الركوع كانوا يسترقون النظر الى الصحابيات وهن يصلين فى الصفوف الأخيرة .. علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فماذا جرى ؟؟ .. هل قال من باب " سد الذرائع " نجعل فاصلاً بين الرجال والناس ؟؟ .. فقد تحققت هنا ما يقال أنها مفسدة وبشهادة النبي صلى الله عليه وسلم .. فنزل الوحي ولم يقرر أي تشريعات لسد الذارئع .. ولا إتخذ النبي أي ترتيبات غيرت من الأمر شيئا .. لأن الخطأ البشري قد يصلح دون الحاجة لهز مجتمع بأكمله .. أما التقنين والتشريع فخطؤه فادح وعلاجه أفدح.. وهذا ما نلمح أثاره على مجتمع فصلت فيه النساء عن الرجال بشكل تعسفي .. تحت باب سد الذرائع الذى يراد له اليوم أن يسد منافس العمل الثقافي .. وتحويل المجتمع الى مخلوقات لا تتذوق فناً ولا تتفاعل مع إبداعاً .. وطالما أن ذلك مستحيل .. فالناتج هو تفشي النفاق والتحول الى خيار العيش بعدة شخصيات من أجل الحفاظ على ما قد يكون مكاسب مادية أكثر منها قيم أخلاقية .. ومن أجل مجاراة جهات أو شخصيات لا تتوانى ـ للأسف ـ عن إستخدام الإسلام أو المنبر كسلاح إضافي فى معاركها ضد كل ما تعتقد أنه خطيئة .. فبات الناس إذا خلوا الى أنفسهم تنفسوا الصعداء .. وإذا كانوا بحضرتها ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت .. فهل يستطيع عاقل أن يقول لي هنيئاً لنا بهكذا مجتمع ؟؟.

أنا لست مع .. أو ضد أحد فى قضية تدور فصولها على بعد الألاف من الأميال .. ولا رأي لي حيال رواية لم أطالعها .. ولكنني مع إطلاق الإبداع الى أقصى حدوده .. وقد قرأت بعض التعليقات حول الموضوع يشير أصحابها الى عدم إمكانية أن يقرأ المرء عبارات من تلك الرواية على أمه أو اخته ؟؟ .. ربما يشير الى تفاصيل تتحدث عن أمور جنسية أو نحوها .. وهذا قد يقبل منه " كعرف محلي " تجاوزته الكاتبة .. ولكن لا يمكن أن يقدم كمستند إدانة .. فلقد ورد ـ على سبيل المثال ـ فى كتب لإبن حزم .. وإبن القيم .. و أبن الجوزي .. من المناقشات فى الجنس والحب والعشق وما يستتبع ذلك من تفاصيل .. ما يخجل أي ليبي من أن يقرأه أمام أخيه أو صديقه وليس أمام إبنته أو أمه .. فهل يمكن أن نقدم ذلك كمستند على سقوط هؤلاء العلماء وشطب كتبهم ؟؟.. وهل يصح أن نتكئ على ذلك فى وصفهم بقلة الأخلاق أو بإنخرام مروءتهم ؟؟ .. لست من مروجي الإباحية والتفسخ المجتمعي .. ولكن للقصة وجوه أخرى نأمل أن لا نغفلها فنستغفل أنفسنا ونعيش كالنعام فى زمن السماوات المفتوحة .

أتصور أن النص الأدبي يحتاج الى فهم فى سياق أدبي .. ومعايير نقده يجب أن تأخذ فى الحسبان معايير ذات الفن .. مع ثوابت شريعة المجتمع .. والعرف الإجتماعي .. فمناقشة القضايا الجنسية ليست " تابو " كما يظن البعض .. ولعله من المناسب الإشارة الى أن الوحي قد نزل ذات مرة من السماء للفصل فى قضايا ذات علاقة بثقافة " الأوضاع " الجنسية .. وأنا هنا أتحدث عن الأية التى تقول [ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ] .. وقد نقل القرطبي مناقشات الصحابة للأمر فى تفسيره بإستفاضة .

عموماً هناك توتر يبدو مفتعلاً .. وهناك حنين من رموز للتيار الإسلامي للتزاوج مع السلطة .. وهناك أصوات عاقلة ظهرت أجد نفسي معها .. وربما كسبت الكاتبة مرتين فى هذه الجولة الأولى تمثلت في إستنفاذ روايتها من السوق .. والثانية عندما تجاوزت السلطة ولجأت للقضاء لدفع تهمة الكفر عنها .. فكانت أكثر مدنية وقبولاً لقواعد اللعبة من غيرها من الأساتذة والمشايخ .. هكذا جاء رأيي حيال الموضوع .. الذى أعترف بأنني قد شطبت منه الكثير من قناعاتي الإضافية رجاء دفع تهمة إثارة المجتمع عن حروفي .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________

ـ ملاحظة الى صديق لم يترك عنوانه : لم تتطرق المقالة للحكم على الرواية .. لكوني لم أطلع عليها .. كل ما هنالك وجهة نظر فيما دار حولها من ردود أفعال .. بالنظر الى معايير تجدها فى المقالة .. وعلى رأسها أليات وميكانيكية عمل الدولة الحديثة .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home