Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الإثنين 14 سبتمبر 2009

نريدها دون كراهية أو إكراه

عـيسى عـبدالقيوم

أتصور أنه لا مُشاحة فى أن الدين قد إكتمل { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا } .. ولا خلاف فى أن حفظه موكل الى الخالق { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }.. وكذلك لا أتصور خلافاً حول هبة الله للبشر فى المخايرة بين الكفر والإيمان { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} .. و يمكن اضافة مسلمة عدم إصرار السماء على أن يكون كل الناس تبع لملة واحدة { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } .. وكذلك جاء التنويه الى عدم الإفراط أو المبالغة في جعل كل الناس تبعا للاسلام { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } .. وأخيرا قرر الله سبحانه أن غالبية البشر سيكونون خارج إطار الدين { إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }.

كل ما سبق من مسلمات له علاقة بما يمكن أن نسميه وظيفة السماء ومُراد الخالق .. وكما ترى فكلها أموراً محسومة وبطريقة حازمة وجازمة ولكنها متسامحة وغير معقدة .. تكاد تسبق الليبرالية فى توسيع هامش الحريات الفردية .. هكذا تقرر النصوص بمعزل عن تدخل الإنسان .

ـ فما هي وظفيتنا كبشر ؟!.

تشير الأيات الى أن وظيفة الإنسان ـ بعد العبادة ـ تكمن فى مغالبة الأرض وليس فى مشاححة السماء .. إبتداء من قوله {إني جاعل فى الأرض خليفة } .. وحتى قوله { قل سيروا فى الأرض فأنظروا } .. وصولا الى قوله { ولقد كتَبنا في الزبُور من بعد الذكْر أَن الأَرض يرِثُها عبادي الصَّالِحون } .. وفى رواية { المُصلحون } .. فكل ما هاهنا يشير بوضوح الى الثلاثي ( الإنسان / الارض / العمارة ) .

فلماذا يترك بعض البشر وظيفتهم على الأرض (( الاستخلاف للعمارة )) ويذهبون للمشاححة فى وظائف السماء .. فالدين قد إكتمل ولا إمكانية للاضافة عليه .. وقد كفاهم الله مسئولية حفظه .. وجنبهم العنت فى دعوة الناس .. ومنح الله البشر حق إختيار الكفر به .. وختم بتقرير حقيقة أن الاغلبية هي التى ستكون خارج دائرة الإيمان .. أبعد هذا يعقل أن نرى معارك طاحنة وفتاوى ثائرة .. وعيون شاخصة .. وألسن حِداد .. وفقدان للإتزان بشكل لا يصدقه عاقل ؟!! .

سادتي الكرام : المطلوب مزاولة الوظيفة الأرضية فى عمارة الأرض .. وإيجاد شكل العلاقة بين الإنسان والإنسان .. واللحاق بالبشرية التى قفزت قفزات طويلة فى عمارة الكون .. المطلوب بعث التنمية والتخفف من التخلف .. المطلوب ترميم جدار الحريات العامة الذي تصان فيه حقوق الإنسان .. وتوزع فيه الإستحقاقات بين الناس بالقسط .. المطلوب البحث فى كيفية الوصول الى الصورة المثلى لتوزيع الثروة والعدالة الاجتماعية .. المطلوب المشاركة فى بناء البنية التحتية والفوقية للوطن .. والإسهام فى جعله أكثر عدلا ورفاهية .. المطلوب بعث دولة القانون وتكافؤ الفرص .. المطلوب نصرة المظلوم وكبح جماح الظالم .

ولو وجدت العقول الواعية والأنفس السوية لأمكن إنجاز كل ذلك دون الحاجة للمروق من الدين .. أو إضاعة الوقت فى مشاغبة من يرغب فى ذلك .. فما نراه من مماحكات يفترض أن لا يعود على أصل فلسفة عمارة الأرض بالشطب أو التأخير .. فما نشاهده من صراعات حول خلافيات هي من طبيعة الوجود الإنساني .. وينبغي أن لا تشكل ذريعة لإيقاف مسيرة العمارة { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم } .. فالوظيفة التى خلق الله لها مسرحا بسعة هذا الكون .. وعظمة المجرات .. وشساعة المحيطات .. هي أكبر من أن تختزل فى تجاذبات فقهية .. أو سفسطات أرأيتيه .. خاصة عندما يصل تحدي الإعمار ذروتها مع قوله { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض ، فانفذوا ، لا تنفذون إلا بسلطان } .. عندما يمكن لكل عاقل أن يعلم وظيفته أين تبدأ .. وأين تنتهي !.

سادتي الكرام : كان الإنسان حين من الدهر يأوي السماء .. ثم أنزل الى الأرض .. وحددت وظيفته بشكل واضح .. عبر نصوص يفترض أنها لا تثير جدلا كبيراً .. ويقيناً هي ليست من المتشابهات .. فأفيقوا أيها الناس فأنتم اليوم هنا على الأرض من أجل الدفاع عن حريتكم وحقوقكم .. أنتم هنا للدفاع عن المستضعفين من أبناء جنسكم .. أنتم هنا من أجل ان لا يبسط إنسان متجبر يده ليسحق أو يلغي أو يهمّش إنساناً أخراً .. أنتم هنا على الأرض التى جعلها الله زينة وخلق فيها الطيبات من أجل عمارتها والإستمتاع بخيراتها .. ولتستعينوا بها على رحلتكم نحو الآخرة .. لا أن تحوّلوها الى آخرة مبكرة .

أن وطنكم سيكون فخورا بكم عندما تضيفون الى وظائفكم وظيفة المنااداة برفعته .. ورفع الضيم عن أهله .. عندما تضعون بين أعينكم هدف جعله جنة الله فى الأرض .. دون إفراط أو تفريط فى واجب الدعوة والإرشاد وتعليم الناس .. وهو واجب لا يمت بصلة لمقاتلة طواحين الهواء .. والولوج بالحالة الليبية والمزاج الليبي الى خانة " خيبة الأمل " والإحباط من نموها أو زحزحتها الى الإمام .

فوالله لو صححتم كل الأحاديث أو ضعفتموها .. ولو نسختم القرآن أو سلختموه .. فلن يُصلح لكم حال ولا وطن .. وستهدر حقوقكم .. وسيُتجاوز عن إنسانيتكم .. وستضلون عالة على الأمم الأخرى معيشة وأمناً وعلماً .. ما لم تعطوا لوظيفتكم الأرضية حقها كاملا .. لا أقول هذا كفرا بالدين .. أو إستهزاءا بأهله .. حاشا لله فأنا إنسان مؤمن .. ولكنني أزعم أنها السنن التى رتبتها العناية الإلهية لتدير الكون .. ولا تحابي مؤمناً لإيمانه .. ولا تجافي كافراً لكفره ..إنما خلقت وتركت لتعمل وفق منطق " الكسب " الذي حدده القرآن .

ولو كانت الأمور بالمحاباة لكان أحق بها النبي الكريم (ص) وأصحابه يوم أن حوصروا فى شعب بني عامر .. لثلاثة سنوات .. فلم تتغير السنن وبقيت كما هي .. حتى أن القوم جاعوا فلم يجدوا ما يسد الرمق .. وتقاسموا جلد شاة جاف .. ومع هذا لم تمطر السماء ماءا ولا طحيناً .. ولم تضطرب السنن وتصنع مخرجاً .

ولو كانت الأمور بالمجافاة فى حق غير المسلمين لكن الأحق بها دول الغرب والشرق .. ولما شاهدنا الحالة التى عليها الصين وكندا والسويد .. فى مقابل اليمن والصومال وموريتانيا .

فالله قد خلق الكون ووضع له ناموساً وسنناً وتركها لتعمل حتى يوم القيامة .. ولو إنتصب أي مخلوق ليتحدى الله فى أن يخسف به الأرض ـ مثلا ـ فلن تخسف الأرض .. وستظل حركة الكون متصلة بالأسباب التى وضعها الله فيه .. أولم يرد هذا الطلب يوما على لسان قريش وهم فى حضرة " نبي " بقولهم { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم }.. فماذا حدث ؟!.. لم تمطر السماء ماءاً ولا حجارة .. وبقيت " أم القرى " على جفافها .. ليس نفياً للقدرة .. بل ببساطة لان السنن والنواميس التى خلقت لتدير الكون ثابتة ولا تخضع أو تستفز بحسب أمزجة البشر .. ولن ينفع معها سوى الأخذ بها .. وللأسف فلقد فهم عرب الجاهلية الأولى ذلك مبكرا وبفطرة الأعراب .. فهذا عبدالمطلب يواجه ملك الاحباش بقوله : "للبيت رب يحميه ، أما أنا فرب هذه الإبل " .

فأنتم أرباب هذه المجتمعات عليكم يقع واجب الدفاع عنها .. واسترداد حقوقها .. والسهر على رفاهيتها .. والمناداة بحريتها .. وترككم لهذه الوظيفة والإصرار على تقمص أثواب كهنوتية ما أنزل الله بها من سلطان هو أحد أنواع الهروب من مواجهة واقعكم الصعب .. الى واقع إفتراضي قررت فيه السماء قرارات حاسمة وحازمة ( أوردتها فى المقدمة ) لن تتبدل غضباً لغضب أحدكم .. ولن تحيد عن ناموسها قيد أنملة لمجاملة إنسان صالح أو حاكم طالح .. وسيظل الفقر والجهل والتخلف قرينكم ما لم تبذلوا الجهد البشري المطلوب والمكافئ لتغيير واقعكم .. وهذا الجهد لا علاقة له بكونكم مسلمين أو كفار .. أتقياء أم فجار .. ثم ألم يقل أحد الأئمة ذات يوم " أن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة .. ولا ينصر الدولة المسلمة الظالمة " .. فأين الدين ـ فضلا عن التدين ـ فى هذه المعادلة ؟!!.

إن القلب ليعتصر ألماً وهو يرى طوفان الكراهية يجتاح الحالة الليبية .

فما هذه الغلظة التى ترفل بينكم ؟!!.. ما هذه العدوانية الجامحة ؟!!.. ما هذا الإفراط فى هدر الوقت فى اللعن وتتبع العورات ؟!!.. ما هذا الإنصراف المريع عن قضية الوطن وهموم المواطن ؟!!. ما هذا التفريط فى مفهوم الحرية وقيمتها ؟!!.. ما هذا الفراغ الذي تتدثرون به ؟!!.

كفاكم كراهية .. وكفاكم شدة .. كفاكم تلذذاً بالعنف اللفظي تجاه بعضكم البعض .. وكفاكم دوران فى حلقة مفرغة .. وقد خاب وطن يعيش حالة إنحدار مريعة وأبناءه يطمرون رؤسهم فى الرمال كي لا يروا معاناته .. أو كي لا يدفعوا ضريبة نهضته .. يتركون وظيفتهم كجزء من البشر لينعزلوا بين ثنايا مماحكات ثيوقراطية ليس من وراءها طائل .

لقد تجرأت وقلت ما قلت .. ليس حباً فى مشاكسة اي كان .. خاصة ونحن نعيش سكينة رمضان .. ونستقبل بهجة العيد .. فأخر ما يمكن أن أفكر فيه ـ فى هكذا وضع ـ هو جلب وجع الرأس .. إنما قلت ما قلت لمّا لمست حالة التأفف من الوضعية التى حشرت فيها الحالة الليبية .. والتى نأمل أن لا نقف عندها أكثر من ذلك .. وأن نعود الى ممارسة دورنا الطبيعي .. فالوطن فى حاجة لكم .. وللبيت رب يحميه .

وكل عام وانتم بخير .

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com

______________________________________

ـ لست ضد الحوارات فى أمور الدين .. ولكن دون كراهية وإنحدار بمستوى الثقافة والوعي .
ـ لست ضد تعليم الناس أمور الدين وترشيد النشئ وتنبيه الغافلين .. ولكن دون وصاية أو كهنوتية.
ـ لست ضد حرية الكتابة وإشاعة الرأي .. ولكن دون تفلت من عقال المنطق والقانون والذوق العام .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home