Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عـبدالقيوم

الإثنين 14 فبراير 2011

جمهورية ميدان التحرير

( 25 يناير 2011 ـ 11 فبراير 2011 )

عـيسى عـبدالقيوم

www3.jpg

بعبارات مباشرة (مع تعظيم سلام ) أقول .. لقد أذهلني ما كان يجري فى ميدان التحرير .. ذاك الفضاء الذي كان يبدو منسجماً مع طبيعة متوحّدة ومستنسخة .. قوامها طوابير السيارات المُجالبة للضوضاء والعوادم .. وجماعات متفرقة من عامة الشعب تعبر الى مبنى مُجمّع التحرير .. أين تستوطن البيروقراطية القابضة على مفاصل حياتهم بين ثنايا مكاتب حكومة فاسدة .. وأسراب من السواح تقصد المتحف المصري المطل على الميدان .

ـ منذ فترة غير بعيدة كنت أجوب ذاك الميدان رفقة بعض الأصدقاء .. ولم يدر فى خلدي أنه سيتحول الى جمهورية مستقلة ذات سيادة .. بحدود جغرافية .. وشخصية متميزة .. وأن ينتج قدرة وقوة تفاوضية مرعبة .. وقبل ذلك يمتلك صلاحية منح حق الإنتماء اليه .. والتى لم يشترط لها سوى الإنحياز الى الغد الواعد .. والإيمان بحلم التغيير .. وإلتزام منطق النضال السلمي السياسي ( خطاباً وأليات ) ! .

ـ وقد بدت مظاهر السيادة واضحة فى قدرة جمهورية ميدان التحرير على طرد قائمة من كبار مشاهير مصر دون وجل .. من مندوب الأزهر (الحكومي ) عقب محاولته تسويق الدكتاتورية على أرض الميدان المكافح من أجل الحرية .. ومَن هذا الذي كان يستطيع أن يقول لمرسول الأزهر " مِن أين لك هذا "؟! .. ولكن الميدان فعلها .. وحتى طرد المغني الشهير صاحب الشعبية الجارفة " تامر حسني " .. وركله خارج الميدان .. وهو الذي كان يغلق ميدان التحرير ليلة حفلاته الصاخبة .. ولم تتهيب جمهورية ميدان التحرير شعبية منى الشاذلي ولا عمرو أديب فتم رفض طلب تأشيرة دخولهما الميدان .. الذي لم يقبل كذلك شفاعة الشافعين فى نقيب الصحفيين مكرم محمد .. فيما رفعت سيادة " الميدان " الإعلامي القدير محمود سعد على الأعناق لرفضه مشاركة قناة المصرية تزييف المشهد الإعلامي ! .. ومنحت الفنان خالد الصاوي والمخرج خالد يوسف صفة سفير فوق العادة .

www6.jpg

ـ وظهرت جمهورية ميدان التحرير ساخرة من ظلم وقسوة وجبروت السلطة .. فأنشأت مسارحها الناقدة بمرارة فى الهواء الطلق .. وأطلقت لريشة جمهورها العنان فى رسم وكتابة ما يجعلك تنفجر ضاحكاً وسط تلك الأجواء المتأرجحة بين الجدية والأكثر الجدية .. فهنا لافتة من يطالب الريس بالرحيل لإن زوجته تريد أن تلد ، والولد لا يرغب فى رؤيته .. وهناك لافتة من كان طلبه إنساني بحت .. حيث ألح على الريس بالرحيل لانه يحمل اللافتة منذ أيام " وأيده واجعاه " .. وأخر كان مطلبه شخصي جداً .. حيث طالب بتعجيل الرحيل لانه " عايز يحلق شعره " .. وحتى التهديد كان يأخذ طابع السخرية  كما فى لافتة تقول " إرحل قبل ما يجوا الصعايدة " .

ـ ولم تغب النكتة السياسية عن جمهورية ميدان التحرير .. وهي البضاعة التى لا ينافس المصريين فيها أحد .. والتى يستهلكونها فى كافة الظروف والأحوال .. ومن أبرز نكات جمهورية ميدان التحرير .. أن الرئيس الأمريكي إتصل بالرئيس المصري وقال له باسلوب دبلوماسي : سيادة الرئيس لازم تكتب خطاب وداع للشعب المصري ! .. فأجاب الرئيس مبارك : ليه .. هما رايحين فين !! .

ـ ولم تنس جمهورية ميدان التحرير الفن المصري الأصيل .. فغنـّت للشيخ إمام .. وبيرم التونسي .. وأحمد فؤاد نجم .. وإرتجلت أهازيج وأشعار من وحي اللحظة حولت بها الميدان الى كرنفال غنائي أزعم أن مصر لم تعرفه سابقاً .. وتفنن سكان جمهورية ميدان التحرير فى إنتاج الهتافات الملحنة والمغناة التى تسهم فى تسخين الأجواء .. ومن ثم تلطيفها .. فهتاف ساخن يقول " الشعب يريد اسقاط النظام ".. يعقبه هتاف ظريف يلطف الأجواء دون أن يخل بالمعنى يقول " قولو لاء لاء لاء .. والريس فاضلو زقه " .

ـ وفى خلفية هذه الفسيفساء الرائعة يقبع فريق عمل ميزته الجدية والحيوية والإبداع .. تدفعه روح وطنية منقطعة النظير .. فريق من الشباب ( أولاد وبنات ).. يحركون مفاصل جمهورية ميدان التحرير من مكتبة قديمة فى ركن الميدان .. بها مكتب القيادة .. ومطبخ .. ومساحة للإستراحة والنوم بالتناوب .. وبجوار مركز القيادة أقاموا مستشفاهم الميداني الأول فى هيكل سفينة .. ومنه عرف المصريون لأول مرة مجانية العلاج ( بزمّة ) .. ولم تغفل قيادة الجمهورية عن إنشاء مكتب إستعلامات خاص بتوفير خريطة غير معلنة لكيفية التحرك فى الميدان .. وكذلك مكتب للتبليغ عن المفقودات أو إستلامها .. والعجيب أن مصر التى تشتكي من التحرش الجنسي ومن الفتنة الطائفية لم تسجل ـ رغم العدد المليوني فى مساحة ضيقة ـ أي حالة تحرش .. ولا أي مظهر للكراهية بين مسلم ومسيحي .. وكانت صلواتهم تقام جنباً الى جنب .. مما جعلنا نستيقن أن الخلل فى العلاقة كان مختوم بختم ( صنع فى وزارة الداخلية ).

www2.jpg

 ـ أما على حدود الجمهورية فقد بدا جيش المقاومة الشعبية فى حراسة مداخلها الستة بصبر ومصابرة منقطعة النظير .. عيون لا تغفل وأجساد لا تعرف الكلل .. جيش يتناوب ليل نهار على حراسة سكان جمهورية ميدان التحرير .. قوته سندوتشات الفول وأكواب الشاي ( الكشري ) .. سلاحه حجارة من حجيل أرض الميدان .. وصبر لطالما تميزت به الشخصية المصرية .. حتى حُسم الأمر يوم موقعة ( الجمل ) .. التى بدت فيه خيول الريس وجماله تائهة وسط طوفان الشباب الثائر .. فى مشهد يبعث على الضحك رغم قسوته وخطورته .

ـ وإستحدثت جمهورية ميدان التحرير شكلاً جديداً للناطق الرسمي .. بحيث لا يمكن التأثير عليه أو الإٍستفراد به.. وهو الهتاف الجماعي .. فكان الهتاف الأول يطالب بإسقاط الحكومة .. ردت الحكومة بالقنابل المسيلة للدموع .. فتغير الهتاف الى إسقاط النظام كله .. فتراجعت الحكومة وقدمت تنازلات .. فتراجع الهتاف الى إسقاط الرئيس فقط .. صعّدت الحكومة وبدت فى محاولة إرهاب سكان جمهورية ميدان التحرير عبر البلطجية .. فتصعّدت الهتافات الى محاكمة الرئيس بدل من تنحيته .. فتراجعت الحكومة ووعدت بعدم إختراق حدود جمهورية ميدان التحرير .. فعاد الهتاف الى إسقاط الرئيس ومعه سليمان هذه المرة .. بعد تحميله مسئولية ( البهايم ) التى عاثت فى أطراف الميدان فساداً .

ـ وأنتج الناطق الرسمي غير المعلن .. نوعاً من المفاوضات العلنية .. المقرونة بلعبة كسر الإرادات .. فأجبرت السلطة على الإذعان .. ودفعت تنظيمات كبيرة ( = إسلامية / ليبرالية / يسارية ) + لجنة الحكماء ( = رموز علمية / دينية / رجال اعمال) على تغيير موقفها من زمن الحوار .. والإنضمام الى منطق جمهورية ميدان التحرير الذي كان منسجماً مع المعطيات على الأرض .. التى بدورها كانت تقول بأن الحوار قد تجاوز ضرورة وجود الرئيس .. أو لنقل بأن الرئيس قد تلاعب بزمن الحوار فتجاوزه .

ـ ووسط كل تلك المفارقات التى تراوحت بين لحظة بلغت فيها القلوب الحناجر ولحظة من الإسترخاء العميق .. بين لحظة الأمل ولحظة الألم .. لم ينس سكان جمهورية ميدان التحرير أبطالهم الحقيقيين فى معركة من أروع معارك النضال السلمي السياسي .. فأقاموا لهم وسط الميدان مربعاً أخضراً احاطوه بصور شهداء ثورتهم .. الذين أطلقت عليهم الصحافة المصرية إسم ( ورد الجناين ) .. فى لفتة مُجللة بالوفاء .. مفعمة بالوطنية .. وصلّوا عليهم صلاة الغائب بعدد مليوني يتقدمه شاب لا سلطان لحكومة الأزهر التيوقراطية عليه .

www4.jpg

ـ وعندما كشفت الجمهورية عن حجم فروعها من الإسكندرية حتى أسوان مروراً بالصعيد .. وعندما قال العادّون أن تعداد سكان جمهورية ميدان التحرير بلغ (3) مليون .. وعدد أنصارها قد بلغ (20) مليوناً .. علم السيد حسني مبارك أن وقت الرحيل قد أزف .. وأن رحلة الـ (30) عاما قد أوشكت على النهاية .. فألقى ورقته الأخيرة عبر خطابه الـ (3) .. فقط من أجل أن يتساوى مع الريس زين العابدين بن علي ( ثلاثة خطابات لكل منهما ) ورحل بشكل خفي .. وعقب إعلان غرفة العمليات فى ( قناة الجزيرة ) خبر تنحي مبارك عن السلطة .. توسعت حدود جمهورية ميدان التحرير لتشمل مصر كلها .. لتعلن فى تلك اللحظة ـ حقيقة لا مجازاً ـ ولادة الجمهورية الثانية فى تاريخ مصر .. دستورها شرعية ثورة (25) يناير .. وقادتها شباب يُعرّفون على أنهم شباب ( الفيسبوك ).. منحوا (84) مليون مصري الحرية والكرامة .. فى فترة لم تزد عن (18) يوم .. وبـ (300) شهيد سيخلدهم التاريخ .

والسلام

عيسى عبدالقيوم

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home