Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Saturday, 14 January, 2006


مريم.. ومُجتمع القاع!

عـيسى عـبدالقيوم

بداية.. العبدلله من المداومين ـ بشكل جيد ـ على قراءة غالبية منتوج الأقلام الليبية ( داخل الوطن ).. حتى توطدت بيني وبين الكثير منهم صداقة " غير مباشرة " عبر كتاباتهم.. صداقة سأتوجها ـ إذا ما شاءت الأقدار ورجعنا الى حضن الوطن ـ بمصافحتهم وشكرهم على جهودهم الرائعة.. قبل أن أشاكسهم فى بعض تفاصيلها.. لإثبات أن ليبيتي مازالت بخير وفق معيار " اللي تشكره عقبله اشوية مالقريضه ".. ومن المقالات التى تستوقفني تلك الموّقعة بإسم " مريم العجيلي ".. وكنت قد كتبت ذات يوم أن مريم نجحت فى إطلاعنا على خارطة سيكولوجية لقاع المجتمع الليبي(1) .. ومن أراد التأكد من الوصف فليذهب الى موقع " ليبيا جيل ".. ويسأل الأرشيف عن من هي مريم علي العجيلي ؟!.. ويا ريت يكون السيد شكري غانم.. والسيد سيف الإسلام القذافي ضمن وفود السائلين.. لأن القصة لم تعد تتعلق بعنزة عثرت فى العراق.. بل بمجتمع يعيش خارج التاريخ .

وحتماً سيأخذك الأرشيف فى رحلة تعارف طويلة.. تقودك خلالها مقالة " بربع جني خبزة ، وحكية حليب دَين " الى زقاق.. فيما ستقودك مقالة " أنا فى حافلة الربع " الى زقاق أخر.. وسترشدك مقالة " كلنا فوزية " ومقالة " صديقتي العاهرة " الى ركن.. وترشدك مقالة " الشرف... والبكارة " ومقالة " الخوف من بكرة " الى ركن أخر من أركان مجتمع القاع.. ذلك الفضاء العظيم المتروس بهموم وأوجاع.. وفواجع.. وتناقضات.. لايراد لها أن تظهر فى المشهد حتى لا تشوه صورة المجتمع ( الإفلاطوني ) السعيد !!.. أو تفسد نشوة الزهو بالحديث عنه فى نشرة التاسعة . فضاء غصّ بمشاهد تفضح الطهر الكاذب.. والمروءة المتصنعة.. والرجولة المستعارة.. والتدين المَرضي.. والمسئولية المتوهَمة.. مشاهد تضعنا جميعا أمام المرآة.. وتسلِمنا ـ على رأي مريم ـ لوضعية " اللي ما يشري يتفرج "(2).

عن نفسي.. وأنا السابح ـ أو الذايح ـ فى فضاء الغربة لقرابة 18 عاماً.. عشتها عين على الوطن وأخرى على تجارب الناس من حولي.. أستطيع أن أقول لقد أجادت الكاتبة مريم العجيلي فى رسم القاع المنسي.. وإستدرجتنا بقلمها السلس.. وأسلوبها المتفجر " بنغازية " الى خانة المسكوت عنه.

سيدتي : أنت هناك تجسّدين الواقعية فى بعض تجلياتها.. فى الوقت الذى يلهث غيرك وراء حجز مقعده فيما يتوهم أنها الصفوف الأولى للمنصة الشرفية.. لمشاركة الكبار مسرحية " اللامعقول "!.. الكل يا مريم يلهث وراء وهم إسمه الكبار.. وهم فى الحقيقة كسراب بقيعة.. فلا هم كبار ولا هم يحزنون.. فقط ضِعاف الإرادة هم من جعلوا منهم محور السياسة والأدب والدين والرياضة.. وحتى الفحولة.. كما لو أنهم مصدر الفياقرا.. وهي خصلة ليست جديدة علينا.. فقد مورست خصلة المبالغة فى تلميع الصورة وخصخصتها منذ أن إكتشف بعض أعراب بنو أمية حكاية " ظل الله فى الأرض ".. فطغت على نصوص التاريخ عبارات.. أكل الخليفة.. وشرب الخليفة.. ونكح الخليفة.. نام ، ثم ببساطة مات الخليفة.. عندها ـ وعندها فقط ـ يتذكر الملأ مجتمع القاع.. فيساق ذلك المجتمع البائس على وجهه لمبايعة خليفة فى الخرقة !!.. ليبدأ معه صّناع الوهم.. ومروجو الأساطير رحلة المليون كذبة.. بكذبة عنوانها " لا يُسأل عمّا يفعل ".. فى الوقت الذى يتلون فيه قوله تعالى { ولنسألن الذين أرسل اليهم ولنسألن المرسلين } .

حتى مُجمِّعو كتب الطرائف والنكت " الهايفه ".. جعلوا من الخليفة محورها الرئيس.. فلا تكاد تذكر الطرفة إلا فى صورة أن العبد قال ، والخليفة أجاب ، فقهقه قاضي القضاة.. أو زّل الشاعر وإبتسم الخليفة ، فحاضت الجارية.. وحتى الطرفة التى تقال بين ظرفاء مجتمع القاع فى زريبة للحمير.. أو فى تكايا البطالين.. أوعلى ظهر قارب متاهلك فى نهر دجلة لا يكتب لها الخروج الى الحياة.. إلا إذا قيل أنها رويت لسيدنا الوالي فضحك حتى إنكشفت عورته!. كتب تسلل الى بعض حواشيها الزور والبهتان.. وإبتسمت عنوة لمن توهمت أنهم كبار.. وعليهم ذرفت مدامعها الرخيصة.. أما القاع فلا بواكي له.. ولا حتى عليه.

وهذا ما نشاهده اليوم ـ يا مريم ـ بعد أن إستـُبدل مسمى الخليفة.. بمسمى ينسجم ومرحلة ما بعد الطربوش.. بث تلفزيوني ـ أرضي وفضائي ـ على مدار الساعة.. جرائد ومجلات تنافس السفناري والصفصفه فى رخصها.. مواقع وصالات وصالونات تحاكي فى مظهرها فترينات امستردام (لتسويق الرقيق الأبيض).. ملصقات ودعايات مدفوعة الثمن من أجل وهم إسمه الكبار.. ولإثبات أنهم يصنعون التاريخ.. والمضحك أن الأيام عندما تتجاوزهم تثبت أن التاريخ صنعهم من أجل إستخدامهم كمثال على الإنسان السيء.. من نيرون.. وحتى صدام حسين!.

لذلك كلما أضفت كتاباتك عن مجتمع القاع.. الى كتابات محمد الأصفر عن هوامش المجتمع.. تكاد الصورة تنطق.. فأنا ابن الأحياء الشعبية.. ولدت فى الصابري.. وتنقلت بين البركة والرويسات وأرض زواوة.. لا أجد الحقيقة بدون رتوش إلا فى كتابات قليلة جداً منها كتاباتك.. أما ما يقذفه التلفزيون الرسمي فى وجوهنا.. وما تسّود به الصحافة الرسمية بياض صفحاتها.. فلكثرة ما كُدّس عليه من مساحيق تجميل لم أعد أتعرف عليه.. بل لم أعد أراه أصلاً !.. بل جعلني فى حيرة من أمري بخصوص مرتبة الكذب.. أيهما أجدر بها : مسيلمة ( التاريخ ) ؟!.. أم الإعلام الثوري ( الواقع )؟!.

فعندما تشكو فوزية.. وعندما يكون حليب الطفلة دَين.. وعندما تأكل الحرة بثدييها.. وعندما يهيم خريجو الجامعات على وجوههم.. وتصبح حافلة الربع سيدة الموقف.. وعندما لا تستطيع مريم العجيلي الإستمرار ـ مجرد الإستمرار ـ فى سماع حوار بين مواطنَيْن من سُكان القاع.. وعندما يقضي الأمس على اليوم لخوفه من بكره.. ونمسي على تراجيديا اللي ما يشري يتفرج.. عندها أصرخ نعم هذا هو المجتمع الذى أعرفه.. هذا هو المجتمع الذى لم يُطعَم من جوع.. ولم يُؤمَن من خوف.. هذا هو المجتمع الذى من أجله ولجنا الى المتاهة.. أما عندما يخرج علينا نصف أعرابي بّوال على عقيبيه.. عبر شاشة تلفاز مصابة بعمى الألوان.. وهو يرتدي أغلى الملابس المفتقرة لأبسط قواعد الذوق السليم.. ليردد عبارة : المجتمع الجماهيري السعيد !!.. فعند تلك النقطة تحديداً يُصاب خيـّك بغثيان وقرف لا ينفع معاه جاوي لا بوكبير .

وهذي خليها فى سرّك : لقد حمَد ـ طه حسين ـ ذات يوم الله كثيراً لأنه أعمى.. حتى لا يرى بعض الوجوه الصفيقه !.. فقط الأن.. ومن خلال تجربتنا الفظة.. لمست جزءً من المرارة التى جعلته ينطق كفرا .

إستمري سيدتي فى رسم القاع.. فما فوق القاع سوى الزبد.. إستمري فى نكش باطن المجتمع فما فوق سطحه سوى الرويبضة.. وسأستمر فى إعتبار نفسي أحد قراءك.. وسأنصت لك بإهتمام عندما تقولين "نبي نقرّم ".. بل وسأجعل " قرمتك " جزء من " قرمتنا " فى منفانا البارد.. عّلها تنفث فيه شيئاً من الحرارة.. وأعدك بأني سأحكي نُتفاً من القصة للدكتور إبراهيم غنيوة فلربما أشعلت فتيله.. وعاد ليشاركنا سراكة الخربشة ـ أو القشوشة ـ بعد منتصف الليل.. وينسى حكاية بلا قشوشة عالنار تشيط نوحلوا فى ردمها !!.. فقد شاطت واللي صار صار.

وأيضا أعدك بأني سأجتهد فى تحويل آهات الشخوص التى تحركت فى مقالاتك الى عريضة.. أرسلها بالبريد " المستعجل " الى رئيس الوزراء د/ شكري غانم.. فلربما إعتدل.. حتى لا أقول ربما إعتزل!.

قد لا يستشعر الناس داخل الوطن حجم ما تقوم به مريم ( وأقلام أخرى ).. ربما لقربهم الشديد من الحروف.. ولكنني أستشعره بقوة لوجودي على مسافة من اللوحة.. وفى تقديري لو ظهرت تلك الكتابات فى وسائل إعلام دولة من الدول التى تحترم نفسها.. فلربما إستدعى الأمر إستضافة الكاتب من طرف الجهات المسئولة لسماع وجهة نظره.. ولإبلاغه بأن رسالته قد وصلت.. بل ربما شكلت بعض المقالات بلاغاً الى المُدعي العام.. تفرض عليه إثبات أنه ليس عاطل عن العمل.. ولكننا ـ يقيناً ـ نعيش ثقافة المربع الأول.. أو هكذا تثبت الأحداث.

معشر الليبو : لقد وصل المشهد الى قمة الكوميديا السوداء.. ولم يعد لدى الحاوي شيئاً فى الجراب.. فمن كان لديه إله من تمر فليأكله.. كانت جُهينة.. أما اليوم فعند العجيلية الخبر اليقين .

سيدتي.. أرجو لك التوفيق والتألق... وقبلهما السلامة.

عـيسى عـبدالقيوم
yumuhu65@yahoo.com


1. أنظر الجزء المتعلق بالحدث الثقافي لعام 2005 فى مقالة " التفاتة على اعتاب عام جديد " تجدها تحت هذا الرابط
" ليبيا وطننا " بتاريخ 5 يناير 2006م http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea05016a.htm
2. كل ما ورد بين الفاصلتين ـ فى هذا المقطع ـ عناوين لمقالات مريم العجيلي تجدها فى أرشيف موقع ليبيا جيل.. وهو موقع ثقافي يقوم بعمل رائع.. نتمنى للقائمين عليه النجاح.. الأرشيف ( مقالات ) تحت هذا الرابط :
http://www.libyajeel.com/articles


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home