Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


عـيسى عـبدالقيوم

الجمعة 11 يوليو 2008

حلم على مفترق جيلين

قصة قصيرة

عـيسى عـبدالقيوم

أستيقظ الشيخ مبكراً .. أدى صلاة الفجر ثم إستلقى بجوار الخيمة مفترشاً "جرده" .. وراح فى سحابة من التفكير قادته الى عدة إتجاهات قبل أن تستقر على شئون القبيلة وما جد من مشاكل عقب وصول "المصوّعية" الى تخوم "النجع" .. فالمواشي لم تعد تستطع الرعي بحرية .. والسهل الذى كان حقلا للقمح والشعير تحول الى "كامبو" ولم تعد النساء يستطعن الذهاب للتحطيب .. و... و .. كان يبدو مهموماً على غير العادة .

ما هي إلا برهة حتى قطع حبل تفكيره صوت "إسماعيل" الذى جاء ليخبره بأن له رسالة صوتيه "مسج" على جهاز النقال .

فتح الشيخ الرسالة .. أنصت اليها بإهتمام .. ثم قفل جهازه .. وصاح على إسماعيل :

ـ أسرج لي فرسي بسرعة .. فالرسالة من مجموعة " "المثابة " .. وهم يطلبوننا لإجتماع عاجل .. يبدو أننا على مشارف حدث جلل .

وأردف يرتجز : " لا تغومقي يا عين .. فرج الله ما ريت ما أقربه " .

إنصرف إسماعيل لتجهيز " الفرس" .. فيما دخل الشيخ " الخيمة " وشرع فى الإستعداد للسفر .. المخلاة .. المصحف .. الكواغط .. الخرائط .. أيوه و"المضغة" .. كان يتمتم وهو يتنقل بين أركان الخيمة .

إنتبهت " مبروكة " لحركة الشيخ غير الإعتيادية فى هذا الوقت فخاطبته :

ـ وين عامد فى هالفجور .. على الأقل إفطر وبل ريقك .

ـ أخذت قليلا من الزميته والتمر .. الأمر فى غاية العجلة يا مبروكة وأود أن ألحق طائرة السابعة .. قال الشيخ وهو يشد " الحلاط " حول وسطه .

ـ باهي طريقك بيضاء .. وإذا عندك وقت جيبنا معاك وأنت جاي عشرة قرامات طماطم .. وطشة سمن .. وراك تنسى الحطب راهو قريب يكمل .. تمتمت مبروكة وهي تشد عقدة " الرداء " .

أجابها الشيخ وهو يتحسس موضع رجله فى " الركاب " :

ـ إذا تأخرت أبعثي إسماعيل " للسوق العام " أو " الجمعية " ليجلب لك كل ما تحتاجين .

وصل الشيخ الى مكان الإجتماع .. وكانت المرة الأولى التى يجتمع فيها الشيخ مع هذا الفصيل الذى برز للوجود عن طريق بيان يهدد فيه الغزاة بالويل والثبور وعظائم الأمور .

أستقبلته "المثابة" بحفاوة.. وبعد المقدمات والترحيب الذى وصل حد المبالغة ممن قدّم نفسه بإسم "مصباح".. جاء من يخبرهم بأن صالة الإجتماعات المكيفه جاهزة .

دلف الجميع الى صالة كبيرة فسيحة .. تتوسطها طاولة مستطيلة تحوطها كراسي مبطنة بالجلد الفاخر .. ووضعت على الطاولة باقات زهور .. وتناثرت على جنباتها رزم أوراق ومجموعة أقلام .. وحفت الصالة بملصقات عليها شعارات جعلت الشيخ يطرب ويشعر كأن الزمن قد تسارع به نحو المستقبل الذى يرنو اليه جماعة الجبل جميعاً .

نزع مصباح " جاكته " وعلقها .

فيما نزع الشيخ " جرده " ووضعه تحته .

ـ والله فعلا نحن فى حاجة الى شباب أمثالكم فقد تقدمت بنا السنون .. والمشوار لا يزال طويلا .. والإستعمار شرس .. " قرسياني " مش ناوي على خير بس البركة فيكم .. إن شاء الله جيه مباركه .. قال الشيخ وهو يسحب الكرسي الذى تحته الى الأمام .

مصباح : خير يا شيخ عمر .. ما فيه إلا الخير .. والله نحن هدفنا واحد .. ومشترك .. وهو دحر الإستعمار .. ومحاربة الإمبريالية .. ونرغب فى التنسيق .

الشيخ وهو يتحسس جيب " الفرمله " للإطمئنان على أوراقه :

ـ هذا كلام جميل .. وخير البر عاجله .. نحن الأن نعد لكمين قرب "وادي الباب".. وعندنا عشرة بنادق بوصوانه.. وديناميت.. وحصانين .. وعلى الله أنكسرولهم خشومهم كيف "يوم الكراهب".. هضا يا سيدي كان ما جاك من خبّرك.. فـ يوم الكراهب بكرنا عليهم مع طلعت الضي و.........

مصباح مقاطعاً : كمين شنو يا شيخ الله يهديك .. الموضوع أكبر من بندقتين وحصان .. أصبر معاي اشوي .. وستعرف عمق القضية .. وبعدها الإستراتيجي .. وأثرها على المد القومي .. نحن يا حاج فى لحظة تاريخية .

ثم قطع أحدهم الحديث بقوله : تشرب "كابتشنوا" ايطالي .. وإلا "نسكافيه" أنجليزي يا حاج.. وإلا ندزوا على فطور من فندق "قصر الجزيرة" بالمرة .

أجاب الشيخ وهو ينظر الى ساعة إلكترونية معلقة فى وسط الحائط : شكرا .. شكرا .. إذا فيه طاسة شاهي كافية بالنسبة لي .

وأضاف وهو يبتسم : أنا الإيطالي ما نعرفه إلا عسكري فاسستي .

ـ أنت وين عايش يا شيخ !! . قال مصباح مازحاً قبل أن يشير الى خادم إيطالي أنيق يقف صامتاً فى نهاية صالة الإجتماعات كأنه تمثال روماني بديع الصنعة .. فإنطلق من فوره لتلبية المطالب .. فيما عاد لمواصلة حديثه للشيخ بقوله :

ـ يا شيخ هناك الأن قوى تحريرية فى أمريكا الجنوبية .. وأخرى فى أسياء الوسطى .. وثالثة أفريقية .. ويبدو لي أنك لم تسمع عن منظمة عدم الإنحياز .. نحن إكتشفنا أن معركة التحرر العالمي ستبدأ من كمبوديا !!.. هكذا تقول كل المعطيات الدولية التى أخضعناها للتحليل .. لأن المعسكر الإمبريالي شرع فى .........

قاطعه الشيخ بقوله :

ـ يا مصباح يا وليدي الطليان سيهاجمون النجع غدا صباحاً .. والله العظيم هذه أخبار مؤكدة من شخص ليبي يعمل مع الطليان .. والنجع به أطفال ونساء وشيوخ .. ستكون مجزرة إذا لم نتدخل .. خاصة وأنهم سيجربون فينا التنك ( الدبابة ) .. بعد ما جربوا فينا الطير ( الطياره ) .. والجماعة فى الجبل رأيهم أن نعد كمين يبدأ من ..............

مصباح مقاطعاً : يا حاج .. يا حاج .. خليك من رأي جماعة الجبل .. الله يهديك أترك عنك هذه الأمور الصغيرة للجنة التنسيق ، المنبثقة عن لجنة العمل الميداني ، التابعة لإدارة الشعبية .. أنت أصبحت الأن ذو شهرة عالمية .. يعني شخصية إعتبارية .. هناك إجتماع هام سيعقد فى " جوهانسنبرغ " .. وسيحضره لبموبه .. وسوكارنو.. وكاستور .. وغاندي .. ونحن نرغب فى كسب هذه المجموعة .. ووجودك معنا جزء من التكتيك .. والنصر مضمون .

وهنا تدخل أخر بالقول :

ـ ثق فى نضالنا يا حاج لقد رصدت منظمتنا 35 ألف دولار لإنجاح المهمة .. وحجز مؤكد على " القولف آير" .. وإقامة فى فندق " حياة رجنسي " .. وقمنا بدعوة أشهر الفضائيات لمرافقة الوفد .. ستكون منازلة تاريخية .. الثوار يا حاج دائما تطلعاتهم أكبر من مجرد .......

قاطعه الشيخ بقوله :

ـ اعطيني فرصه لأتكلم مع " عقيله " والجماعة فى الجبل .. فالكثير مما قلته لم أعقله .. ويبدو أن غياب " الدش " عن خيمتي قد أثر على حجم معلوماتي .

ثم نظر مصباح ناحية الخادم المتجه نحو الطاولة .. وقال :

ـ آه عزيزي " ترديلي " وصلت بالطلبات فى الوقت المناسب .. حسنا سنرفع الجلسة لمدة نصف ساعة لإحتساء الكابتشنو .. ولأخذ قسط من الراحة بعد هذا العناء الكبير .

ـ هاردلك على خسارة " اليوفي " يا ترديلي .. أنا متأكد أنه سيعوضها فى مباراة " روما " .. قال أحدهم وهو يتناول كوب القهوة المصنوع من الصيني الفاخر .

تنحى الشيخ جانباً .. وبدأ فى مكالمة المجاهدين فى الجبل .. كان ينصت وهو يداعب لحيته البيضاء .. ثم طلب ورقة وقلم .. وراح يكتب بعض الملاحظات .. ثم سُمع وهو يودّع رفاقه فى الجبل بقوله :

ـ على خيرة الله .. على خيرة الله .

عاد الشيخ الى كرسيه .. وساد الصمت لبرهة .

هنا تنحنح مصباح وقال :

ـ أيوه يا شيخ ماذا كان رأي الرفاق فى الجبل .

الشيخ :

ـ والله الحاج عقيله والجماعة يقولو أنهم محتاجين ضروري أشوي قارزه .. وتنتوره .. وعلف .. وحبال .. وراديو .. ومصحف .. وكم شوال قمح .. وبشروني بأنهم قد تحصلوا على ثلاث بنادق زيادة .

تلعثم مصباح قليلا قبل أن يتماسك .. وقال مخاطباً رفاقه :

ـ يبدوا أن الحاج تقليدي .

ـ لم أفهم قصدك ولكن تبدو لي غريب الأطوار .. رد الشيخ .

فضّ الإجتماع .

وذهب كل الى غايته .

فوصل الشيخ الى حبل المشنقة .

ووصل الوفد الى إجتماع القمة .

عند هذا المنعطف نهضت " صالحة " من فراشها فزعة .. نفثت فى صدرها .. وهي تردد :

ـ اللهم أجعله خير .

أخذت تنظر حولها.. تنفست الصعداء بعد أن تأكدت أنها كانت تحلم.. فيما لم يتأكد "الراوي" هل "صالحة" من الجيل الأول وكانت تتوق الى المستقبل ؟!.. ام هي من الجيل الثاني وكانت تحن الى الماضي؟!.. فالحلم كانت تسوده الفوضى أيضاً.

عيسى عبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home