Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Wednesday, 11 July, 2006

 

حديث من عاصمة الثقافة

حوار مع الكاتب والروائي أحمد الفيتوري

( 1 من 2 )


عـيسى عـبدالقيوم



رفقة الاستاذ أحمد الفيتوري بالعاصمة المصرية القاهرة

نحتاج بين الفينة والأخرى أن نقلب أوراقنا السياسية والثقافية والإجتماعية.. وأن ننكش بين خفاياها.. لمحاولة التعرف على جديدها.. أوللإجابة على بعض ما يرشح حيالها من تساؤلات.. وقد تتم هكذا عملية عبر مطالعة منتج كل مستوى من المستويات سالفة الذكر.. غير أنه يبقى للحوار طعم خاص .. ولون خاص فى نكش وتقليب الملفات.. وعندما يكون حوارك مع شخصية بحجم الفيتوري فلا شك بأن اللون والطعم سيأتي بنكهة عاصمة الثقافة الليبية "بنغازي".. مما يجعله أكثر من مجرد حوار.
إلتقيته لأول مرة على هامش "معرض الكتاب" فى القاهرة بداية فبراير من هذا العام.. إستمعت اليه وهو يتحدث فكان لديه الكثير مما يقول.. ولمحته هو يستمع للأخرين فكان مستمعاً بمرتبة "مثقف".. قبل أن أودعه ـ وجملة من إلتقيت من الأصدقاء فى "المعرض" ـ عرضت عليه فكرة إجراء حوار.. فوافق.. وترك تحديد الزمن للزمن.. وعندما شاء الزمن كان هذا الحوار.

بطاقة شخصية :

• ولد الأستاذ أحمد الفيتوري فى مدينة بنغازي ـ الصابري ـ شارع التل بدكاكين حميد. وكان ذلك في نهاية عام 1955م .. ويقول بأنه سمي بـ " أحمد " تيمناً بإسم النبي صلي الله عليه وسلم ،وألتحق بكتـّاب جامع " بوخشيم " . ودرس الابتدائية في مدرسة " دكاكين حميد " تحت إشراف الأستاذ إبراهيم السحاتي .. الذى صار فيما بعد نقيباً للمعلمين الليبيين ثم العرب . ثم درس الإعدادية والثانوية بمدرسة " عمر المختار " تحت إدارة المرحوم الأستاذ فتحي المطردي .. ويقول عن هذه الفترة :
• (.. وهنا درست علي يد مجموعة كبيرة من الليبيين والعرب ، اذكر منهم عيسى التهامي اللبناني .. وهو من عرفنا على يديه الشعر الحديث كالبياتي وصلاح عبد الصبور، والآداب العالمية، والمسرح .. رفقة زملائي داوود الحوتي .. المخرج المسرحي ومحمود العرفي الشاعر المتقاعد كما يحب أن يسمي نفسه . ومنذ السنة الخامسة الابتدائية ، وعلي يد أستاذي السحاتي ، شاركت في تحرير الصحف الحائطية، وفي الإعدادية كنت أكتب بعض المواضيع للإذاعة المدرسية. ولأني كنت أعمل في مخبز ودكان والدي، سمح لي الوالد بشراء المجلات، وكنت أبادل ما أشتري من مجلات أطفال مع ما كان يملكه عمران الفيتوري ، الذى يكبرني سناً ، وهو الآن أستاذ الطب المعروف . وطالعت مبكراً بعض القصص وروايات الجيب من خلال فرج بن كاطو، وعرفت بعض كتاب مصر مثل توفيق الحكيم ، والعقاد ، من خلال أخيه الأكبر طاهر؛ وهو من أصبح قاضياً ورئيساً لدوائر قضائية مختلفة فيما بعد . وقد ترددت في حينها على المركز الثقافي الليبي ، ثم المصري ، وأذكر أني ذات مرة سرقت كتاباً من المركز المصري ، وتنبه لي المشرف الذي بلـّغ مدير المركز ، الذى استدعاني ، ثم دعاني أن آخذ من الكتب ما أحب دون سرقة . نعم صرت آخذ ما أريد لكن خجلي جعلني أخذها بالسرقة ، ماركس يقول " الخجل فعل ثوري " .. ولكن أنا جعلت منه فعل سارق ....

• (.. تربيت في أسرة كبيرة ، وكنت أول شخص فيها على الإطلاق يمحو أميته ، لهذا كتبت فيما بعد رسائل أبي الغرامية دون أن أعرف ، وقرأت رسائل عمي وهكذا . كنت بكري أمي وأبي الذى كانت له زوجة ثانية ، وقد وصل عدد إخوتي وأخواتي الى اربعة عشر ، وهم أحياء جميعاً واصغر مني ، مما تطلب أن أخذ دور الأخ الكبير ...

• (.. أنا متمرد على كل صيغة تقيد من حركتي وانطلاق شخصيتي ؛ وهذا ما علمه لي أبي المتمرد دون أن يقصد...

• (.. انطلقت نحو المسرح مع داود الحوتي ونحن أطفال، وفي الصبا كنت عضوا مؤسساً للمسرح الحديث تقريبا عام 1971 ، العام الذي نشرت فيه أول مقالة لي في جريدة الحقيقة ، تحت إسم بنت الجيران التي كنت أحبها ، أو هكذا تصورت آنذاك. لقد نشرت أول مقال لي ضد تعدد الزوجات بسبب الحب ، وتجربتي الشخصية ، وحتى أخر مقال كتبته ونشرته بنفس الدافع ..

• (.. كنت عضواً مؤسساً في المسرح الحديث ، وعملت مجانا في جريدة الجهاد ، ولازلت حتى اليوم أكتب وأنشر دون مقابل ، بل وأحيانا أدفع من جيبي ...

• وعن إنتاجه يقول الفيتوري (.. لم يصدر لي إنتاج أدبي مهم بعد ، في تقديري ، لكن لم أكتب أو أنشر كتابا غير مهم ، علي الأقل . وكل ما أكتبه أبذل جهدا كبيرا في إعداده وجمع مادته وكتابته ومراجعته ، ولكن دون حنبلية زائدة ، فما أكتبه لن يغير الكون ، و لا هو بالضار في أسوأ الأحوال . لهذا الكتابة عندي مشروع ذاتي محض لا يتهدف أي أغراض موضوعية..) .

الجزء الأول

س : أستاذ أحمد الفيتوري .. أرحب بك .. وأشكرك مقدماً على منحي جزءً من وقتك .. دعنا نتجاوز المقدمات التقليدية ونذهب الى صلب الموضوع .. أتساءل : ماذا يميز المثقف عن غيره من الناس ؟!.. أو ما الذي يجب أن يميز المثقف عن غيره من الناس إن شئت ؟!.
الفيتوري : لا تميز.. كل مثقف هو من الناس . ألم يقل "غرامشي " بالمثقف العضوي الذي يستمد وجوده من الجماعة ، وأن آخرين قالوا بموت هذا المثقف ، أي بتحوله من كينونة منفصلة ومنعزلة إلي شخصية عادية ككل الناس . أعتقد أن المثقف كالناس كافة ؛ كلما تمشى في شوارع الحياة علي رجليه ، كلما أكتسب صلابة الأرض وعاش حقاً . وما التميز إلا ذلك الذي يفعله كل إنسان في حقله . مثلاً كان هناك بنـّاء في حي "الصابري" يدعى سي " محمد الأوجلي " ، كان أفضل اسطى يجيد مهنته ، ومن المثقفين في مهنته ، عارك الحياة ، وذي ثقافة شفهية عميقة ترفد حرفته ، وقد أشرت إليه في روايتي " سريب " ؛ حيث ذكرت أنه يضع زجاجة النبيذ بجانب الحائط الذي يشيد ، وعادة ما يكسر عنق الزجاجة علي أول حجر يبغي وضعه في الحائط ، وقبل ذلك يرش جزءاً من نبيذ الزجاجة علي "المونة ". مردداً هكذا شيّد اليونانيون العظماء صروحهم الأولي ، وقد خالط وتعلم مهنته منهم ومن الإيطاليين ؛ لهذا يجيد الحديث باللغتين اليونانية والإيطالية . وكان تميزه هذا أن يكون من الناس ، وأن ينفرد عنهم بإجادته لمهنته ؛ لعشقه ، ولطقس هذا العشق المترع ، الذي جعل الناس يحبون أن يشيد لهم صروحهم الفقيرة ، التي كان يشيدها بروح عظيمة .

س : سيد أحمد .. وأنت المنغمس في المشهد الثقافي الليبي .. ما هو سر غيابه عن الخارطة العربية .. وهل للغياب علاقة بالمنتج الثقافي الليبي؟! .. أم بوسائل تسويقه ؟!.. أم ماذا ؟! .
الفيتوري : ليس المشهد الثقافي الغائب وحسب ، الإنسان الليبي هو المغيّب . أنت تشاهد الأخبار ليس ثمة ليبيا علي الخارطة ، حتى في نشرات الأحوال الجوية . كنت دائماً أقول ليبيا تقع في كوكب لم يكتشف بعد . فإذا ذكر المغرب العربي كان من تونس حتى المغرب ، وأن ذكر المشرق كانت مصر أما الجنوب فمحطته السودان . نحن شعب خامل وكسول ونظامنا السياسي برع في جعلنا خارج الدائرة . كنت مرة وصديق في بلد عربي ، فيسألنا أحدهم من أين أنتم ؟!.. فكان الصديق يصّر علي أن يحزر السائل من أين نحن ؟! . وفي كل مرة يتوتر صديقي ويتضايق ؛ لأن السائل يذكر كل بلد عربي لكنه لا يذكر بلادنا ليبيا ، يبدأ بالإجابة أننا من تونس حتى عمان دون ذكر ليبيا. فيغضب صديقي ويشتم أهل البلاد التي نحن فيها ، وينعتهم بالجهلة . كذلك أذكّرك بأن الشخصيات الليبية في الخارج لا فاعلية لها في الخارطة العامة ، والأثرياء منهم لا يقدمون أي دعم لعمل ثقافي أو فني أو رياضي ، وحتى لا يغدقون علي أنفسهم في الملاهي التي يرتادونها كي تتابع الصحافة فضائحهم ، لا أعرف ما الذي يفعلونه بأموالهم . إنهم جميعاً سلطة ورجال المال أعداء أنفسهم قبل أن يكونوا أعداء الثقافة الليبية ، قد يحدث ويصابون مرة برشح الكرم فيغدقون علي ممثلات ومطربات فاشلات شرط أن لا يكونوا من ليبيا . وحتى أن الكتـّاب الكبار مثل الكوني والفقيه ، ينكرون ليبيتهم ، كما يفعل الصغار من الكتاب الذين ينكرون أن ثمة كتـّاب غيرهم في ليبيا ، هذا إذا حوصروا وقدموا بصفتهم هذه . إن شرط وجودك أن تكون عربياً ، ومؤخراً أفريقياً وأنك لست ليبياً .كأنهم متفقون ومصابون بمرض مخجل كونهم من ليبيا .

س : أستاذ أحمد بصراحة شديدة .. ماذا ينقص الحركة الثقافية في ليبيا ـ برأيك ـ كي تجبرنا على أن نقف لنصفق لها بحرارة ؟!!.
الفيتوري : لا ينقصها شيئاً . فقط أن مثل الأستاذ خليفة التليسي حين يكون مسؤولاً لأكثر من ثلاثة عقود عن " الدار العربية للنشر" ، الدار التي كونت من مال الليبيين ، ويدّعى أنها دار تونسية ، حين يكون مسؤولاً علي هذه الدار طول هذه الفترة الواجب أن نحاسبه : لماذا ينشر لغير الليبيين فقط ؟! ، خذ ذلك مثالاً . هذه البلاد نخلة عوجاء . أذكر أن كاتباً تقاعد منذ بدايته أصدر كتيباً واحداً؛ هو" أبعاد نيهومية " . هذا الكاتب هو " عوض ابريك " المنسي في الطين ، كتب في مطلع السبعينات مقالاً عن ليبيا النخلة العوجاء أيام الهوس بالوحدة مع مصر ، هذا الكاتب حقق معه الأمن فترك الكتابة . لقد رسم منذ ذاك ما نحن بحاجة إليه ، أن " الحرة أول ما تزرّب تزرّب بيتها " .. كما يقول المثل الليبي . هذا ما تحتاجه ليس الثقافة فحسب بل البلاد كافة . وهذا لا يعنى الإنغلاق ، علي العكس بل الانفتاح ، فتح الأبواب علي مصارعها والإطلاع عما يصدر في الكون ، وليس كما هو حاصل مثلاً في المواقع الألكترونية الغاصة بهذر ليبيا . إن فعلا كهذا لا يختلف عن النخلة العوجاء ، فالنخلة التي لا تمد جذورها في أرض الله تموت بالعسر.


من حفل توقيع روايته " سريب " بمعرض الكتاب بالقاهرة

س : يشتكي البعض ضبابية العلاقة بين المثقف والموقف السياسي .. هل تستشعر ذلك ؟!! .. وما هي كلمة السر التي يراها الفيتوري الأقدر على ضبط العلاقة بين المثقف والموقف السياسي ؟!.
الفيتوري : الثقافة حقل بنيوي مختلف فهو ليس السياسة لكنه يحتوى السياسة بالضرورة. والمثقف ليس موظفاً في دكانة السياسة ، وهو ليس أداة السياسي ، ولأن الثقافة إبداع أو لن تكون ثقافة ، فإن الإبداع حر من كل إلزام . فالمثقف غير المستقل حرفي وموظف عند هذا أو ذاك ، أو بالاحرى شغالة في بيت من يدفع أكثر ، أي من يشتريه . هكذا هو المثقف ؛ لكن التكنوقراط خدم السلطة ؛ سلطة الدولة أو المال ، فالتكنوقراط حرفيو الفكر، جلهم يعيد إنتاج المنتج ، وهم يعيدون تكييف المبدع لمقتضى الحال . وكثيراً ما يحدث الخلط بين المثقف كمبدع وبين التكنوقراطي . مثلا : المحامي أساساً هو رجل تكنوقراط يكيف القانون لصالح زبونه ، وهو صاحب عقل تبريري أساساً كمهني ، وفي هذا لا يختلف عن الخياط الذي فصل للملك ثوبه الذي جعل الطفل يصرخ " الملك عارٍ " ، كما في الأسطورة الشهيرة. لكن المثقف كمبدع سواء كان محامياً أو طبيباً وحتى في مجاله هو كما العالم موضوعي اتجاه موضوعاته أولاً ، ثم غير ملزم بغير ذاته ، إنه كائن حر لا يستطيع أحد توظيفه غير ما يلزم به ذاته . لكن هناك فاوست من باع نفسه للشيطان ؛ وفي البلاد مثل هؤلاء يبررون خدمتهم الرخيصة التبريرية لواقع الحال الرديء ، بأنهم علي قطيعة مع السياسة وهم من يقدم خدمته لقتل الإبداع وتبرير كل عمل شيطاني ، هؤلاء تلعنهم مرآتهم كل صبح ، ويسخر منهم الشيطان من باعوه ذواتهم .

س : طيب .. سيد أحمد .. دخل ملف الإعلام والصحافة في ليبيا إلى دائرة القصف العنيف ـ إن جاز التعبير ـ من جميع الإتجاهات .. هل ترى ذلك مبرراً ؟! .. يعني هل بالفعل وصلت المنظومة الإعلامية في ليبيا إلى مستوى الموت السريري حتى تستحق هذا القصف العنيف ؟!!.
الفيتوري : ملف الصحافة في ليبيا علي الطاولة ، وتطويل الخيط قد يضيع الإبرة. لكن هذا الملف من ناحية أخرى كغيره يقع تحت أيدٍ غير جادة كما في كل شيء . من ناحية أخرى وهذا المهم والأهم : لأنه ليس لدينا صحافة ، فإنه بالمنطق " الأرسطي " ليس لدينا صحفيون . فمن يهتم بموضوع الصحافة ؛ هم بضع مثقفين لا يجمعهم إلا ما يفرقهم ، والكثير منهم له أولويات لها علاقة بالبنك الوطني . إن هذا الملف الذي علي الطاولة كاليتيم ؛ الذي أول من لا يعيره اهتماماً هم أقاربه ، وهم ذوي المصلحة فيه من يعيرونه الاهتمام فقط ساعة محاصصة التركة ، إنه إستحقاق ينكره أهله قبل غيرهم . ولعل ما دار حول بيان الصحافة الذي نشر مؤخراً يلخص المشكل ؛ راجع ما أثير، وعدد أسماء من وقع . وتذكر أنه كما كل قضايانا نعالجها كحمى ليلة السبت ـ أو ليلة العرس إن شئت ـ حيث لا يتبقى سوى مناديل الورق المستخدمة وما شابه . رغم ذاك أو بسبب ذلك ؛ ملف الصحافة علي الطاولة ، الساعة شئنا أم أبينا .

س : كلام جميل سيقودني حتماً الى سؤال : أين أنت من العمل المؤسساتي فى ليبيا ؟!.
الفيتوري : كل مبدع مستقل بطبعه ، و لا يمكن تحويل الكتابة إلي مهنة وبالتالي إلي مؤسسة . الكتابة شيء غير الصحافة ، الكتابة ليست مهنة ؛ يمكن تسميتها هواية أو عمل ذاتي محض . لهذا فإتحادات الكتاب كذبة ، ومؤسسات قمعية تطلب غير المستطاع ، ويطلب منها فعل المستحيل . لكن ممكن لمحبي أدب الكوني أو النيهوم أو خديجة الجهمي ؛ أن يقيموا " جمعية " تجمع موضوعهم في عمل خاص يهمهم . لكن الصحافة كمهنة تلزم نوعاً من المؤسسات غير الحكومية ، كي تكفل حقوقهم المهنية وغير ذلك . لكن في ليبيا لا توجد أي مؤسسة غير حكومية . نقابة أو بالاحرى رابطة الصحفيين الليبية مكتب يتبع الدولة التي تحقق عبره مآربها ليس أكثر و لا أقل . وقد يكون وجود مكاتب كهذه ، مهم للبعض كي يجسر علاقته بالدولة ، ويحصل علي بعض الإمتيازات ولو كانت حبة خردل . أما المؤسسات الثقافية التي تتبع الدولة فهي كالمؤسسات الإعلامية تؤدي خدمات مطلوبة منها ، ومن لزوم وجودها هذه الخدمة الإعلامية لا أكثر، والزملاء من يعمل منهم في هذه المؤسسات يهمه منها السيارة – الموبايل – مستحقات السفر، و هذا ليس بالشيء السيئ إذا لم يتحول إلي الضرر بالآخرين وبالإبداع ، كما حصل مع المجلس العام للثقافة ـ لا أعرف بالدقة أسمه لأنه حسب مزاجهم فهو كل يوم وأخر باسم جديد- الذي يجعل الكتب غالية الثمن بدلاً من منعها ، وهكذا لا يصل الكتاب لأحد . أي المنع الاقتصادي بدل المنع الأمني الرقابي .. وهلم جرا .

س : طيب .. اسمح لي أن أتحول لحديث الساعة .. وأتساءل كيف يرى الفيتوري تجربة الإعلام الإلكتروني .. بعد هذا المشوار ؟!!.
الفيتوري : لقد حققت جنة النت الحرية لنا كما لغيرنا ، ولم يعد من الممكن التراجع عن الحرية التي فرضت علينا فرضاً لازماً. أي من لزوم ما يلزم . وهذه الحرية هي ما نخاف ، وما كشفت عري أنفسنا ، والتي رغم ما قدمناه من أجلها من عرق ودم كشفتنا ؛ وكأنها استحقاق لا نستحقه ، رغم رغبتنا فيه فإن إرادتنا مشلولة اتجاهه ، كالعاشق الذي يخاف معشوقه . تناقض عجيب ؛ سأذكر لك واقعة : ذات مرة ذهبت لصيدلية أطلب دواءً عاجلاً وضرورياً ، لم أجد ما أبتغي ، لكن المذهل أن البائع ، أي صاحب الصيدلية ، كاد يبكي وهو يشتكي من أن هذه البضاعة ملعونة فهي مطلوبة . حالنا حال هذا البائع الغبي ؛ يبكي من تحقق مراده . علي أي حال هذا أفضل ما تحقق لنا منذ عقود ، لقد تمكن من يريد أن يكون هو، أن يكون هو، فقط بضغط زر وبقروش . لكن المسألة بالنسبة لمن يرون أنفسهم مختصين ؛ المسألة كالفضيحة " فهذا حصانك وهذه السدرة " كما يقول مثلنا الشعبي . ولعله لهذا السبب أن الصحفي والكاتب بشير زعبية ( وهو في نفس الوقت منذ عقدين تقريباً مدير المركز الإعلامي الليبي التابع للدولة الليبية في القاهرة ) ، أصدر مدونة ثم أغلقها دون آحم و لا تستور ، ولا حتى تعليق عابر منه أو من متابعيه . لقد راقني جداً وجداً أن تكون علاقة الليبيين كسلطة وكمواطنين.. في الداخل والخارج علي هذا المستوى من الفاعلية مع الأنترنت. لقد زرت بلاد عربية كبيرة لكنها صغيرة في التعامل مع هذه الجنة الحداثوية . إن الدولة الليبية كما الناس يستحقون الإشادة بهذا ، والإهتمام بهذا التطور الذي من لزوم ما يلزم .

س : دعني أنتقل بك الى مجال أخر أستاذ أحمد .. وأطرح سؤاله التقليدي : فى تقديرك أين وصلت الرواية الليبية .. وماذا يميزها عن غيرها ؟!.. وكيف ينظر الفيتوري لأعمال بعض مبدعي هذا الفن كالكوني والفقيه ؟! . الفيتوري : الرواية الليبية تضرب هناك في قلب العالم ؛ من خلال مطر والكوني والفقيه . أما في الكون العربي فهي في المقدمة موضوعاً وان كانت ليست كذلك إعلامياً ، وهذا في صالحها فكل شيء يطاله الإعلام يموت . الرواية فن وفن عظيم لا يقاس بميزان الانتشار بل بالفاعلية ، والرواية الليبية تضيف كل يوم جديد كما عند محمد الأصفر وعاشور الطويبي وصالح السنوسي وخليفة حسين مصطفي ..

س : وأين تضيف ؟! .
الفيتوري : تضيف في المكان وفي الموضوعة وفي البنية ثمة مستجدات تضيفها هذه الرواية ، وجراءة في التناول ، وجسارة في النسج علي غير المنوال.
فإبراهيم الكوني يعيد نسج ملاحم الصحراء في بناء طريف هو غير الواقعية السحرية التي عرفت بها الرواية الأمريكية اللاتينية . أما أحمد إبراهيم الفقيه فيعيد للكلاسيكي في البنية الروائية الروح حين عُد الكلاسيكي في بناء الرواية من أيقونات المتاحف ، أما موضوعاته فهي تدلل علي مقدرة في إعادة صياغة ما اعتقد أنه بال . ثم يأتي محمد الأصفر فيحول عمل الصحافة إلي عمل روائي ، ويتناول كل التابوات دون ادعاء أو تملق . وهكذا هي رواية جسورة ومحدثة وكل محدثة للنار، لكن الرواية الليبية هي التي تشعل النار التي يخافها الآخرون ، ودون تردد وبخبرة البريء الخبرة الأولي .


الفيتوري داخل زنزانته بسجن " الجديده "

س : أستاذ أحمد سبقتنا ـ كالعادة ـ دول المنطقة إلى تدوين أدب السجون .. كسجين سياسي سابق .. هل لدينا ما يمكن وصفه بأدب السجون ؟!.. ومتى يتحصل هذا اللون من الأدب على ورقة " الإفراج " ؟! .
الفيتوري : ليس من الضرورة أن تكون كل البلاد تكرار لبلاد ما ؛ فليس من لزوم ما يلزم أن ننتج " الباباي " لأنه ينتج في غرب أفريقيا مثلاً . لكن هذا لا يعني أن لا نكتب في هذا أو ذاك من الموضوعات. سأعطيك مثلاً أخر نحن كما هو الواقع وكما يرانا الآخرون بلداً نفطياً ، أين النفط من بحثنا العلمي ومن جامعاتنا ودراساتها ، ومن مراكزنا البحثية ومن ترجماتنا ، ومن صحافتنا وإعلامنا عموماً غير نشرة الأسعار . لم أجد في السرد الليبي غير قصتين لرمضان عبد الله بوخيط ترصد التحول الذي طرأ من أثر النفط في الواقع والحياة الليبية. قد يكون النفط بانوراما لكتابة ما لكنه ليس في المتن . فالنفط غائب في الخطاب السياسي أيضا رغم أنه خطاب السياسة الاقتصادية . لماذا ؟!.. إني أسألك وأسأل القارئ الليبي عبرك وكل مهتم. لكن بالنسبة لأدب السجون أعتقد أن وقته لم يحن ، رغم وجود أعمال مثل قصص الكاتب المتميز عمر الككلي ، ورواية عبد الفتاح البشتي " مرسي ديلة " ، وكذا روايتي " بيض النساء " .. وممكن في غير ذلك من الأعمال مما لم أعد أذكر .

س : طيب .. هل في نيتك الكتابة عن هذا اللون من الأدب ؟!.
الفيتوري : أنا بصدد كتابة رواية أسميتها " ليال بورتا بونيتو " ، وأمنحك فصلا منها لعلك تنشره بحذا هذا الحوار(*) لكن الكتابة الضرورية في هذا المنحى هي المذكرات أو السيرة الذاتية ، وتلك هي الوثيقة السيكولوجية التي يمثلها مثل هذا الأدب ، والتي نحن بحاجتها. ولعل هناك من يكتب ذلك دون أن نعلم . ومن مثل هذه الكتابات تنهض الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي يكون موضوعها السجن . كما لا يفوتني التنويه بالنصوص الشعرية التي كتبها بعض الزملاء في الموضوعة، كما كتب الشاعران محمد الفقيه صالح ، وإدريس محمد الطيب ، وعبد الرحمن الشرع ، وفي القصة كما كتب جمعة بوكليب ، وفتحي نصيب وغيرهما .

يتبع ...

عـيسى عـبدالقيوم
http://essak.maktoobblog.com
________________________

(*) الفصل الذى أشار اليه الأستاذ أحمد الفيتوري من روايته الجديدة تجده منشوراً على مدونتي .


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home