Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 11 March, 2007

ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً

عـيسى عـبدالقيوم

لازلت أنتظر ـ بفارغ الصبر ـ اليوم الذى نلج فيه الى المساحات ذات الطبيعة الحوارية .. دون الحاجة الى " الركل " .. أو " البصق " فى وجوه الأخرين .. فإذا كانت ظاهرة " البصق " فى حضرة البشر مستهجنة وغير لائقة .. فكيف هي عندما تكون فى وجه شخص لم يزد على أن قال :" رأيي صواب يحتمل الخطأ .. وما تذهبون إليه خطأ يحتمل الصواب " .. فكل الأمم المتحضرة .. وكل كتـّابها وكتبها التى ننقل عنها قائمة على مبدأ أصيل لا يتزحزح وهو " الإعتراف بوجود الأخر المختلف ".. المختلف على كافة المستويات الدينية .. والثقافية .. والإجتماعية .. والسياسية .. بل وذهبت تلكم الأمم بعيداً فى حماية الأخر.. عندما إعتبرته جزءاً أصيلاً من عمليات التدافع الإجتماعي والسياسي .. حتى ولّد لديهم ثقافة عميقة دفعت أستاذ فلسفة التسامح " فلتير " ليقول مقولته الشهيرة : " قد أختلف معك في الرأي لكني مستعد كي أدفع حياتي ثمناً لحقك في أن تقول ما تريد " !!.. وهذا ـ تقريباً ـ ما كنت أنتظره من شخصيات عاشت وتعيش التجربة الإنسانية الغربية بكل تجلياتها المدنية .. كنت أنتظر أن أسمع ما يرسّخ مبدأ " التسامح " كسلوك بشري لا ردة عنه .. ويشيد بفكرة " التعددية " كخيار مدني لا مناص منه .. وأن أسمع منهم ما يقرّب الى الأذهان مشروع " الدولة الحديثة " التى نتغنى بها .. ولكن يظهر أن الأمر لازال مبكراً حتى على أسس تلك العلاقة .. فضلاً عن مكوناتها !!.. فيبدو لي أن تلك العلاقة لازالت تحتاج الى تعريف الناس بأنها تدخل ضمن النداء الخالد : " من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " !! .

عموماً .. سأبدأ من فكرة تقول أن الأخر المختلف إما أن يكون " عميل .. أو جاهل .. أو مرتشي " .. وهي كما ترى خيارات مغلقة بشكل غير منطقي .. ولا علمي .. ولا عقلاني .. وللتعرف عن عدم موضوعيته دعونا نعرض تلك المعايير الظالمة على المنطق السياسي السوي .. فهل يوجد سياسي فى العالم لا يتعاطى مع الأخر بشكل ما ؟! .. وهل توجد قضية من قضايا العالم حلت عبر إعتبار الأخر أحد الثلاثة سالفي الذكر ؟!!.. بل وأذهب أبعد من ذلك وأقول : هل صنف الأنبياء والمرسلين مخالفيهم تحت أي حالة من الحالات الثلاثة ؟!!.. أفيقوا أيها الناس فإنكم بهذا الكلام إنما تمارسون عملية عزل لمناهجكم وبرامجكم.. بل ولرموزكم .. وتسوّقون فكرة بوليسية عن العلاقة بالأخر .. وتصيبون " مبدأ " الحوار فى مقتل عندما تخلطون بينه ـ كألية تواصل ـ .. وبين نتائجه !!!! .

فالسياسي الذى يعتبر الأخر لا يخرج عن هذه التصنيفات الثلاثة (المغلقة ) .. هو أحد شخصين .. فإما أنه لا يؤمن بالعمل السياسي السلمي .. أو أنه لا يعرف معنى التعاطي السياسي أساساً.. ولا أريد أن أضع الإحتمال الثالث رغم أنه " على رأس لساني !! " .. ولكن إن حتمّت الظروف فسوف أطلقه .. وأمري لله ! .

وأود أن أهمس الى بعض أصدقائي الأعزاء الذين أعيش وأياهم على أرض ـ وأرضية ـ مشتركة .. والذين يعزّ عليّ رؤيتهم يخسرون أنفسهم بهذه الطريقة المريعة .. أياكم أن تظنوا أنني الوحيد الذى يختلف معكم حول شيء من " خياراتكم السياسية ".. و" أساليبكم فى الخطاب " .. لا . فهذا ليس بصحيح .. ومن سرّب لكم ذلك لا يريد بكم خيراً .. سادتي الكرام .. هناك جمهور متزايد من قاطني المهجر بات أكثر قلقاً حيال بعض أنماط التفكير .. وبعض أشكال الخطاب .. فهل تستشعرون وجودهم .. أم أن الأمر لا يهمكم ؟!.. وهل لديكم حلاً لقلقهم المتعاظم .. أم أن الحل هو تصنيفهم تحت أحد الخيارات الثلاثة .. أو إغراقهم فى بحر من الزبد والبصاق ؟!!.

أساتذتي الأفاضل : لن أفشي سراً عندما أقول لكم بأن هناك ـ أيضاً ـ جمهور أعرض يعيش داخل الوطن ولم يغادره .. ويختلف مع خيارات وأفكار العقيد القذافي الشخصية .. ومع العقيدة السياسية التى تقوم عليها الدولة الليبية .. وفى نفس الوقت يختلفون مع بعض أفكاركم وممارساتكم .. فكيف ستتعاطون معهم ؟!!.. فإذا كان باب الحوار مغلقاً .. وإذا كان التصور الذهني لمفهوم المعارضة مثبّت على شكل واحد " لم يطله التجديد " .. من خالفه فهو " إما عميل أو جاهل أو مرتشي " .. وإذا كان الخطاب متوتراً ومشخصناً الى أبعد الحدود .. فكيف السبيل لإقناع هذا الجمهور بقصة النضال السياسي السلمي التى أضحت محل إجماع ؟!!. وكيف ـ والحال كذلك ـ نجعل الجمهور المستهدف بالخطاب السياسي يصدق حكاية دولة "القانون".. ويؤمن بدخولنا لعصر التعددية الفكرية والثقافية؟!!.. الأمر ليس مجرد إستعراض العبارات من أجل تمزيق كبد فلان .. أو ركل علان خارج ما يتوهم أنها حدود الحلبة .. الأمر أكبر من ذلك وأجل .. والبعض يخطئ حياله مرتين .. مرة عندما يعجز عن تقديم الحلول لما بين يديه من ملفات ويجبن عن التصريح بذلك !! .. والمرة الثانية عندما يعجز عن فهم الأخرين ولا يجد الشجاعة لمحاورتهم !! .. وخطيئته فى المرتين تتمثل فى إصراره على فكرة الهروب الى الأمام .. ولو على حساب الأسس التى قام عليها أصل وجوده السياسي والأخلاقي .

وأعتذر للسادة القراء عن نيتي فى تكرار بعض الفقرات التى سبق لي عرضها فى سياقاتها الصحيحة .. أنتزعها هنا من أجل رؤية أكثر وضوحاً .. ومن ذلك :

•   انني أعتبر أن أكبر كارثة يقع فيها السياسي هي أن يكون الفارق بينه وبين خصمه ضئيلاً ولا يكاد يبين.. فمعالجة الإقصاء بالإقصاء.. والرد على الفكرة بالتخوين .. وقصر الحوار على دائرة المحبين .. وقصف " التسامح " بقنابل " الثأر " .. كل ذلك يجعل المواطن كما لو أنه أمام خيارين لا ثالث لهما .. فإما السيء .. أو الأكثر سوءاً .. وفى هذه البيئة تحديداً تنبت بذرة الإحباط .. فإذا ما شاهدها أحدكم فلا يسأل عن سبب وجودها .. بل عليه أن يغوص ليتعرف على مبررات وجودها التى لم تعد خافية .

•   والفكرة الثانية المكررة.. كنت طرحتها على حضراتكم منذ فترة تحت عنوان "دوده من عوده".. وتمنيت ـ يومها ـ أن لا نقع فى كارثة تصارع ثقافتين لا يمثلان الحاضر والمستقبل .. ففى العراق تصارع جيل صدام حسين مع خصومه من نفس الجيل .. بكل ما حوى الجيل من أفكار وثارات وتناقضات .. وعندما إنتصر الطالباني .. والحكيم .. والعلاوي .. ماذا كانت النتيجة ؟!! .. إكتشف العراقيون أن الوجوه تغيرت .. ولكن الثقافة لم تتغير .. فأصبحوا على الظواهر التى أمسوا عليها فى عهد صدام كالتعذيب والإقصاء .. والسرقات والرشاوى .. والإعتقالات والتصفيات .. فما لا أريد أن أفكر فيه هو إمكانية أن نقع ذات يوم تحت رحمة أفكار ثورية محنطة .. ومخالب امنية متغولة .. ولكن بوجوه أخرى .. ربما لن يميزها يومئذ سوى ربطة العنق .. أو القفازات الناعمة .

•   الفكرة الثالثة .. طرحتها ذات يوم حول " المعارضة كقيمة " .. فأنا من المؤمنين بأن المعارضة قيمة فى حد ذاتها .. ويوم أن تتحول الفكرة الى أداة فى يد الحاكم ( أي حاكم ) يجيّرها لخدمة مشروعه .. تكون قد فقدت كل مبررات وجودها .. فأنا معارض .. وأشدد فى ذات الوقت على أن فكرة المعارضة بالنسبة لي قيمة " متجددة ومتغيرة ومتحولة " .. ولا أشترط لها شكلاً أو حيزاً معيناً .. لأن هذه القيمة ستفقد جوهرها عندما يقال أنها متجسّدة .. فى " جماعة الإخوان " فقط .. أو فى " المؤتمر الوطني " فقط .. أو فى " جبهة الإنقاذ " فقط .. الخ .. هي قيمة عظيمة تبرز عظمتها فى مردودها الإيجابي .. ولها من الوسائل والأليات ما يجعلها كذلك .. فعندما نكتشف بأنه لا مردود لها ..فلا بد أن نقف لنفكر .. ونتساءل : هل نحن أمام شيء يصدق عليه وصف المعارضة أم لا ؟!!.. وهذا تساؤل سياسي مشروع .. والخجل منه كالخجل من الإنتماء للإنسانية .

سادتي الكرام : لنتذكر جميعاً بأن منطق الثأر .. وتهييج المشاعر .. ودفع الناس الى زوايا حرجة .. والتهديد بأكل لحوم الموتى لا يزيد الطين إلا بلة .. ثم ألا تتفقون معي بأن كل هذه الأوصاف يراها الناس تتحرك بصورة يومية داخل المشهد العراقي على هيئة ما يعرف بـ " فرق الموت " .. وهذا فى تقديري " أحقر " وصف يمكن أن تتلبس به جماعات سياسية مدنية تستهدف إستئناف الحياة الدستورية !! .

عوداً على ذي بدء أقول .. أفضل السبل هو الحوار المباشر .. البعيد عن التخوين المسبق .. أو الإتهام المبطن .. فلا أدري ما سر الإعجاب يفكرة رفض الحوار السياسي بين أهل المهجر .. والإصرار على حوار الطرشان .. وشخصياً سأستمر فى رسالة " الإعلام الحر " لأنه قيمة .. وسأستمر فى محاورة كل من تصل اليه كلماتي لأنها رسالة وجود .. وستظل يدي ممدودة لكل من يرغب فى مصافحتي .. شريطة أن يعلم أن ما أحمله فى رأسي ـ تجاه وطني ـ ليس للبيع أو حتى الكراء .. فلا زال الطريق الى تغيير قناعاتي يمر عبر قناة الحوار والإحترام المتبادل .. وما عدا ذلك غالباً ما أعتبره لا يستحق أكثر من القراءة العابرة .. ولا أجد غضاضة فى قبوله " كرأي خطأ يحتمل الصواب " !.

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home