Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 10 December, 2006

زعـماء بلا أحفاد

عـيسى عـبدالقيوم

كان زعماء عشائر " العصر الجاهلي " كبني عبس وبني تغلب يعشقون التناطح لأتفه الأسباب .. وأحياناً لا يحتاجون لأسباب .. حتى بات إستعدادهم لخوض الحرب القادمة ـ مجهولة الهوية ـ يشكل هاجسهم الأول .. فالقاعدة التى تحكم العلاقة بين نجوعهم لا تعترف بأنصاف الحلول .. فهي تنص بوضوح على أن " من لم يظلم الناس يُظلمِ "(1) .. فكان إستكثار الأبناء والأحفاد جزءً من عملية إستعدادهم لخوض حروب ظـُلمِهم .. أو لرد حروب ظلم جيرانهم .

وقد يشكل ضيق الوادي الضامر الذى يستوطنونه ـ نتيجة لتناسل الماشية مع البشر جنباً الى جنب ـ أحد أسباب تغولهم المفاجىء.. فيشرعون فى التربص بجيرانهم .. ويختلقون للفتك بهم ما تيسر من ذرائع .. كأن تنفق " عنزة " الزعيم فى ليلة شديدة البرد .. مثلا .. فلا تشرق نهار ذاك اليوم إلا والزعيم يتهم نظيره القابع فى قعر الوادي المقابل بقتلها ظلماً وعدواناً .. وما بين صيحة الزعيم طلباً للثأر .. وإلقاء أول قصيدة عصماء تؤرخ للحدث .. تكون جيوش الضغينة قد تجاوزت مضارب القبيلة لتنهش لحوم وأعراض عشيرة قاتل العنزة المزعوم .. وهكذا تبدأ مراسم حرب قد تستعر لثلاثة أو أربع عقود .. فلا ضير .. فالقوم فى سعة من أمرهم .وأثناء كر و فر فرسان العشيرة إنتقاماً للعنزة المغدورة يسقط الأبناء فى المرحلة الأولى .. ثم يتبعهم الأحفاد فى المرحلة الثانية .. وعندما يشعر الزعماء بتناقص القطيع من حولهم يهرعون الى مضاعفة جهودهم مع الأمهات والجواري والسبايا من أجل إحداث الوفرة المُجلبة للفخر .. والمُرممة للأوضاع التى نالت منها الحرب .. وهي على أي حال طريقة تقليدية تدفع اليها غريزة يتساوى فيها زعيم القبيلة .. مع تيس قطيع عنزته المغدورة .. فكلاهما يرغب فى تحقيق حلم رؤية الأحفاد البيولوجيين الذين يحملون جينات قائد المجموعة ( شيخ / تيس ) .

هذا جزء من قصة تكررت فى عهد درجنا على تسميته " بالعصر الجاهلي " .. من حرب " البسوس ".. حتى حرب " داحس والغبراء "..ولا أدري ما الفرق بين صراعات ذاك العهد الموصوم بالجاهلي الدموية .. وبين ما جرى من تطاحن فى عصور يفترض أنها جاءت لتنهي حقبة العصر الجاهلي .. من " دير الجماجم " وأمير المؤمنين الأموي .. وحتى " أيلول الأسود " وأمير المؤمنين الهاشمي .. وصولاً لحروب " أيات الله " فى فى بلاد الرافدين .

على أي حال .. ما إن أطل عهد الزعامات الخالدة فى نسخته المعاصرة .. حتى برزت فكرة التفاخر بالأبناء والأحفاد .. غير أن جديد القصة مختلف هذه المرة عمّا كانت عليه فى عصر بني تغلب(2) حيث كان المستهدفون بالتكاثر يومها الأبناء البيولوجيين .. أما فى العصر الحديث فالمعول عليهم والمتفاخر بعّد رؤوسهم هم الأبناء الأيديولوجيون .. فالزعيم الراحل جمال عبدالناصر .. على سبيل المثال .. ظهر له مئات الألأف من الأبناء الأيديولوجيين الذين بُحت حناجرهم .. وتطايرت صحفهم .. وعلت مراتبهم على خلفية الأبوة الأيديولوجية .. فكتبوا .. وغنوا .. وكذبوا .. ونافقوا .. ولمّا لم يكفهم ذلك إثباتاً لبنوّتهم له .. ظلموا .. وعذبوا .. وقتلوا .. فنكلوا بكل من لم يُعجبه أبيهم .. أو لم يُعجب به .. فشاعت المواقع والملاطم التى تغنى بها الشعراء .. وغصت بذكرها دواوين السجلات القومية .. والعجيب أن لملاطم زعماء العصر ما بعد بعد الجاهلي أسرى أيضا .. ووجه العجب أن الأسير و آسره يحملان نفس البطاقة الشخصية .. ويقفان لذات الراية إحتراماً .. وهذا التوحش المتمدن لم يكن يفعله شيخ بني تغلب مع تغلبيٍ مثله ولو تصعلك على حساب العشيرة !!.

عموماً كثر أبناء الزعيم عبدالناصر من فرعه الأيديولوجي .. وصار لكل إبن زفة خاصة به .. ثم تطورت الزفة فصارت محمية.. تتزاحم داخلها العائلات على شكل متوالية هندسية .. وجر الزمن أيامه .. وإنفرط عقد سويعاته .. وفجأة مات الزعيم .. نعم .. مات الأب الأيديولوجي.. وكان لابد أن يموت .. فكل حي ميت .. وكل شيء دبت فيه الحياة لابد أن تغادره فى لحظة ما .. فتلك سُنة وناموس لا فِكاك منه .. يتغافل عنه الزعماء وينزعج منه الأبناء .. ولكن الموت سيبقى اليقين الأقرب دائماً الى الشك .. عموماً حُمِل الزعيم الى مثواه الأخير .. وأهيل عليه التراب .. وغادر القطيع كل الى محميته .

أشرقت شمس صباح اليوم التالي كطبيعتها دون تأخير.. ولاحظ الجميع أن الزمن لم يتوقف .. والحياة لم تنتهي .. والهواء لم يأسن .. فلم تنتحر البشرية بعد موت الأب الأيديولوجي .. ولم تتصلب شرايين الكون .. على عكس ما كان يقوله الأبناء أثناء إنتحابهم أمام الزعيم عندما يصاب " بزكام عابر ".. بل لم يشغر مقعد الزعامة لدقيقة واحدة .. وهو الذى كان يُزعم أن لا أحد له القدرة على شغره ! .

تعالوا لنلقي نظرة على القبيلة العصرية .. لنرى ماذا حل بالأبناء .. وكيف هو حال الأحفاد ؟!.

إنتهى المطاف بالزعيم فى قبر خرساني بارد .. وأعطت القبيلة الكبرى ( الدولة ) ظهرها للوصية .. فدشن عهد التعددية فى المضارب المصرية .. فماذا كانت النتيجة ؟! .. إتضح أن الزعيم الخالد جمال عبدالناصر الذى كان يُعد أبناءه بالملايين.. لا أحفاد له !! .. فصار الحزب الناصري حزب هامشي هزيل تافه .. ومزق الأبناء شهادات ميلادهم الواحد تلو الأخر .. ومن بقى منهم عاش ليتذكر الكذبة الكبرى .. ورجع يبحث عن الطمأنينة فى حضن أبيه البيولوجي .. بعد أن ظن أنه ليس فى حاجة إليها أبان فترة الأبوة الأيديولوجية .

تلك الحكاية كان من المفترض أن تحكى " قبل خراب مالطة ".. غير أن حُكّام بلادنا أنصاف ألهة .. وتعتبر محادثتهم .. فضلا عن مشاكستهم أو مناكفتهم .. شيء من قبيل الشرك الأكبر .. ولو كانوا بشراً لكنت أول من يرغب فى الحديث معهم .. وحتى لا أكون جشعاً فلن أرهقهم بطلب موعداًـ كأحد مواطنيهم ـ لشرب القهوة على طاولة عملهم الصباحي .. بل سأكتفي بإرسال رسائل خطية لهم..تارة لأصّبح عليهم ولأذكـّرهم بموعد عيد الأضحى المبارك حتى يستعدوا لتهنئة الأمة بكلمات منتقاة بعناية بدلاً من خطب النكد التى يوجعون بها رؤوس العباد .. وتارة لأعلِمهم بأخر نكتة قيلت تعليقاً على أخر مشاريعهم الفاشلة.. وربما لأخبرهم بأنه لا أحفاد لهم فى الشارع .. وأن كل ما يرونه كذبة كبرى .. ولكن لكونهم فضلوا العيش فى ملكوت صنعته الشياطين لأنصاف الألهة .. والأيام تمر بسرعة .. ومع صباح كل يوم يستقطع نصفهم الإلهي النهم جزءً من نصفهم البشري .. فيوغلون فى البعد عن الناس .. لذا قررت ترك التفكير فى مخاطبة الألهة فأنا مستمتع ببشريتي .. وأعلم أنهم ينكرون ما أصفهم به .. ويتذمرون من نعتهم بالمتكبرين المستبدين .. ويرون أنفسهم مبخوسي الحقوق .. ولكن لابأس فقد تعودنا غياب الحقيقة .. وبات الإنكار فى وطننا العربي ـ المزعوم ـ كالمقابر الجماعية تزداد دون مبرر.. ويتدافع الناس اليها دون مُسوغ.

فيا أيها الزعماء ـ أو الأباء كما تفضلون ـ إذا أقسم لكم الأبناء " الأيديولوجيون" بأنهم يستبضعون(3) عقولهم من أجل أن يستجلبوا لكم مزيداً من الأحفاد الأقوياء .. كي لا ينقرض نسلكم .. فهم يكذبون.. وهذه بالمناسبة ليست كذبتهم الأولى .. فهم نتاج مجتمع يتنفس الكذب .. وهم نتاج ثقافة غير بريئة .. ثقافة بدأت قبل بني تغلب بسنين طويلة .. بدأت بفكرة " الإنتساب " .. فكان يقال للرجل من أجل تحقيره.. أو النزو على حقه " إنتسب ".. أي حدد من أي عشيرة أنت .. فصار الرجل الضعيف .. والمنبوذ .. و الوضيع .. واللص .. والوصولي ينتسب الى مصدر القوة حينها ( العشيرة القوية ) من أجل ضمان بقاء رأسه بين كتفيه .. أو من أجل ضمان ضمّه الى مارثون الجباية المستمر منذ عهد عروة بن الورد .. وحتى شكري بن غانم(4) .. مروراً بالباب العالي قدس الله سره .. وهكذا تمت عولمة فكرة الإنتساب .. فعندما كان الأبناء بيولوجيين .. كان الإنتساب بيولوجياً ( الجنس او القبيلة ) .. وعندما تحول الأبناء الى " أيديولوجيين " تحول الإنتساب الى الأيديولوجية ( الحزب أو النظرية ) .. فصار ذات الضعيف .. والمنبوذ .. والوضيع .. واللص .. والوصولي .. ينتسب الى مصدر القوة ( العقيدة المسيطرة) ودائماً من أجل الإستمرار أو اللحاق بذات المارثون .. فكل الذين يُهرقون ماء وجوههم على أعتاب الإنتساب الكاذب لأبوتكم الأيديولوجية .. هم فى الغالب يمارسون عملية إنتساب عصرية من حيث الشكل ولكنها قديمة من حيث المبرر والهدف .. والطريف أن كل طرف فى هذه اللعبة يعتبر الطرف الأخر ساذجاً .. وأنه قد نجح فى تسخيره لخدمة أطماعه .. ومن كلا الزاويتين يمكن أن تصدق فكرة خداع الأخر .. بمعنى أن كلاهما يزعم أنه دُفع لذلك لكونه " ينفخ فى قربة مشروطه " .. وبما أننا قد عرفنا أولئك الذين ينفخون .. فلم يبقى لنا إلا أن نعرف ماهية " القربة المشروطه " ؟!.. وآمل أنهم لا يقصدون " الوطن " !! .

لقد كانت " مصر " على بكرة أبيها تعتبر نفسها صديقة .. ومحبة .. وعاشقة .. لعبدالناصر .. فلم يكفيه ذلك .. فما زالت به هواجس الخلود .. وهمزات شياطين الإنس .. حتى طلب المستحيل .. فجعل خانة الأصدقاء والمحبين خاوية خالية مظلمة جرداء .. وضخ فى خانة الأبناء كل مقومات ومغريات الحياة .. ولكي تعيش الناس ويضمنوا بقاءهم ضمن قائمة الأحياء ـ ولو على غرار فئران المجاري ـ حولوا حياتهم الى كذبة كبيرة .. فتحول كل شيء الى كذبة بحجم الوطن .. بل تحول الزعيم نفسه الى شخص يكذب من أجل أن تستمر الكذبة .. وها هو الحزب الناصري يعجز عن دفع إيجار " بيت العيلة " الخالي تماماً من الأحفاد !!! .

سادتي الكرام .. لو عاد بي الزمان الى بداية السبعينيات الليبية .. وطلب مني أن أكتب رسالة الى مجلس قيادة الثورة حينها فلربما كانت هذه هي .. مع إضافة الرغبة فى تسريع بيع مقاعد الأبناء والأحفاد الأيديولوجيين.. والإستعاضة عنها بمقاعد الأصدقاء والمحبين .. قد أكون تأخرت كثيراً فى إيصال رسالتي " الأيديولوجية " .. ولكن عذري أن دوري فى عملية التكاثر " البيولوجي " جاء متأخراً هو الأخر .

والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
yumuhu65@yahoo.com
________________________

(1) الفقرة جزء من بيت فى قصيدة زهير بن ابي سلمى الشهيرة .. والتى حوت ما يشبه حِكم وخلاصات تجربة الثمانين عاماً التى عاشها فى تلك البيئة .. حيث يقول عن قانون البقاء السائد حينها :
" ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم      ومن لم يظـلـم الناس يظلم "
(2) إخترت التشبيه بقبيلة بني تغلب لكونها قد تورطت مبكرا جدا فى وهم الزعامة الخالدة .. عندما تفتق ذهن فحل شعراءها " عمرو بن كلثوم " على معلقته الشهيرة .. مما جعل أحد شعراء وائل بن تغلب يهجو بني تغلب قائلا :
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة      قصيدة قالها عمرو بن كلثـوم
يروونها أبداً مذ كــان أولهم      ياللرجال لشعــر غير مسئوم
(3) الاستبضاع لفظ شاع فى الجاهلية .. ويشير الى أحد الانكحة المعمول بها يومئذ .. حيث كان الرجل يرسل زوجته الى شخص ذي مواصفات خاصة من أجل أن تحمل منه من يأخذ عنه تلك الصفات .. ووجه التشبيه أن بعض الحذاق يوهمون الزعيم بأنهم سيحولون عقولهم الى دور للاستبضاع من أجل أن تبقى افكاره مستمرة.. وها هي تجربة عبدالناصر تثبت أنهم كانوا يمارسون دعارة سياسية لا تقل سذاجة وحقارة عن فكرة الاستبضاع .
(4) مع الإعتذار الشديد من الدكتور شكري غانم .( رئيس وزراء ليبي سابق .. جاء الى الوزارة على خلفية ما قيل أنه مشروع اصلاحي .. فكثرت فى عهده الجباية من الناس ) .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home