Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 10 February, 2006

قيـم مطلوبة لذاتها

المعـارضة بالمفهوم الواسع والعـميق للكلمة.. قيمة وضامن.

عـيسى عـبدالقيوم

فالمعارضة قيمة من جهة كونها الفضاء الذى يثبت إنسانية الإنسان .. وكينونته .. ويعطى لوجوده معنى .. لأن الوجود فى غياب الموقف يساوي عدم .. والوجود فى غياب الإرادة يساوي عدم .. والوجود فى غياب التمايز يساوي عدم .. والعدم قل أو كثر .. إجتمع أو إفترق .. دُثـّر أم تعرى .. شيء لا يمكن وصفه حتى ـ كما فى الماضي ـ بالصفر على الشمال ..لأن الصفر على الشمال أمسى ضرورة لا غنى عنها فى زمن المنظومة الرقمية ( الديجتال ).. أما العدم فلا زال هو العدم .. بإسثناء الإستعانة به لوصف حالة التلاشي .
والمعارضة قيمة لأنها أحد مظاهرالحرية.. التى تعجز عن وصفها أدق الكلمات.. فحسبها أنها الحرية التى يتساوى الإحساس بها بين أهل التبت.. وزمبابوي .. والديمنوكان .. وأهل نيويورك .. وطوكيو .. وجنيف .. وفى حضرتها لا يمكن السماح لفرد أو جهة أو طائفة بالتعبير عن رأيها.. ولغيرها بالصمت.. فهي تمنح بركتها لمن وافق .. بنفس القدر الذى تمنحها لمن خالف.. فمن هذه الزاوية تكون المعارضة أحد التجليات العظيمة لإثبات إنتصار الحرية .. وغيابها لايمكن فهمه إلا فى سياق سلبي مهما قيل عن مبررات ذلك الغياب .

والمعارضة ضامن .. أو لنقل أحد أهم الضمانات .. من تغوّل الكائن البشري .. القابل للتغوّل بطبعه .. ولتشذيب ذلك الطبع وتهذيبه لابد من المحافظة على وجود أنماط وأشكال يمكن وصفها بالمعارضة .. وهي إن شئت كل ما لا يقع تحت إدارة السلطة.. ويعمل على نقدها وتوجيهها للحد من خروجها عن النص .. فوجود من يعارض يعني وجود من يسعى لسن قوانين مقيدة للتفرد والإستبداد .. وبما أن السلطة لا تدوم لجهة أو فرد .. فتداول الناس على خندقي السلطة والمعارضة.. وعملية محاولة ضبط كل منهما لمسيرة الأخر .. عندما يكون هو الطرف الأخر .. سينتج ـ لا محالة ـ وفق أليات المنطق التراكمي مسطرة قوانين ولوائح تنحو بإتجاه خدمة المواطن والحد من إنتهاك حقوقه.. وتسعى للفصل بين السلطات .. وتقسيم مستويات صنع القرار من أجل ضمان عدم الإستفراد به أو تخصيصه .. ومن هنا فوجود أشكال المعارضة المنظمة والمسئولة ضامن .. والإستهانة بها تحت أي ظرف أو مسمى لن يخدم إلا الدكتاتورية .. والتفرد .. بل ويشير الى تراجع المجتمع عن مدنيته لجهة أوصاف اخرى .
وأيضا فالمعارضة ـ من زاوية أبعد ـ ضامن عندما تطرح كبديل مدني عن القبيلة ( المُسيسة).. سواء من جهة الدفاع عن المصلحة العامة .. وما يحمل مفهوم المعارضة المدنية حيالها من معاني العموم فى الطرح والمطالبة .. بعكس العرض القبلي الضيق بطبيعته .
أو من جهة ضمان تكريس ظاهرة التنوع ـ جهة وعرقاً ومذهباً ـ ضمن الإطار الواحد .. على خلاف القبيلة التى عادة ما تنتج أحادية متوارثة يفرضها عنصر النسب .. وتشكمها تقاليده .. وفى الحالتين ( الدفاع عن المصلحة .. وتكريس مبدأ التنوع ) يظهر بوضوح الحاجة لتعميق وترسيخ " فلسفة المعارضة " .. على حساب تفكيك " فلسفة القبيلة ".. لإحداث نوع من التوازن طويل الأمد فى اللعبة السياسية .. عن طريق إضافة ضامن مدني من الصعب تجييره .. أو تدجينه (1) .

ولعل أقل درجات الوعي ـ فى هذا المستوى ـ هو التمسك بمفهوم المعارضة كبعد قيمي فى حياة الفرد .. قبل الجماعة البشرية .. ومن ثم تأتي خطوة العمل على تطويره .. وترسيخه .. بما يتوافق وظروفنا .. وإمكانياتنا.. وموقعنا من الإعراب السياسي .. لكون التنازل على القيم الضرورية للحياة الحقيقية للإنسان ( المتسامية عن معنى الأكل والشرب ) بحجّة أن لها أثار جانبية .. خطأ أثبتت الأيام أن إرتكابه يجر ما هو أخطر من تلك الأثار " المتوقع " حصولها .. ولو طبقنا فكرة الإلغاء أو الإستغناء عن كل ما يمكن أن يكون له أثار جانبية .. فقد نضطر الى الإستغناء عن الدواء .. وربما حتى عن الزواج !.. فضلا عن القضاء وما يحمله من نِسب خطأ .. والطائرة وما تحمله من نسبة مخاطرة.

ولكن أي المعـارضات تلك التى يمكن ان تجسّد مدلول "القيمة"؟!.

لاشك أن المعارضة ـ بالمفهوم الواسع للمصطلح ـ لا تعني فقط الأحزاب السياسية .. وإن كانت الأحزاب السياسية ـ كفكرة على الأقل ـ تمثل ـ حتى الأن ـ العمود الفقري للمصطلح .. ولكن فى تصوري فإن التركيز على فكرة أن المعارضة تساوي أحزاب سياسية فقط .. فكرة غير ناضجة .. لأنها من جهة ستعمل على إعفاء كل من لا ينتمي الى حزب أو تنظيم سياسي من واجب المعارضة لما يمكن أن يكون خطأ أو خطيئة فى مجتمعه .. وتحيله الى متفرج ينتظر أن تمطر السماء حلولاً لأزماته.. ومن جهة أخرى فهي تعمل على التقليل من شأن عمل الفرد.. أو المجموعات المؤطرة على أسس غير سياسية .. والتى " قد " تكون الظروف والمعطيات لا تسمح بتحقيق بعض الإنجازات إلا عبرها .. وفى الجملة ففكرة تقييد المصطلح ـ أو حتى الإيحاء بذلك ـ تشكل نوعاً من خنق روح الإبداع والإنطلاق فى أشكال العمل المعارض.. الذى من المفترض أن لا علاقة له بمنطق الثأر .. ولا بعقلية الشيخ .. ولا بتقاليد العشيرة .. ولا بسلطان الفتوى .. وهو أعمق من تجليات مخلب القط .. وأسمى من التمظهر الجهوي الساذج (2) .

ومن هنا أقول ان المعارضة التى تشكل القيمة .. ليست بالضرورة إطاراً بعينه مُتخم بأعداد وفيرة من البشر .. بل هي الإنسان المؤمن بذات القيمة .. فمنه نستطيع أن نصنع أو نخلق الأطر ونشكلها ..أو قل لتتشكل هي بذاتها فى صور وأنماط تتناسب والمعطيات على الأرض .. وتتناغم والبيئة الحاضنة لها .. فى الوقت الذى يستحيل أن ننجز ما هو مطلوب منا فى ظل أطر متوّرمة ولكنها خالية من أي قيمة .
ولعل هذه النقطة تحديداً تشكل أحد أسباب كتابة هذه المقالة.. فالإنسان المؤمن بالقيم الكبرى للحياة المدنية .. لا يمكن تأطيره قبل بعثه .. وما نشاهده من كتل بشرية مؤطرة قبل البعث .. غالباً ما تتحول الى عبء .. أو تتعرض لعمليات إعادة إنتاج ..وإن بصور غير مباشرة ( وربما مخادعة ) من طرف من يديرون شئونها.. وبالتالي فمن مصلحتنا جميعا الإلتفات الى الملف الثقافي.. ومنحه الثقة المطلوبة للمساهمة فى بعث الإنسان الحائز على مقومات فهم الحياة المدنية .. والتى منها بكل تأكيد المستوى السياسي .. فذلك الإنسان ـ الحالة ـ من أهم العوامل المساعدة على النجاح .. بما لديه من قدرة على فهم الحِراك السياسي فى سياقه الصحيح .. وبما لديه من وعي بعلاقة كل ذلك بالتدافع الإجتماعي .. وما ينتج عنه من تنقلات بين مكونات خندقي الثابت والمتغير فى حياة البشر .

وربما لا يوجد عدو للسياسي المحترف العاقد العزم على العمل.. أكبر من الإنسان الرافض لفكرة صناعة التاريخ .. لأنه إذا كان " التاريخ سياسة مجمدة .. فإن السياسة تاريخ سائل " (3) .. والسائل مآله الى التجمد .. والمسافة الزمنية بين التحول من السائل الى المتجمد .. هي العمر الإفتراضي للسياسي .. من هنا فالإنسان الرافض لصناعة التاريخ .. هو عامل من عوامل إستهلاك عنصر الزمن المحدود .. وتحويل الرفض الى قبول عند الإنسان ـ الحالة ـ لا يتأتى إلا من خلال الملف الثقافي .. إذن فالسياسي المستدرك لخطورة دوره .. وعِظم مسئوليته .. لا يمكن إلا أن يكون سنداً ورافداً للمشوار الثقافي .

سادتي الكرام : قد نختلف حول توصيف ماهية بعض التنظيمات السياسية بالشكل المترهل التى هي عليه.. وقد نختلف على بعض المواقيت الحزبية .. وقد نختلف حول طبيعة بعض البيانات .. وهل هي ملوثة للبيئة السياسية أم لا ؟! .. وقد نختلف على التسميات والمُسميات (4) .. وقد نختلف حتى على فكرة إطلاق الأحزاب فى ظل غياب ثقافتها .. فكل ذلك يقع ضمن حدود المقبول والمعقول .. ولكن أن نختلف حول ضرورة وجود المعارضة السياسية السلمية .. ولو كمبدأ عام فى حياتنا .. فعند هذا الحد يجب أن نتوقف للتفكير .. لأن إختلافنا على هذا القدر يدل على وجود خلل ما .. ليس من مصلحتنا غض الطرف عنه .. كما أنه ليس من مصلحتنا أن نحّول الإختلاف حوله الى عداء مستحكم .. وطلاق بائن .. والحل يكمن فى إعطاء الحوار حوله شيء من الوقت .. وهنا بكل تأكيد ستشكل عبارة : " الزمن جزء من العلاج " .. جزء من العلاج .

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

1. فى تقديري تكمن هنا أحد أخطاء الكتاب الأخضر.. حين جعل القبيلة والحزب شيئاً واحداً.. فتعسف فى إسباغ مثالب وسلبيات التمظهر القبلي على الحزب السياسي.. بعد ان وصفه بالقبيلة الحديثة.. ثم قام برفضهما جميعا.
وأتفق مع الكثير مما جاء فى مقالة الدكتورة أمال سليمان.. المعنونة بـ "القبيلة والقبلية: بديل للمجتمع المدني" فى العدد الرابع من مجلة عراجين.. حول هذه النقطة.
2. لابد من الإعتراف بأن هناك الكثير من المظاهر والظواهر التى تصاحب التجربة التى تعيشها الاحزاب السياسية فى المهجر.. لا يمكن فهمها فى السياق المتعارف عليه للعمل السياسي.. ولعل الإصرار على وجودها.. يشير الى أنها ربما باتت تشكل جزء من التركيبة البنيوية للعمل الحزبي.. مما يعني أننا أمام اشكالية.. ولسنا امام مشكلة.
3. العبارة للاستاذ محمد حسنين هيكل.
4. المقالة جزء من رد على صديق تساءل : هل من الضروري أن تكون هناك معارضة؟!.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home