Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Thursday, 9 November, 2006

 

نحو أفق أوسع وخطوة تـستـهدف المستـقبل

( ورقة نقدية تراجع البعـد النظري أو الفلسفي
   لواقع الحِـراك السياسي الليبي فى المهجر )


( 2 من 2 )

عـيسى عـبدالقيوم

توطئة :
حديث هذه المرة أردته صريحاً خالياً من التكلف والمجاملة.. بعيداً عن تجليات الديماغوجية .. حديثاً أتصور أن الضرورة باتت تقتضيه أكثر من أي وقت مضى .. فأرجو أن يكون كذلك .. فبعد أن فقد الشعب الليبي الأمل فى قائمة وعود " البيان الأول " 69م .. وتقارب مرحلة الثورة من النضوب .. وبعد هذا المشوار الطويل للمعارضة الليبية .. بدأت عوامل عدة ـ داخلية وخارجية ـ سياسية وإجتماعية ـ فى العمل على الدفع بإتجاه واقع جديد .. واقع ربما يشكل الحتمية التاريخية لمحصلة تلك العوامل .. دعونا نصطلح على تسميته ـ مبدئياً ـ " بمرحلة الدولة " .. ولكي لا نفقد الدولة كما فقدنا الثورة .. ونتحول من جديد الى خانة المنتظرين.. وحتى لا نُحرم من مقامات إعراب الفاعل لنظل فى حكم المفعول به .. ينبغي أن نسعى لبلورة ما يدور ضمن مضامين سياسية .. وأن نطرحه بحرية وشفافية وجرأة.. فلابد أن تولد الدولة.. ومن مصلحتنا جميعا أن تكون مدنية / عصرية / وطنية بعيدة عن الأيديولوجيا.. وهذا لن يتأتى بالأماني.. بل يحتاج الى بعث إرادة سياسية..وبذر بذرة الإيمان بها كفكرة .. ولأجل أن تنضبط الورقة ويتحدد مسارها كان لابد أن أختار لها بداية أو مدخل .

المدخل :
وحتى يكون المدخل أو البداية ذات علاقة بالحِراك اليومي إخترت من بين عدة مقالات وأفكار طُرحت فى الفترة الماضية مقالتان خمّنت أنهما يمكن أن تسعفاني كبوابة للعبور الى عدة مستويات ومساحات المطلوب الحديث عنها فى هذه المرحلة .. مساحات سياسية / دينية / فكرية / ثقافية .
1ـ المقالة الأولى : للأستاذ / مفتاح الطيار .. النشاط السياسي .. ونائب الأمين العام لجبهة الإنقاذ .. والمعنونة بـ " ذكرى التأسيس ومفترق الطرق " .. وبثها الموقع الإعلامي للجبهة تحت هذا الرابط : http://www.nfsl-libya.com/Articles/2508.htm
2ـ المقالة الثانية : للدكتور / عبدالحكيم الفيتوري.. الباحث.. ومدير مركز المقاصد للدراسات الإنسانية.. والمعنونة بـ"أشكالية القيمة والذات فى الفكر الحركي".. وبثها موقع "ليبيا وطننا" تحت هذا الرابط: http://www.libya-watanona.com/adab/afaituri/af29115a.htm

نقاط نظام :
قبل أن ألج الى صلب الورقة أود أن أعرّج على نقاط أتصور أنها قد تخدم عموم منحى التطوير والتجديد المطلوب للفكر السياسي المنطلق من خلفية إسلامية .. والمستهدِف للإنغماس والمشاركة فى مشروع الدولة الحديثة..التى إن أردت أن اُجمِل فكرتها ـ أي الدولة الحديثة ـ فى عبارة واحدة لقلت " هي مجموعة إجتهادات بشرية معاصرة .. ومتغيرة بإضطراد " .. ولهذا فهي تحتاج لإلتفاتة جادة للمحاور التالية :

أولاً : ضرورة الخروج من دائرة الثنائيات ـ فى الوصف والتقيسم ـ .. فقد تطور العالم من حولنا بصورة كبيرة.. وأصبح منطق الثنائيات ـ خاصة فى الممارسة السياسية ـ يثير الإشفاق أكثر مما يثير الإعجاب .. و ما دار حيالها من إجتهادات فى القديم كانت لمعالجة معطيات تغيرت بشكل كبير وحاد .

ثانيا : توسيع دائرة الإتفاق الخجول حول مبدأ " أنتم أدرى بشئون دنياكم " .. الذى حث عليه النبي (ص) .. فأتصور أنه لم يأخذ وضعه الطبيعي فى حيز الممارسة .. فأصبحنا نرى التكلف فى رص حياة الناس تحت نصوص لا تشكل ـ فى كثير من الأحيان ـ محل النزاع أو الإستشهاد .. ومن الأمور المطلوب إطلاق عِقالها فى هذا السياق .. فكرة الدولة لنصل بها الى سقف عالٍ جداً ينسجم مع فلسفة " عدم مخالفة أصول الشريعة " .. لا "عدم الخروج عمّا أنتجته من إجتهادات ".. ألم يقل ابن عقيل [.. السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب الى الصلاح .. وأبعد عن الفساد .. وإن لم يضعه الرسول .. ولا نزل به وحي .. فإن أردت بقولك " إلا ما وافق الشرع" أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح ، وإذا أردت لا سياسة الا ما نطق به .. فغلط وتغليط للصحابة ]..(1) .

ثالثا : رد الإعتبار لمفهوم التطوير والتغيير فى الإجتهادات والخيارات.. فبصراحة هناك نوع من التجريم المبطن لهذا الموضوع يكاد يتحول الى ثقافة .. فالتطوير والتبديل أو الإنتقال بين ما تنتجه هوامش الإجتهاد يكاد يتحول الى وثيقة إدانة لمن يتلبس به .. والحاجز غالباً ما يكون نفسياً .. ويأتي على خلفية التنافسات الحزبية أو المشيخية .. فالتطوير والتبديل والتغيير والإجتهاد والفك والتركيب والتقديم والتأخير وطرح الأسئلة الصعبة كلها أمور صحية وصحيحة .. وكان القرآن سبّاقاً للإشادة بها.

رابعا : لعله من المناسب أيضا أن أذكـّر ـ فى هذا المقام ـ بأني أعرض قناعتي الشخصية .. وأفكر بصوت مرتفع فى قضايا أتصور أنها بشرية إجتهادية يخطئ من يحشرها فى مصاف النصوص .. وفى المقابل أحترم من له وجهة نظر غيرها أو تختلف عنها .. وبالرغم من الإشكاليات التى يعاني منها التيار الإسلامي ـ بتفريعاته ـ فى مجال التعددية مفهوماً وتطبيقاً .. وفى مجال عدم التفريق بين الأليات والمضامين .. وبالرغم من سيطرة منطق أبوي/ تأريخي على بعض مفاصله .. إلا أنني لن أخفي رغبتي فى رفع سقف الحوار داخل ـ ومع ـ الخندق الإسلامي الى أعلى مدى يمكن أن يصل اليه العقل البشري.


د. عبدالحكيم الفيتوري

2 ـ حول .. وعن مقالة د . عبدالحكيم الفيتوري

عرض د. عبدالحكيم خلال سلسلة مقالاته الأخيرة .. لعدة قضايا فكرية وفقهية وتاريخية.. أتصور أنها ذات صلة كبيرة بمشروع الدولة .. فعامل أو عنصر الدين لعب ـ ولازال يلعب ـ الدور الأبرز فى تشكيل خيارات المنطقة بأسرها .. بل وله اليد الطولى فى تحديد شكل الأغلبية .. والتداخل بين حلقاته وإجتهاداته وخياراته بات يشكل أحد أهم موارد الأسئلة التى تقلق ـ ليس المنطقة فقط ـ بل العالم بأسره .. وفى تقديري هكذا قضايا إن لم تناقش اليوم فستناقش غداً .. وشخصياً أفضل أن تناقش اليوم .. وفى الهواء الطلق .. وأمام سمع وبصر الرافضين لها .. أو المتخوفين منها .. أو المختلفين عليها .. وقصة أن هناك خصوصية فى طرح القضايا الإسلامية ( عوام / خواص .. أبناء حركة / غرباء ) مشجب أتمنى أن ينزعه أحدهم من أجل التمكن من مجاراة عصر بات يوصف بالقرية الصغيرة.. وغدت زاوية الأسرار والخصوصيات فيه ضيقة جداً .. وكذلك حتى ينجلي ـ على أقل تقدير ـ الغموض الذى أصبحتُ أتفهم مبررات الخوف من وجوده(2) .. خاصة فى سياق الحديث عن الدولة .. فالأمر يحتاج لشفافية وصراحة كبيرة.. كما يحتاج الى مكاشفة وتفكيك أعمق مما نسمعه فى خطب الوعظ والإرشاد .. أو إعادة نشر كتب ومنشورات تبدو لي فى كثير من الأحيان كما لو أنها منتهية الصلاحية .. وهنا أود أن أشير الى أنه ليس بالضرورة أن نتفق مع الدكتور فى كافة إختياراته أو إجتهاداته .. ولكن من الضروري أن نثمّن مسلكه الداعي لتلبية إحتياجاتنا عبر إختيارات فقهية أكثر ملائمة من بين الموجود .. وأن نؤكد له ـ ولغيره ـ عن رغبتنا فى الإستماع لإجتهادات وتفسيرات " منضبطة " لما بين أيدينا من نصوص لمعالجة أو ترميم الحالة الليبية بالدرجة الأولى .. فإذا كان الشرع والمنطق يؤيدانا فى أن إستجلاب إجتهادات وإختيارات فقهية من بيئة أو زمن أو مجتمع مختلف عنا ، خطأ لابد من تجنبه .. فإنهما سيكونا أكثر تأييداً لنا عندما يتعلق الأمر بالتقعيد للدولة الحديثة .. أصدقائي الأعزاء .. إذا كان المريض ليبياً فلا أظن أننا سنختلف على أن الطبيب الليبي سيكون الأقدر على علاجه.. أو على الأقل الأقدر على تشخيص علته بشكل أدق .. وكذلك حلم الدولة وما سيعتريه من عقبات ـ فبكل وضوح ـ وبصفة شخصية ـ لن أتحمس له إلا إذا كان يحمل الجينات الليبية الخالصة .. وسأعتبر ما زاد عن الحدود الليبية محل نزاع مشروع ومبرر .. وقد سبق وأن عللت قناعتي هذه(3) .. وكما كانت دوافع الكلام عن المحور الأول فى هذه الورقة مبنية على دعوة للتفكير من قبل كاتبها الأستاذ مفتاح الطيار .. كانت دوافع كتابة هذا المحور منطلقة من دعوة مشابهة ختم بها الدكتور عبدالحكيم مقالته المشار إليها سابقاً .

بين يدي الورقة :
على أي حال.. أسمحوا لي أن أنطلق من نقطة تفريق الدكتور بين "إسلام النص" و"إسلام التاريخ"(4) .. فالكل يعترف بوجود إسلام النص.. ويتفق على ضرورة تمييزه عن إسلام التاريخ .. ولكن القصة يا دكتور ـ والحديث للجميع ـ ليست فى الإعتراف بوجود هذا البرزخ بينهما .. بل بتأثر السواد الأعظم بإسلام التاريخ لا إسلام النص .. وحتى الذى يقر بالقسمة .. ترتجف أوصاله بمجرد رؤية أثار تلك القسمة تعمل من حوله .. والهاجس هنا لاعلاقة له بثوابت الشرع ، بقدر ما له علاقة بثقافةٍ غذي بها المجتمع فتحولت الى سلوك .. بل الى شيء يشبه ما يمكن وصفه " بعقيدة الظل " .. وهي عقيدة لا تقل قداسة عن " عقيدة النص " .. غير أنها تجرّم بصور ملتوية قضية التفكير .. وتجعل من العقل " مناط التكليف " ضمن قائمة المشكوك فى نزاهتهم .. ففى الوقت الذى نجد " عقيدة النص " لا تحرّم الأخذ والرد حتى فى بعض الأمور التى تمس قضايا الإعتقاد .. كرؤية الله جلال جلاله .. التى وصفت السيدة عائشة من قال بها بأنه " قد أعظم على الله الفرية " !(5) .. نجد فى المقابل " عقيدة الظل " تفتتح باباً تحت مسمى " باب سد الذرائع " لتغلق بموجبه الكثير من مسالك التفكير الحر.. وقس على ذلك .. حتى وصلنا الى سيئة سحب مفهوم " السمع والطاعة " على أبواب الحكم والسياسة .. أين تحول الكمّ المسلم الى أصفار على الشمال .. كمّ أمست تتقاذفه أهواء ورغبات حكام وساسة وقادة ومشايخ بطريقة تكاد تشكل الإستثناء فى عالم تسارعت وتيرة إنتزاع الحقوق .. وتقنين الواجبات .. وتوزيع السلطات .. بشكل لم يسبق له مثيل .. من أجل مزيد من المشاركة الشعبية من جهة .. ولتقليم أظافر الدكتاتورية من جهة اخرى .

فكيف السبيل ـ صديقي العزيز ـ للإنتقال من حالة وصف الفوارق بصورة تكاد تكون نخبوية .. الى حالة فتح باب " التابو " من أجل جعل الموضوع جزء من ثقافة الشارع ؟! .. هذا بإعتبار أننا نريد أن نشارك ونعيش ونتعايش مع دولة عصرية .. وأقول لكل الأصدقاء ( وأنا أؤمن بالله ورسوله واليوم الأخر).. أن الدولة الحديثة يمكن أن تقوم على " إسلام النص ".. ولكنها ـ بكل صراحة ووضوح ـ لن تنهض فى ظل ما نراه من طغيان " لإسلام التاريخ " .. لأن " النص " وليس " فهم النص " هو المقصود من وراء قاعدة أزلية البقاء والتعاطي .. لكونه ـ أي النص ـ يمكن تفسيره والإجتهاد فيه .. أما فهم النص أو التاريخ فهو فرع تم تجميده لممارسة إجتهادات بشرية عالجت قضايا عصر تغير.. ولا أريد التذكير بالقاعدة الأصولية التى تحدد أن المقايسة أو التمثيل تتم على الأصول .. لا على الفروع ! .

وعند الإلتفات الى قصة التاريخ نفسها فسنقف إن كنا موضوعيين أمام حلقة مفقودة .. وهي إستبعاد أو قل إضعاف فكرة وجود المبرر أو المُسبب السياسي كأحد محركات التاريخ أثناء تفسير التاريخ .. فأهيلت على حوادثه طبقات من القداسة جعلته أسطورياً أكثر من اللازم .. وتمت تنشئة المجتمع على تاريخ يُبرأ صانعوه من بشريتهم .. تاريخ نقيت صورته من أثار غرائز بشرية زرعها الخالق فى ذات الإنسان الذى حمّله رسالة عمارة الأرض وإستخلافها .. لا يقدح وجودها ـ أي تلك الغرائز ـ فى عقل ولا ذمة الفاعل بقدر ما يثير غيابها علامات إستفهام .. لذا فلا يمكن بحال أن ينتج لنا الفهم التاريخي ـ المستجلب من مجتمعات مغايرة ـ الحيوية التى تحتاجها الدولة الحديثة .. فالتاريخ المقدس ( بأيدي ـ وفى عقول البعض ) يحاول أن يجعل ـ على سبيل المثال ـ من التنافس على السلطة خطيئة يجب تبرئة من نحبهم منها .. والتشبث بذات السلطة نقيصة لا تليق بالإنسان.. هذا فضلا عن إستبعاد فكرة الخطأ السياسي .. أو سوء التدبير .. وعدم الأهلية .. والسقوط .. والتخبط .. والكذب .. والتحايل .. وصولا الى التبرير الغنوصي لبعض أحداثه .. فأصبح لدينا أجزاء هامة من التاريخ مبررة تارة .. ومُفسرة بطريقة غير موضوعية تارة أخرى .. وبالتالي لم تستوقفنا أخطاءها بالصورة التى تجب .. ولم تصدمنا كوارثها بالقدر الذى يجعلنا نتعامل معها بعقلانية أكثر .. والدليل أننا نجد فى كتب ومباحث ودراسات وخطب وعِظات تنتمي الى القرن (21) ما يشير الى اهمال الدروس التى يفترض أنها خلاصة التاريخ عندما يوصف بأنه " تجربة بشرية غير مقدسة لها ما لها .. وعليها ما عليها " .. فأصبحنا نلمح نتائج لتقييمات حديثة تتكئ على نتائج تجارب بشرية خاضها الصحابة على سبيل المثال .. وتجعلها تماثل النص .. بل وتقفز عليه فى بعض الأحيان .. بالرغم من أن ذات العصر لم يحتمل تثبيت إجتهادات أهله .. والأمثلة على ذلك كثيرة كترك بعض الصحابة لإجتهادات من سبقه بعام أو عامين .. بل نجد أن فقه سيدنا عمر بن الخطاب مثلا(6) .. يتعدى فكرة عدم الإلتزام باجتهادات تاريخ سابق .. الى فكرة التدبر فى الحكمة من ذات النص .. وهو ما عرف لاحقا بـ " تعليل الشريعة " .. فعندما وقف أمام نص يتحدث عن تقسيم الزكاة الى ثمان مصارف .. سارع الى وقف سهم المؤلفة قلوبهم .. وعندما سُئل قال : " كنا نعطيها عندما كان الإسلام ضعيفاً " .. اي ربطها بتعليل مقاصدي عقلاني بحت.. ولم يقل طالما أنها " نص " وأنه تاريخياً مورس بهذه الكيفية فهذا يكفي .. ولا مجال لإعمال العقل فيه .. بل إجتهد فى معرفة علة نزوله .. ومن ثم مقايسة الواقع عليها .. وعندما خلص الى أن العلة قد إنتفت لم يجد حرجاً ولم يخشى بشراً فى التصريح بإيقاف سهم المؤلفة قلوبهم .. وهو كما قلت نصاً مقدساً .. فما بالك بإجتهادات بشرية تاريخية إرتبطت بظروف تغيرت عشرات المرات .. وكيف إذا كان ذلك الإجتهاد التاريخي معفى من مشرط التفسير السياسي لنفي أو اثبات صلاحيته لمجاراة الواقع .. من هنا أتفق مع الدكتور على ضرورة التفريق " بالحسنى " بين إسلام النص وإسلام التاريخ .. وأعتبر قسمته تلك أحد أهم بوابات الولوج الى مرحلة الدولة وما يتعلق بها من أحكام .. وأضيف دعوتي له بالبحث فيما وراء النص .. بعد أن خلص الأصوليون الى أن " الشريعة معللة " .. مع إقراري بظرورة مراعاة الفرق بين الشريعة والعقيدة .. وبين الأليات والمضامين .. عند إعمال هكذا قواعد .. كما أتمنى على الدكتور أيضا أن يقترب أكثر ـ فى دراساته ـ من الحالة الليبية لتفعيل مستوى " تحقيق المناط " عليها .

سادتي الكرام : سنصل ـ بعون الله ـ ذات يوم لحقبة الدولة ـ أو هكذا نرجو ـ .. وحسب المعطيات التى تشهدها المنطقة سيكون للتيار الإسلامي تواجد فيها .. والناس تأمل فى رؤية التيار الإسلامي كمشارك فاعل ومنسجم مع الحالة والمحيط .. ولا تريده كخصم منغلق .. و لا كحجرة عثر .. و لا كمغرّد خارج السرب .. وهذا يحتم على بعض التيار الإسلامي التخفيف من أسلاكه الشائكة حول مفهوم الحوار والنقد وقبول الآخر .. وأن يثبت ذلك عملياً .. لا أن تستخدم الفكرة لتلميع ظاهره .. مع بقاء داخله يرزخ تحت وطأة تأوهات مغلقة .. ولعل هذا المطلب سيجرني ـ طالما أننا فى سياق حديث المصارحة والوضوح ـ الى تكرار رجائي السابق ( مع بقاء قناعتي بقصة الأحزاب كما جاءت فى مقدمة الجزء الأول )..وهو ضرورة التحول من فكرة الطرح الإيديولوجي الى فكرة الطرح الخدمي(7) .. فعندما تكون المطالب المدفوع بها واللافتات المرفوعة تحمل ما يشير الى وجود حزب سياسي .. وبما أن مفهوم الحزب السياسي فى كل الدنيا يعني الرغبة فى الوصول لسدة الحكم أو المشاركة فيها .. وهي رغبة مشروعة ومشفوعة على أي حال .. نأمل أن تتوقف حكاية جلب الناس على أساس ، ومن ثم تأطيرهم على أساس أخر.. لأنني بصراحة كثيراً ما أستشعر بأن الأغلبية التى يحضى بها التيار الإسلامي لا علاقة لها بمعايير العمل السياسي .. لكون الغالبية العظمى إنقادت وإنضمت للعمل الإسلامي من خلال مقدمات لم تعنى بداياتها بالمشروع السياسي بقدر إعتناءها بالحديث عن عقيدة وسلوك ومآل المسلم .. وهي أمور واجب شرحها وتبليغها للناس .. ولكنها شيء غير " المشروع السياسي " الذى يتوقف وصول من يقف وراءه لسدة الحكم على قصة الأغلبية .. تلك الأغلبية التى يجب ـ لكي تستقر الدولة ـ أن تكون قائمة على منطق سياسي .. وقادمة من رحم فلسفة متفهمة ومستوعبة لمعنى المشروع السياسي .

وأيضا نرجو أن لا يقترب الخطاب الديني من شبهة كتم أنفاس المنتقدين لبعض إزدواجياته المثيرة .. كإلاحتجاج بأننا دعاة الى الله فى حال التراجع .. والمطالبة بحصص الأحزاب السياسية فى حال النجاح .. وأيضا هذا الإرتباك لن يزيله إلا التحول الى فكرة الأحزاب الخدمية .. فيقدّم الحزب الإسلامي نفسه على أساس ومسمى ومعايبر البرنامج السياسي الخدمي .. وينافس ـ كأحد الأطراف ـ عبر أجندة تتحدث عن هموم الناس وإحتياجات الدولة فى المجالات الرئيسية المعروفة .. ولا شك أن قمة نجاحه فى خدمة الإسلام ـ حال وصوله الى هدفه ـ هو أن يعرف الناس أن حلول قضاياهم والتخفيف من معاناتهم تمت على يد أجندة حزب ذي خلفية إسلامية .

ولعل ما يلحق بهذه النقطة أيضا ضرورة التفكير فى حذف مصطلح الحزب أو الجماعة الشمولية .. المستخدم بكثرة فى أدبيات الحركة الإسلامية .. لكونه أمسى يناقض فكرة تمييز الدولة عن النظام .. ويكسر فلسفة الحياد الإيجابي .. بل أصبح هذا المصطلح يستخدم للإشارة الى الكوارث التى عانت منها البشرية على أيدي أنظمة فاشية فاشلة .. فكيف يستقيم وجود خطاب عصري وفكر تنويري .. ورغبة فى العمل السياسي المدني .. مع الإصرار على تبني فكرة الحزب الشمولي ؟! .. فأعتقد أن القلق والخوف الذى تتركه عبارة " الحزب الشمولي " ـ خاصة عندما تخرج من مشكاة حزب ايديولوجي ـ مبررة جداً .. ونزع فتيل التخوفات الناتجة عنها بيد قادة ورموز وكتـّاب الحركة الإسلامية .. الذين لا يقلون وطنية وحرصاً عن غيرهم .. والله حسيبهم .

(( إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة .. ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة )) (8).

وعوداً على التاريخ وعلاقته بقصة القاعدة الفلسفية للدولة الحديثة التى نحن بصدد الحديث عنها .. نجد الكثير من المراجع ـ حتى المعاصرة منها ـ لازالت تتحدث عن الدولة التاريخية ( الأموية / العباسية / العثمانية .. الخ ) كنموذج للتبشير .. ولازالت كلمة " الخلافة " تتردد هنا وهناك .. بالرغم من أن الدولة فى الإسلام ليست دولة نصية .. لا من حيث الإسم والشعار ولا من حيث الشكل والأليات.. بل هي دولة الإجتهاد البشري المتغير .. فعلى سبيل المثال فإجتماع مجموعة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة لطرح موضوع الدولة .. وعرضهم ومناقشتهم لعدة خيارات وبدائل .. يدل دلالة قاطعة على أن الأمر هنا بشري بحت ولا علاقة له بالنص إطلاقاً .. وكذلك نجد سيدنا عمر بن الخطاب عندما أحس بوجود خلل ما فى طريقة بناء الدولة .. على الكيفية التى تمت بها بيعة سيدنا ابوبكر .. لم يجد بأساً فى تطوير فكرة الدولة .. فقال واصفاً ما حدث قبل بضع سنوات : " كانت بيعة ابوبكر فلتة وقى الله شرها المؤمنين " .. وجاء بشيء أخر غير بيعة النخبة الذى حدث يوم السقيفة .. فقال : " والله لا يبايع رجل رجلاً من دون المؤمنين إلا ضربت عنقه " .. أي أحال القصة برمتها لإختيار الأمة .. وهذا التطوير يدل على بشرية التكليف والتكييف .. بالإضافة الى أن التطوير حدث خلال بضع سنين .. فكيف لا نطور ونحن على بُعد مئات السنين من الإجتهاد الأول ! .

ولعل أبرز المطلوب فى هذا الباب هو الإبتعاد قدر المستطاع عن فكرة رسم تفاصيل الدول على الورق من طرف واحد.. ودون أخذ موافقة الشعب.. والإستعاضة عنه بالحديث عن دولة المواصفات .. فللحزب أو المجموعة أن تتحدث عن مواصفات الدولة التى يرغب فى الدعوة اليها .. ولتصرح على سبيل المثال بأنها تريدها دستورية تقدّس الفصل بين السلطات(9) .. ولكن لا تنزلق فيكتب لها دستورها منفرداً .. فالدولة فى الإسلام كما هي الدولة عند كل البشر قائمة على مبدأ المواصفات التى أبرزها " العدل " دون التمسك بشكل جامد أو ثابت لكيفية تحقيقه.. يقول ابن القيم [.. بيّن سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده اقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط ، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له .. ] (10).

فبكل تأكيد يحتاج خندق التيار الاسلامي الى شيء من التجديد المسموع .. ويحتاج الناس الى الإستماع لقادته ورموزه .. والحوار معهم بصورة أكثر مباشرة فى هذه المرحلة .. وفى تقديري ما يقوم به الدكتور عبدالحكيم ( وغيره بالطبع ) يصب فى خانة الوضع الإيجابي .. لذا أشد على يديه .. وأتمنى له التوفيق فى رسالته .. ونأمل أن نرى له أبحاثاً أخرى تأخذ بعين الإعتبار بعض ما جاء فى هذه الورقة من تساؤلات .. أو رغبات صديقة ـ إن جاز التعبير ـ .. فعمر وتجربة الحركة الإسلامية فى ليبيا ترشحها بجدارة للتحول .. والإنتقال من مرحلة " ما أهدي إليها " .. الى مرحلة " ما تنتجه أيديها " .. ولعل هذا ما بدأ يرشح فى الأونة الأخيرة وإن كان يحتاج الى دعم وتشجيع من قبل الليبيين لخلق حالة ليبية نعتز بها من جهة.. ونأمل أن تعمل على إحداث التوازن المطلوب للمراحل القادمة من جهة اخرى .. وداخل التيار الإسلامي بعمومه توجد الكثير من الشخصيات القادرة على الإسهام فى نهضته وتحوله والإرتقاء به .

الخاتمة :
وفى ختام هذه الورقة التى أردتها بقسميها الأول والثاني نقدية بعيدة عن الشخصنة أو جرد الحسابات .. وحوارية تستهدف كل مستويات وأطوار الحوار العقلاني الجاد(11).. أود التذكير بأن تحويل حلم الدولة الحديثة الى واقع ملموس .. مسئولية الجميع داخل الوطن وخارجه .. وأنها لن توهب على طبق من حديد فضلا عن أن يكون طبقاً من فضة .. وأيضا لن تنجز فى ساعة من نهار .. وبقدر ما تكون الممارسات فى فترة مخاضها مدنية ومتسامحة .. بقدر ما تأتي لحظة الولادة مشابهة .. فما نغرسه اليوم من معانِ .. أو قيم .. أو مبادئ .. وما نختاره لها من أليات ووسائل .. هو ما سيظهر على شكل الدولة ذات يوم .. وإذا كنت ـ عزيزي القارئ ـ تظن بأنك لن تعيش طويلا فى ظل هذه الدولة .. أو أنك تشك فى حضور ولادتها .. ففكر على الأقل فى مستقبل أبناءك .. وأدعم بالكيفية التى تناسب وضعك وإمكانياتك شكل الدولة التى ترغب فى أن يستظل أطفالك بظلها .. فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة .. ولله الأمر من قبل ومن بعد .

والسلام
عيسى عبدالقيوم
yumuhu65@yahoo.com
________________________

(1) من كتاب " الطرق الحكمية " لإبن القيم الجوزية ..صفحة 33 .
(2) والتخوف ليس فقط من جهة الغموض الذى يراه البعض فى المشهد الاسلامي .. فأنا كمتابع لهذه الموضوع تخوفت بشكل كبير لما يطرحه بعض السادة المستغرقين فى عالمانيتهم .. فهم يطرحون أفكاراً لا تخلو من الشذوذ والإقصى للأخر تحت مسمى حماية الحريات .. وايضا وجدت الكثير مما يثير اللقلق والخوف فى مقالة الدكتور مهدي انبيرش حول المعنونة بـ " الثورة والدولة " .. التى بثها موقع " اخبار ليبيا " تحت هذا الرابط :
http://www.akhbar-libya.com/index.php?option=com_content&task=view&id=729&Itemid=1
(3) يمكن الرجوع لمقالة " تلييّب المشكلة والحل " ( جزئين ) .. وتجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea06066a.htm
(4) انظر مقالة الدكتور عبدالحكيم الفيتوري المعنونة بـ " الفكر الاسلامي بين اشكالية النص والتاريخ " تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/afaituri/af15026a.htm
(5) وإستدراك السيدة عائشة رضى الله عنها على كثير من الاحاديث النبوية التى يرويها الصحابة طويل .. ليس أولها حول تعذيب الميت فى القبر بفعل أهله .. ولا أخرها حول رؤية الله جل جلاله .. ومن أرد الإستزادة فعليه بكتاب " الإجابة لإراد ما استدركته عائشة على الصحابة " .. للزركشي .
(6) أنظر كتاب "أوليات الفاروق السياسية " د. غالب عبدالكافي القرشي .
(7) سبق الاشارة الى التفاصيل مع مراجعها فى القسم الأول من هذه الورقة .
(8) المقولة تنسب للشيخ الاسلام ابن تيمية .. أنظر مجموع الفتاوى 28/146 .
(9) أرجو ملاحظة أن الورقة بالأساس مصروفة لجهة الحديث عما أسميته المنطلقات النظرية أو الفلسفية لما عليه حِراك المهجر .. وما يتعلق به من أليات أو وسائل .. لكونه الشق الذى ينبغي أن يكون محل إتفاق أو قبول على الاقل . اما المضامين أو تفاصيل المشاريع فهي العمل الذى يجب أن يقوم به أصحاب اللافتات السياسية .. وأن يسعوا ويبذلوا جهدهم فى شرحه للجمهور .. وهذه بكل تأكيد ليست مهمتي فى هذا السياق .. ويمكن مراجعة مقالة " ملامح إنبعاث الدولة " .. تجدها تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea22014a.htm
(10) من كتاب " الطرق الحكمية " لإبن القيم الجوزية .. صفحة 19 .
(11) لاشك أن النظر للحوار كوسيلة تخاطب حضارية .. وعند تدبير مستوياته وانواعه وتفريعاته سنجد المدخل المناسب لكل ما نرغب فى إسماعه للآخر .. أو لسماع رأي الأخر فيه .. دون الحاجة لأن نتنازل عن قناعاتنا .. وحول المعنى يمكن مراجعة هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea09075a.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home