Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Sunday, 9 July, 2006

تـفاكيـر اليـوم الثـامن

عـيسى عـبدالقيوم

أعرف أنه من الصعوبة بمكان إثبات وجود شيء إسمه " اليوم الثامن".. فأيام الأسبوع تنتهي عند أعتاب اليوم السابع .. ثم تعود أدراجها الى اليوم الأول .. وهكذا دواليك .. ونظراً لأن الأيام السبعة أصبحت مراقبة مقموعة .. مقموع من فيها.. الكبار يتصنتون من خلال التكنولوجيا .. والصغار يسترقون السمع من خلال القيل والقال .. ولإحتمال أن تكون الأيام السبعة قد أختطف جلها لصالح المزايدات .. ولم يعد فيها للكلام العقلاني أنصارا بالقدر الكافي.. فجرّم فيها الحوار.. والتصريح بالأفكار غير التقليدية.. وأنكمشت فيها مساحة طرح الأسئلة الصعبة .. وتجريد الحالة من الرتوش .. وعندما لم يعد يكترث ـ فى الأيام السبعة ـ كثيرا لظواهر مثل الإقصاء والتهميش والتهريج إخترعت لنفسي يوماً ثامناً لن تجدوه على خارطة أيام الأسبوع .. جلست فى صباحه أتـنسّم عبيره النقي .. وأستمتع بطرح أخطر الأسئلة الدينية والسياسية .. وأتصفح أكثر الالبومات جراءة .. وأقرأ أكثر الكتب منعاً .. وأنتقد أطول الشخصيات قامة .

فعندما عاد الجميع أدراجهم بعد إنقضاء اليوم السابع لمربع اليوم الأول .. تسللت خلسة الى اليوم الثامن .. وها أنا هنا بدون أقنعة .. ولا لجان ثورية .. ولا لجان متابعة .. ولا سلطات أبوية .. لاجذرية ولا إصلاحية .. فالأفق أمامي يمتد الى ما لا نهاية .. والسماء صافية وخالية إلا من الملائكة .. تذكرت بعض الناس وتمنيت أن يقفزوا فى تلك اللحظة الى اليوم الثامن فوجودهم سيزيد من حيويته .. وقررت أن أنقش بعضاً مما أفكر فيه على جدار اليوم الثامن قبل أن أعود الى قطار الأسبوع .. وبما أنه يوم غير تقليدي فلن أكون تقليدياً فيه.. وسأكتفي بعناوين قد أعود اليها يوماً ما لأنقلها الى أحد أيام الأسبوع عندما تفتح أبوابها .. ويرضى سدنة السياسة فيها بوجود الآخر الحقيقي .. وليس الآخر المسخ .. التافه .. الإمعة .

سجّـل أنا مقموع : لقد قمعت داخل وطني قبل أن أعرف ما معنى القمع ؟.. والمضحك أنني قمعت فى وقت لم أكن أستطيع فيه أن أحدد : من أنا ؟! .. أين أنا ؟! .. بالرغم من أنني كنت أردد العبارة كجزءٍ من أغنية ام كلثوم .. قمعت يومها وغادرت مسقط رأسي مرغماً .. وبعد تجوال وتجوال .. وتجارب فاشلة .. وأخرى ناقصة .. وصلت الى المكان الذى لا يمل أهله من ترديد مفردات .. كالديمقراطية .. وحقوق الإنسان .. وحرية التعبير.. وحرية الصحافة.. وكنت أسمع عن الأحزاب السياسية فصار بإستطاعتي الجلوس الى مبشريها .. كنت أسمع عن شخصيات كبيرة .. فصرت أستطيع أن أطرح عليها تساؤلاتي .. فماذا كانت النتيجة ؟!.. أصرّح بعد هذا المشوار أنني مقموع .. ولم أجد الأجواء التى يفترض أن تنتجها شعارات بحجم وقِدم ما ذكرته منها .. ولم أجد المؤسسات التى من المفترض أن تنتجها ذات الشعارات .. فعاد إليّ ذات القلق الذى كان يرافقني وأنا شاب بسيط يجوب شوارع بنغازي .. لقد وجدت فى معابد الحرية المفترضة لجان ثورية أيضا .. وبت أخشى من صدور ميثاق للعقوبات الجماعية على غرار ميثاق الشرف .. فما العمل ؟!.. أعترف بأنه ليس لدي وصفة سحرية .. ولكنني قررت أن لا يكون من ضمن خياراتي التخلي عمّا وصلت اليه من قناعات .. فسأعتصم بالمهجر .. وسأعود الى أوراقي أراجعها .. وربما سأقلل من الثرثرة ـ كما نصحني أحدهم ـ الى حين فك الإشتباك بين من يزعم أنه ديموقراطي .. ومن يُتهم بأنه دكتاتوري .

نعـم بمواصفات لا : تعلمت أن عمليات فك وتركيب الذات شيء إيجابي وضروري فى ذات الوقت.. قرأت ذلك فى أوارق الشاطبي .. كما قرأته فى أوارق فولتير.. ولكني لاحظت أن الناس تحب العبارات الجميلة عن تطوير الذات .. ولكنها تخشى من ممارستها .. فوجدت من لا يجد بأساً فى لعنك حتى عندما تهم بالقول لقد كنت مخطئاً .. أو أن هناك ما يجب التراجع عنه .. فالكل يحتاجك شهيداً من أجل مناحة رأس العام .. ولا أحد يرغب فى رؤيتك تمشي فى الأسواق .. لم أستطع فى الأيام السبعة أن أجد من لديه متسعا من الوقت ليستمع لمراجعات رجل ككل الناس يصيب ويخطئ .. الكل يريد إعترافات تشبع ساديته المتنامية منذ عصر الخازوق .. الكل يريد أن يكفر عن سيئاته بتقديم الآخر قرباناً لها .. النـَعم باتت مستترة فى ثوب لا .. تقود هستيريا محاكم التفتيش المدفوعة بالمنطق الديني تارة .. وبالمنطق الوطني تارة .. وبالمنطق الثوري تارة أخرى .. أيها الناس الله يريدني أن أرتكب أخطاءً لكي أمارس بشريتي تجاه ربوبيته .. ولذا سأترك لكم مقعد الملائكة الذى سيجعلكم منافقين أمام أنفسكم ـ على الاقل ـ وسأتمسك بمقعد البشر .. وسأستجمع شجاعتي من جديد لأقول " لا " عندما يحين وقتها .. وأقول " نعم " عندما يحين وقتها .. دون الحاجة الى حزب يقوده قديس .. أو حزب يقوده إبليس .. فالمعارضة بالنسبة لي هي حالة الرفض .. وليست جلباب فلان أو عّلان .

نحن والتاريخ : عقلاء البشر يقرؤون التاريخ من أجل تنظيم الحاضر.. لصالح المستقبل .. ولكن يبدو أن هناك من يقرأ التاريخ ليتخذه سكناً.. " ومُسكناً " .. وما أرفضه فى اليوم الثامن هذا .. هو المبالغة فى لعن الغرب .. خاصة من الجاليات المقيمة فيه .. فالبعض يذهب الى التاريخ ليرسم صوراً غير واقعية .. هو يعرف أنها صور مُستجلبة من واقع تغيّر مئات المرات.. ثم يرفض أن يغادرها .. وأطرف ما يمكن أن تسمعه هنا هو قصة الفسطاطين .. فالبعض إستعارها دون تفكير .. وأصبح يرددها دون تدبير .. ففى ما مضى كان مصطلح الفسطاطين يعني أول ما يعني التمايز الحسّي .. ومظنة وجود الصراع بشكله المادي .. حتى قيل " لا تراءى نارهما " .. أما اليوم فالذى يعيش بوجدانه فى فسطاط الشرق المفترض ويلعن فسطاط الغرب الذى يقطنه .. هو ذاته الذى يحمل فى جيبه جواز سفر يكفل له حماية فسطاط الغرب من تغول طغاة فسطاط الشرق .. والذى يهيم بفسطاط الشرق المفترض غراماً هو ذاته الذى يُخرج كرت " الفيزا " من جيبه.. ليدخله فى أحد ماكينات حوائط فسطاط الغرب طالباً حقه من ثروة ذلك الفسطاط .. والذى يعيش بخياله فى فسطاط الشرق المفترض ويلعن فسطاط الغرب هو ذاته الذى لا يستطيع أن يتحصل على جنسية فسطاطه المفضل ولو ولد فيه .. أو عاش فيه لخمسين عاماً .. فيما يستطيع أن يتمتع بجنسية الفسطاط الذى يلعنه بمجرد قضائه لخمسة أو ستة سنوات مدفوعة الأجر فيه .. وبعد كل هذا ففسطاط الغرب لم يطلب ممن يحملون ملامح فسطاط الشرق إلا أن يحترموا أنفسهم .. ولم أسمع عن شخص طلِب منه ـ مثلا ـ أن ينسلخ عن عقيدته أو يغير قبلته.. لذا فالعيش بإنتهازية لا يمكن أن يكون من دروس التاريخ .. فنأمل أن تتوقف قصة زامق ويده فى القصعه.. لتوقف معها عدة ظواهر متناقضة .. منها الإصرار على وجود رجل ذي قلبين فى جوفه .. ويقرأ القرآن !! .

السياسة ككل مرة : السياسة سياستان .. أو كما يقال ظاهر وباطن.. سواء داخل الوطن أو خارجه .. ففى الداخل هناك من يُسمِعك عبارة أن " كلامك الذى تقوله عين الصواب .. بس .. يعني .. الظروف مش مواتيه ".. فتتوهم أن حديثك معه إيجابي الى أبعد الحدود .. وعندما يغادرك ينتهي كل شيء .. وتراه فى أول مناسبة عامة يردد الأفكار التى ربما وصفها فى جلساته الخاصة بالعقيمة .. وايضا فى الخارج هناك ساسة يهمسون بأن هذه الأجندة أو تلك عديمة الفائدة .. وأنها جرّبت دون أن تعطي ثماراً .. وأن هذه الفكرة أو تلك ربما أحسن وأجدى " بس .. يعني .. الظروف مش مواتيه ".. فتسر لقوله .. ثم تجده فى أول مناسبة يتحول الى كربلائي كما لو أنه من نسل الحسين .
يا جماعة الخير : أصحاب الأفكار الجيدة كُثر ولكنهم للأسف خائفون من العزلة.. فلابد من وضع نهاية لهذه الفوبيا .. فمن لديه أفكاراً فليعرضها.. فما يريده الناس هو الحل وليس النواح .. وعلى رأي أهل الشام : " الناس تريد العنب ولا تريد رأس الناطور " .... فأفهموها .

رأسماليون خارج اللعـن : بعض الإسلاميين يظن أن الرأسمالية تعني شخص يعلق الصليب ويأكل لحم الخزير.. وبما أنه يعبد الله ويأكل لحم الحلال فهو بعيد عن الرأسمالية.. ولهذا تجده يتعامل مع البشر بمنطق رأسمالي بشع .. فلا يتوانى عن أكل عرقِهم .. ويعتبر إستخدامهم شطارة .. واستغلالهم تجارة .. فى ذات الوقت الذى يردد عقب إستعمال لفظ الرأسمالية كلمة " الملعونة ".. ولا يدري أنه يمارس رأسمالية مشوهة وأكثر خطورة .. لكونه لا يعرف أنه رأسمالي .. ولم يتعرف على العلة التى من أجلها كره الناس الرأسمالية .. والأدهى أنه لا يعتبر ذلك ضرورياً .. والأمرّ أنه يتوهم أنه على الصراط المستقيم .
أما الدكتاتور عنده فهو شخص بمواصفات " عيدي أمين " ـ أيام عزه ـ .. أما حين يُهاجم الآخر من أجل رأيه من على المنبر .. أو من خلال حلقة الدروس الدينية .. وينادي المنادي بعزله ومحاصرته .. فالأمر حلال زلال .. ولا يرد لدى السامع أي خاطر بأن ما يمارس فى تلك اللحظة دكتاتورية .. فقط لأن القائم على التبشير شيخ أو داعية .. لا يشبه " عيدي أمين " .

من عـلامات بكرة : تذكرت بعض الشخصيات الوطنية التى خدمت ليبيا .. وتذكرت مشوارها الطويل .. رفعت لها القبعة .. وتفهّمت حتى ما يمكن أن يعتبره البعض زلات أو عثرات.. وانا فى إنتظار بطاقة الدعوة لحضور حفل تكريمها بمناسة الإستقالة.. وإفساح المجال أمام جيل أخر.. وبالمناسبة فالإحتفالات مرتقب مشاهدتها داخل الوطن.. وخارجه .. والعاقبة عندكم فى المسرات.

أخر الخواطر : نجح البعض فى التحول النظري الى خانة النضال السلمي .. ولكنه فشل فى إستيعاب نقلته تلك .. ومن ثم فى إنتاج أوراقها .. فأصبح كالذى " فقد مشيته ومشيت الحمامة " .

حان وقت مغادرة اليوم الثامن والعودة الى أيام الأسبوع .. ولم يبقى لي إلا أن أشير الى أمر لم أكتبه أعلاه .. وهو كوني لم أستطع أن أخبركم بكل ما فى نفسي .. فلازلت أشعر بأنه عند نقطة الانزعاج من النقد العميق .. الجاد .. المباشر تتساوى الشخصية الليبية بين الراعي فى سهول جردس العبيد .. وبين المحاضر فى جامعات واشنطن .. وبما أن فكرة اليوم الثامن مشجعة على التفكير بصوت مرتفع .. فالحل أن تتكرموا بجعل اليوم الثامن جزءً من أيامكم حتى نطور ـ من خلاله ـ أجواءً حسنة للتفكير بصورة أكثر جرأة .. تخرجنا من طور البدائية فى التفكير .. الى طور الذى " خلقه فكرّمه ".. فأزمة الوطن كانت .. ومازالت .. وستبقى .. ذات علاقة أصيلة بفلسفة الحرية .

السلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________

ـ تعازينا الى آل المغيربي.. والى كافة أهل الوطن فى فاة الاستاذ محمد بشير المغيربي.. نسأل الله له الرحمه ولذويه الصبر والسلوان.. وسيبقى جهده الذى بذله من أجل الوطن.. سواء من خلال جمعية عمر المختار.. او من خلال كتاباته.. جزءً من تاريخ ليبيا الحديثة الذى تعتز به الأجيال وتثمنه.
ـ صديق تساءل: أين تقف؟!.. وكنت قبل أن يطرق سؤاله سمعي بأيام كتبت أقول [.. وشخصياً لا تستهويني تلك القسمة الضيزي.. فلو إنقسم تجمع سياسي ما الى صقور وحمائم.. فسأختار الوقوف فى مكان ثالث.. لأني أعتقد جازماً أن وقت " الأبيض والأسود" فى القضايا السياسية قد ولىّ مع عهد الأحزاب الإيديولوجية (...) فأصبح من العقل والمنطق والسياسة.. أن نتفهّم أن هناك مواقف من الصقورية فيها أن نقف مع رأي الحمائم.. وأن هناك مواقف من الحمائمية فيها أن نقف مع رأي الصقور.. وإعتبار ذلك نوع من التذبذب أو إنعدام للوطنية.. يشير الى أننا نعيش خارج اللحظة.. حتى لا أقول خارج التاريخ..] .. المقال بطوله تجده تحت هذا الرابط :
http://www.libya-watanona.com/adab/essa/ea27056a.htm


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home