Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum


Essa Abdelqayoum

Friday, 9 May, 2008

يسألونك عن الدستور(*)

عـيسى عـبدالقيوم

منذ أن تم إلغاء دستور 1951م الموصى به من الأمم المتحدة كشرط لإستقلال ليبيا عقب الإنقلاب الذى أطاح بالنظام الملكي فى سبتمبر 1969م.. والإستعاضة عنه بما عرف "بالإعلان الدستوري" فى ديسمبر 1969م.. والذى جُمّد العمل به عقب إنتقال نظام الحكم فى ليبيا للعمل وفق "الكتاب الأخضر" وبواسطة "إعلان قيام سلطة الشعب" فى مارس 1977م.. لم تعرف ليبيا أي مسطرة دستورية تضبط إيقاعها السياسي.. وربما بإعلان "البحرين" إنتقالها للنظام الملكي الدستوري.. باتت ليبيا الدولة الوحيدة التى ليس لديها دستور.

كان هذا حتى مطلع العام 2005م حين أعلن لأول مرة عن إمكانية أن يكون لليبيا وثيقة دستورية أو ما عرف لاحقاً " بالمرجعية القانونية " .. ثم جاء شهر أغسطس من ذات العام ليفتتح نجل العقيد القذافي سيف الإسلام مرحلة الكلام العلني عن حاجة الدولة لدستور عصري .

منذ ذلك الوقت بدأت التسريبات عن وجود نخبة ليبية تعمل على الورقة الدستورية التى لم ينشر عنها الكثير .. وبدأت المحضورات تتكسر تباعاً .. وظهرت أصوات مستقلة تتحدث عن ضرورة إيجاد دستور .. وعن الأليات التى ينبغي إتباعها من أجل إكتسابه مشروعية حقيقية .. وبرزت ندوة " السياسات العامة " التى إحتضنتها جامعة قاريونس سنة 2007م كأحد أهم المحطات فى طريق التحول .. وفيها عرضت أوراق تتحدث بخطاب وطموحات غير تلك التى عرفتها ليبيا لقرابة الأربعة عقود .

ومن خلال مراقبة المشهد السياسي الليبي يمكن رصد عدة مجاميع ذات تأثير على فكرة الإصلاح السياسي الدستوري فى ليبيا .. أهمها فى تقديري السيد سيف الاسلام القذافي الذى يستمد قوته كونه نجل العقيد القذافي .. ويعتمد على " مؤسسة القذافي للتنمية " فى التواصل مع كافة الإتجاهات .. حيث إستطاع أن يبني شبكة علاقات متداخلة ومعقدة جداً .. فمن نجاحه فى التواصل مع بعض التجمعات والشخصيات الليبية المحسوبة على المعارضة فى المهجر .. الى إستقطابه لطبقة التكنوقراط .. الى تناغمه الواضح مع التيار الفكروثقافي البارز حتى الأن كجبهة رفض داخلية .. الى علاقته المميزة بالوسط الأكاديمي خاصة فى جامعتي طرابلس وبنغازي .. دون أن نغفل مجاملته للخط الثوري .. وتشير التسريبات حول قضية الدستور الى محاولة " مؤسسة القذافي " إشراك أغلب الأطراف عبر صيّغ متعددة فى مستديرة مشروع الدسترة .

وتبرز فى هذا السياق " جامعة قاريونس " .. التى نشطت بشكل ملفت خلال الأعوام الخمسة الأخيرة .. حتى باتت مقالات وأبحاث بعض أساتذتها محل أخذ ورد فى الوسط الإعلامي والثقافي .. وعمل أعضاء من كوادرها على العديد من الأوراق التى تشكل العمود الفقري لورش العمل الملحقة بمشروع الدستور .. وفى هذا الإطار أعلن قبل شهور عن نية البحث فى هيكلية خارج " المؤتمرات الشعبية " لتبني الطرح الدستوري المرتقب .. والذى سيؤدي فى حال نجاحه بالضرورة الى التقليل من حجم تأثير النظرية الشعبية .. وبرزت فكرة " مركز الديمقراطية " الذى تعّثر فى محاولة النهوض الأولى ( ديسمبر 2007) ثم دشّن فى ( فبراير 2008 ) بصورة رسمية ..وضم أسماء من أساتذة الجامعة .. عموماً لا يمكن لأي مراقب أن يغفل الدور الذى لعبته قاريونس فى مشوار التحول الدستوري الذى يمثل أحد أبرز مواطن الإجماع الوطني .

وهناك أيضا الوسط الثقافي الذى لم يكن غائباً .. وإن كان يبدو على هيئة جزر معزولة .. إلا أن إنتقاداته غطت ملفات كانت الى عهد قريب من المحرمات .. وبرزت ظاهرة المسرح السياسي لتغذي المشهد الثقافي بسلسلة من المسرحيات الناقدة .. بلغت ذروتها مع مسرحية " المستشفى ".. ويمكن للمراقب أن يلمح تحول المشهد الثقافي خلال السنوات القليلة الماضية من زاوية الهمس والرمزية .. الى منطقة التصريح .. بل وتسجيل المواقف أيضا .. كما حدث فى وثيقة الإحتجاج على منع المرأة من السفر بدون محرم .. ووثيقة المثقفين التى تطالب بحرية الإعلام .. وغطت كتابات وأبحاث وتحقيقات الوسط الثقافي قصة دسترة الدولة بصورة مباشرة .. باتت مطالبتها تشكل أحد روافد الضغط فى إتجاه ولادة دستور توافقي للدولة الليبية .. وشكل العدد السادس من " مجلة عراجين " ـ الذى أفسح بالكامل للحديث عن قضية الدستور ـ أحد أبرز المحطات الثقافية.

ثم يأتي المهجر الليبي أين تنشط المعارضة بكافة أطيافها كأحد أبرز المطالبين بولادة دستور للدولة .. وكان له السبق فى الطرح والتناول.. وفى تقديري كان لحضور المعارضة ومناشطها يد فى التغيير السياسي الذى بدأ يطرأ على الحالة الليبية .. سواء منها من تبنى خيار الإصلاح .. أو من رفضه وأعتبره خدعة بصرية .. ففيما شارك الصنف الأول عبر حوارات مباشرة مع النخبة الليبية المنحازة لفكرة إعادة تأهيل الدولة .. شارك الصنف الثاني عبر رفضه للفكرة مما جعل الدولة أمام خيارات ضيقة فى التعاطي مع الحالة .. وأتصور أن ورقة المعارضة لازالت تؤثر على مجريات الأحداث داخل ليبيا .. خاصة وأن المطالبة بدستور يحكم علاقة الحاكم والمحكوم نقطة باتت تجتمع عليها كلمة المعارض وغير المعارض .. وتحضى بكتابات جادة عبر أغلب مواقع المهجر .

وفى تقديري لن تكتمل العناصر المؤثرة فى قصة إعادة الحياة الدستورية فى ليبيا .. إلا بالإشارة الى الرغبة الليبية فى الشراكة الأوروأمريكية.. وما تتطلبه من تغييرات جذرية لتوفير أكبر قدر من مقوماتها .. ونظراً لإعتبار الغرب النهج الديمقراطي وملف حقوق الإنسان أحد أبرز معايير تقييم الأخر .. ففي تقديري لعبت هذه الرغبة دوراً لا يستهان به فى الضغط على الدولة الليبية للإتجاه نحو دسترة وتقنين مشهدها السياسي .. وتنقية ملفها الحقوقي .. ولن أستبعد فرضية أن تكون قضية شكل نظام الحكم أحد شروط الصحة وليس شروط الكمال للشراكة المرتقبة .

وهكذا سيدخل الليبيون العام 2008 بوعود كبيرة ربما أهمها على الإطلاق وعد "المنابر السياسية" و"الدستور" و"الإعلام المستقل".. فهل سيشهد العام التحول المرتقب.. أم سيثبت أننا أمام لعبة "الباب الدوّار"؟!. والسلام

عـيسى عـبدالقيوم
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال فى "المرصد الديمقراطي" ، نشرة دورية يصدرها مركز دراسة الإسلام والديمقراطية ، واشنطن، السنة الثالثة، العدد الأول، مارس 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home