Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Essa Abdel-Qayoum
الكاتب الليبي عيسى عبدالقيوم


عـيسى عبدالقيوم

الإثنين 8 مارس 2010

الدبلوماسية الليبية على وقع القمة العربية

عـيسى عـبدالقيوم

هل أمورنا تسير على ما يرام ؟!!.. بهذا السؤال إفتتح صديقي (الموفد) دردشة حول حظوظ القمة العربية المرتقبة فى ليبيا .. وإنطلق ـ بعد الإستفهام ـ يتحدث عمّا يشبه قنص قرون إستشعاره لخلل ما فى طريقة عمل الدبلوماسية الليبية .. تركته يفرغ ما في جعبه فقد كان يبدو محتقنا بما يكفي .. ثم عقبت بعبارة أتفق معك أنه ثمة شعور بوجود ضبابية لا تبعث على الراحة فى الشارع الليبي .. وأضفت محدثاً صديقي ـ كي لا يعتبر الأمر مجرد تنفيس من شخص أكل المنفى كبده ـ : ألم تلحظ أن القلق قد وصل الى المقربين من المطبخ السياسي .

رفع رأسه مستفسرا : هل تقصد تصريح سيف الإسلام ؟!.

أجبت بأني لا أقصد سطور تصريحه الصحفي فقط .. بل وأقصد حتى ما بين سطوره أيضا .

وأضفت : نعم يا صديقي ثمة غيمة فى الأفق .. وقد لا أتفق معك فى قولك بأننا نعيش أزمة .. فالأقرب أننا مستمرون فى أزمة قديمة متجددة .. وصلت اليوم حدود الإشتباك مع المستقبل الذي إن لم يفلت من كماشتها ستخنقه وتحيله الى شبيه أخر للماضي المُحبط للأمال .

تساءل بعد أن إنكمش الى الداخل قليلا .. ففي حالتنا الليبية لا حدود للصبر وللكلام حدود .. وهي معضلة بت أقبلها بعد أن أدار الناس ظهورهم لحديث الأزمات .. وأصبح غيره ألطف وأخف على نفوسهم وجيوبهم .

تساءل قائلا : وما السبب فى رأيك ؟!.

وبما أن " اللي يرقد للستة يرقد للستين " .. والخصومة باتت تمنح بسبب وبدون سبب .. فدون حسابات .. ومستصحبا لحسن النية فى كامل الحوار .. إنطلقت أبحث عن بداية صحيحة لوصل الكلام بين عمل الدبلوماسية الليبية وعقد القمة وحديث الأزمة .. ولا أدري لماذا طفت على سطح ذاكرتي في تلك اللحظة أية من سورة " طه " .. حيث جاء على لسان موسى عليه السلام قوله { وأجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه فى أمري } .

فهنا رغم أن التكليف ديني بحث ومنصوص فى ألواح مقدسة .. والمُتكلم نبي يفترض أنه مؤازر من السماء .. والمخاطب هو رب العالمين .. إلا أن الطلب كان بشري للغاية .. يتمحور حول طلب العون والإستشارة من بشر على الأرض .. وليس من ملكٍ فى السماء .. من أجل سلامة المهمة .. فى إشارة لعدم الإستغناء عن الطريقة البشرية حتى أثناء أداء ما هو سماوي.. فما بالك بما يتصل بأصل الطبيعة البشرية.

البحث عن عنوان :

خمّنت أنه مدخل جيد للتنكيش فى أزمتنا الدبلوماسية .. بشكل هادئ بعيد عن الإنفعال .. فالموضوع يحتاج ـ بداية ـ الى عرض حيادي نتعرّف من خلاله على مدى قرب أو بعد الدبلوماسية الليبية من معايير يستشعرها المراقب أو المحلل للحدث.. ثم ليلعن بعضنا بعضاً بالطريقة التى تروق له فى ظل إنسداد القنوات الصحية .. البداية فى تقديري منشؤها غياب فكرة وجود الإطار الدستوري المحدِد لكيفية صنع القرار ( من الزاوية البعيدة ) .. وغياب فكرة وجود مستشارين ومراكز دراسات ذات إرادة مستقلة لتزويد السياسي بالخيارات المتاحة ( من الزاوية القريبة ) .. وهذا قد يبعد اللوم عن طاقم العمل التنفيذي للدبلوماسية الى حين .. ويلحقه بشكل مباشر بالجهة التشريعية .. أو بدائرة صنع القرار فى هرم السلطة .

نحن يا صديقي ـ والكلام للجميع ـ لا نمتلك محضناً صحياً للحديث عن أي أزمة تمر بشارعنا .. فقط ننتظر ردة فعل السلطة التى لا ندري كيف ، ولا أين تصنع ؟! .. ثم ننقسم حيالها الى فريقين .. فريق يؤازر بلا تحفظ .. وفريق يرفض بلا شروط .. هكذا إستمرت اللعبة القاتلة لعقود .. حتى أصبحت كما لو أنها الطريقة المثلى .. رغم أن أنجح دول العالم وأكثرها تحقيقا لمصالحها عبر ما يعرف بالقوة الناعمة (= الدبلوماسية ) يوجد لدى رؤسائها عدة مستشارين معلن عنهم رسميا .. وعلى طاولتهم الصباحية توضع عدة تقارير قادمة من معاهد ومراكز بحث ذات صلة رسمية بالدولة .. كي يعلم الشارع أن القرار ليس فرديا .. وبالتالي عند الفشل غالباً ما نرى ضمن قوائم الإستقالات أسماء مستشارين .. مما يشير الى أن الرأي كان شركة ولم يكن أحادي .. فوصد الباب أمام الأعراف الدبلوماسية .. والعمل على تبهيت تقاليدها .. أحالنا الى أمة تنتظر الفشل كما تنتظر النجاح .. دون الإحساس بخطورة الأمر على مستقبلها .

نحن لازلنا نخوض عبثية ( مع أو ضد ) .. ونغوص فى مستنقع ( يا أبيض يا أسود ) .. الغالبية المتنفذة تدفع بإتجاه الباب المغلق .. والأقلية القادمة للتجديد تبدو ردة فعلها مترددة جدا .. كون المعادلة الوحيدة الآمنة " إن لم تركب معنا تكن من الغارقين " .. ولا أحد فى أيام " الواغمة " هذه يرغب فى الغرق يا صديقي .. فمن لم يركب .. اكتفى بوداع سفينة الغرقى بتميمة " للبيت رب يحميه " .

نحن وسويسرا :

على أي حال.. لو تابعت ـ يا صديقي ـ فصول الأزمة الأخيرة بشكل موضوعي (= الأزمة السويسرية ).. ستجد أن سويسرا وقعت فى أخطاء قاتلة .. ولو لعبت الدبلوماسية الليبية دورها ببرودة أعصاب .. وإستمعت أكثر مما تحدثت .. لكانت ربحت الجولة بكل تأكيد .. أما اليوم فعلى أقل تقدير ستعتمد الدبلوماسية الغربية نظرية (50/50) للهروب من أي إستحقاق .. فإذا كانت سويسرا تعسّفت فى إستخدام بقانون " الشنغل " .. فقد تعسّفنا فى استخدام فقه " الجهاد " .. وإذا دعت لردعنا .. فقد دعونا لمسحها من الخارطة .. وهكذا كانت سويسرا تبدأ مفردة فى خروجها عن النسق .. غير أنه ما نلبث أن نلحق بها .. كما لو أننا فى سباق مارثون .. لنفقد ورقة مهمة .. فى الوقت الذي نطالب جهات اخرى بمنحنا تأييدها .

نحن وأمريكا :

وكذلك فى الأزمة المفتعلة مع أمريكا .. ( بعد تحذير مؤسسة النفط شركات أميركية من تداعيات تعليقات مسؤول بالخارجية الأميركية ) 1 .. فلم يكن من المناسب أبدا أن تقحم الدبلوماسية الليبية مسألة العلاقات الإقتصادية فى قضية عابرة .. وتشترط الإعتذار الرسمي لتجاوزها .. كون القصة لم تصل الى هذا المستوى .. وأتفق أنها أقرب للدعابة الصحفية منها للحديث الجاد.. وعليه فقد ورطت الدبلوماسية الليبية نفسها .. فأمريكا لن تعتذر .. وستبدو الدبلوماسية الليبية كما لو أنها تراجعت وقبلت ما فسرته بإجحاف على أنه إهانة .. وربما كان من الأنسب لو طلبت تفسيرا للحديث فقط .. وبصيغة شديدة اللهجة .. فتنفذ إحتجاجها .. وتمنح الطرف الأخر فرصة لقبوله .. ألسنا أصحاب نظرية أن السياسة شعرة بينك وبين خصمك .. إن شددها أرخيتها .. وإن أرخاها شددتها ؟!!.

نحن وفلسطين :

وكذلك تبدو أزمة فلسطينية فى الأفق .. والخطأ ذاته مكررا .. ويحوم حول ترتيب الدبلوماسية للقاء مصالحة بين فرقاء القضية الفلسطينية .. يبدو أنه غير ناضج بين الأطراف المعنية .. ولم تنجح دبلوماسية الرجل الواحد فى تحديد مفاتح الملف الفلسطيني فى هذه المرحلة .. فى ظل وجود (حماس ) فى أحضان سوريا وإيران .. ووجود ( فتح ) فى أحضان مصر والسعودية .. وهنا كان لزاما على الدبلوماسية الليبية أن تعترف بوجود دول محورية تمسك بالخيوط الرئيسية للمرحلة .. فالمحور السوري الإيراني يلعب ورقة التوتر المسلح فى المنطقة عبر مثلث حماس/ حزب الله / فيلق بدر .. فى مناطق غاية فى الحساسية ( فلسطين / لبنان / العراق ) .. والمحور السعودي المصري يلعب ورقة الدعم اللوجستي " للمنظمة" ويمسك بخناق معبر " رفح " وقاعدة التوازن العربي .. وهكذا لم يكن من الممكن أو المُيسّر أن تقترح الدبلوماسية الليبية ورقة الصلح الفلسطيني كورقة " مفاصلة " على طاولة القمة المرتقبة .. لتضع نفسها بالتبع فى مأزق جديد نتج عن سوء تقديرها .. وتصاعد ليتحول الى أزمة دفعت الجانب الفلسطيني لطلب إعتذار لشخص فخامة السيد أبومازن .. رئيس بلدية الضفة الغربية !.. أو التلميح بالغياب .. وهكذا أضيفت أزمة الى الأزمات السابقة فى توقيت سيء للغاية .. مما حدا بمسئول عربي كبير الى دعوة ليبيا للتحرك من أجل تحسين الظروف مع عدة جهات إذا كانت ـ بحسب قوله ترغب ( انجاح القمة العربية المقبلة ) 2 .

نحن ولبنان :

كما يمكن اضافة التلويح غير المبرر بالمساس بمصالح لبنان الشعبي ( الأفراد و الشركات ) فى حال غاب لبنان الرسمي ( الحكومة ) .. وهو كذلك تلويح غير دبلوماسي بالمرة .. فالحضور والغياب سمة لم تعد تشكل عيباً فى القمم العربية .. وغالباً ما يكون الحرص على حضور الدول المحورية فقط .. فغياب " صفر" عن " الأصفار " ليس بالشيء المحبط .. ولو ترك لبنان لضغوط " الجامعة " وبشكل معلن من طرف الدبلوماسية الليبية .. لأمكن تجاوز ضغط شيعة لبنان (= قضية الصدر) ولحُجمت الأزمة الى أقل درجاتها .. دون الحاجة للتلويح بالضرر بالشعوب .. والتنصل من المسئولية تجاهها .. بشكل ربما هو الأكثر إحراجاً لليبيا من غياب "الحاكمدار " ميشال سليمان .. ( خاصة فى ظل مطالب رئيس وفد ليبيا إلى مؤتمر العمل العربي عبدالغني العريبي بإصدار بيان تضامني مع ليبيا ) 3 .

نحن والمستقبل :

وهكذا يبدو أن القمة كشفت لنا عما فعلته بنا السنين العجاف .. وأتصور أن الأوان قد آن لتغيير طريقة العمل ولو تدريجيا .. فالعمر الإفتراضي للأجندة التى قادت العمل الدبلوماسي قد إنتهى .. وسياسة العالم وتحالفاته بل ومزاجه تغير عدة مرات .. وليبيا تبحث ( على المستويين الرسمي والشعبي ) عن عبور آمن للمستقبل وتجاوز فاتورة الماضي الباهضة .. بل وأزعم أن الحديث الجاد هو عن الشراكة مع أوربا وليس مع بلوعة أفريقيا .. ولا مع المقبرة الجماعية المسماة " الوطن العربي " .. وكل هذا يتطلب ثورة فى تركيبة العمل الدبلوماسي ..نأمل أن لا ننتظر طويلا من أجل أن نراها تعمل لصالح الوطن والمواطن.

لم أشأ أن انغمس الى هذا الحد فى الرمال المتحركة .. فلست متفائلا ـ سياسياً ـ هذه الأيام .. لكن حديث صديقي جرني اليها .. وقبل أن أغلق فمي لأسابيع قادمة أود القول إقراراً وليس إنشاءاً : إذا كانت السياسة فن الممكن .. فدور الدبلوماسية تحديد الممكن .. وإذا كانت السياسة شعرة بينك وبين الناس .. فدور الدبلوماسية تحديد مدى قدرة الشعرة .. وإذا كان عنوان السياسة الخطاب .. فدور الدبلوماسية صياغته .

هكذا بدت لي الأزمة .. وهكذا بدا رأيي فيها .. وربي يجعل كلامنا خفيف عليهم !! .

والسلام

عيسى عبدالقيوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ بحسب موقع الجزيرة نت/ تقرير خالد المهير.
2ـ وهو ما تقله موقع " ميدل ايست اون لايين حيث ( وأكد د. زهير الحارثي في تصريحات خاصة لـ "قدس برس" أن المطلوب من القيادة الليبية أن تتحرك من أجل تحسين علاقاتها مع العديد من القيادات العربية من أجل انجاح القمة العربية المقبلة.)
3ـ بحسب صحيفة الوقت البحرانية .



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home